الإعلانات
Press "Enter" to skip to content

أول القصيدة كفر

نُشر في الشروق في ١٢ ديسمبر ٢٠١١

أثناء وقوفى فى الطابور للإدلاء بصوتى فى انتخابات مجلس الشعب الأسبوع الماضى شهدت واقعتين تتعلقان بحزب الحرية والعدالة أظنهما تعبران عن الحيل غير الأخلاقية التى يتبعها الحزب لجذب أصوات الناخبين كما تدلان على الخلل الذى يعتور مفهوم جماعة الإخوان المسلمين للانتخابات بشكل خاص وللسياسة بشكل عام.

أولى الواقعتين حدثت عندما حضرت لمقر لجنة التصويت واكتشفت طول الطابور الذى كان قد امتد لعشرات الأمتار، فقبل اصطفافى فى img-20111128-00458الطابور جاء إلى أحد مندوبى حزب العدالة والحرية ليعطينى مطويات ملونة عن مرشحى الحزب (وهو ما يعد مخالفة للقانون الذى يحظر الدعاية الانتخابية فى حرم مقر الاقتراع). كان المندوب شابا أنيقا وتحدث معى بشكل لطيف وبوجه بشوش قائلا إن هناك طابورا آخر أقصر مخصص لكبار السن يمكن أن أصطف فيه وبذلك اختصر الوقت. فقلت له إننى لا أظن أن سنى يعطينى هذا الحق، فإننى وإن لم أكن شابا مثله إلا أننى لست كهلا أيضا بدرجة تسمح لى أن انتقل للطابور الآخر. فرد على مازحا «معلش ممكن تستغل شعرك الأبيض وتقف هناك. أنا بس عاوز أسهل على حضرتك». فرددت عليه شبه مازحا «مش انتم برضه حزب يدعو للأخلاق والفضيلة، يبقى إزاى عاوزنى أديلك صوتى بالغش والتدليس؟ ده حتى يبقى أول القصيدة كفر».

●●●

الواقعة الثانية كانت المطوية التى أمدنى بها المندوب، ففيها يقول الحزب بالنص: «نحن نؤمن بأن الإصلاح مسئولية الجميع، لذا نمد أيدينا لكل المصريين من أجل: بناء المواطن الصالح روحيا وعلميا وثقافيا، وبناء نهضة علمية واقتصادية، وعودة مصر لدورها الريادى عربيا وإقليميا ودوليا».

مشكلتى مع هذا النص لا تكمن فى الهدف الثانى والثالث، فلا أحد يعترض على الرغبة فى بناء نهضة علمية واقتصادية أو العمل على رفعة مصر واستعادة مكانتها عربيا وإقليميا ودوليا. ومشكلتى لا تكمن أيضا فى شمولية هذه اللغة وخلوها من التفاصيل، فتلك تحديدا هى سمة كل الشعارات السياسية، أما التفاصيل فتحتويها برامج الأحزاب والمرشحين.

المشكلة الحقيقية تكمن فى الهدف الأول، فللوهلة الأولى قد يبدو هدف «بناء المواطن الصالح روحيا وعلميا وأخلاقيا» هدفا نبيلا لا يختلف عليه اثنان. ولكن العمل على تهذيب أخلاق الناس والارتقاء بهم روحيا لا يجب أن يكون من عمل الأحزاب ولا يجوز أن تتطرق له الجماعات السياسية. من يعمل بالسياسة لا يجب أن يتطرق لأخلاق الناخبين وأرواحهم إذ إن ذلك يعنى أنه لا يوافق على أخلاقهم ويعترض على تصرفاتهم وأن باستطاعته أن يهذب من سلوكهم وأخلاقهم. إن الناخب هو من يحق له أن يتأكد من أخلاق من ينتخبه ومن سلوكه العام والخاص، أما المرشح فلا يحق له أن يتطرق لنوايا ناخبيه أو أخلاقهم إذ إنه بذلك يتعالى عليهم ويتصرف وكأنه يتمنى لو كان هناك شعبا آخر أرقى أخلاقيا وأسمى روحيا من الشعب الذى يطلب صوته.

المشكلة الحقيقية فى هذا التوجه أنه يخلط السياسة بالدين، فالعمل على الارتقاء بأخلاق الناس يجب أن يقوم به المدرس فى المدرسة أو الواعظ فى الجامع أو الكنيسة وليس السياسى فى البرلمان. عضو البرلمان لا يجب أن يشغل نفسه بتهذيب أخلاق الشعب بل بالعمل على رقابة الحكومة وسن قوانين وتشريعات ترتقى بمستوى معيشة الشعب. إن الناس تنتظر من عضو البرلمان أن يعمل على حل مشكلة البطالة والعشوائيات والمرور والزبالة والتعليم وأنبوبة البوتاجاز وليس أن يعظهم فى كيفية تهذيب أخلاقهم.

أما وقد اختار أفراد هذا الشعب نفسه مرشحين يخلطون السياسة بالدين (كما تدل نتيجة المرحلة الأولى من الانتخابات) فأظن أن الأيام ستثبت أن هناك من سيزايد على الإخوان فى اللعب على وتر الأخلاق، وسينتهى بنا الحال بالقول «ما اسخم من ستى إلا سيدى».

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: