Press "Enter" to skip to content

مجلس الرياسة

قريت مقالة الأستاذ ياسر رزق ال نشرها من يومين وال بيمهد بيها السكة لتعديل دستوري يضمن بقاء السيسي للأبد. واستوقفني فيها الفقرة بتاعت المجلس الانتقالي. الفقرة بتقول:

إننى أرى أن المصلحة العليا للبلاد التى أحسبها مهددة اعتباراً من شتاء 2021/ 2022، تقتضى إضافة مادة إلى الدستور تنص على إنشاء مجلس انتقالى مدته خمس سنوات تبدأ مع انتهاء فترة رئاسة السيسى، هو مجلس حماية الدولة وأهداف الثورة.على أن يترأس المجلس عبدالفتاح السيسى بوصفه مؤسس نظام 30 يونيو ومطلق بيان الثالث من يوليو، ويضم المجلس فى عضويته الرئيسين السابق والتالى على السيسى، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الشيوخ (إذا أنشئ المجلس)، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس المحكمة الدستورية العليا، والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس المخابرات العامة، ورؤساء المجالس المعنية بالمرأة والإعلام وحقوق الإنسان.

أول حاجة خطرت في بالي هي إني قريت الكلام دا قبل كده. وفعلا لقيت عبد اللطيف البغدادي، عضو مجلس قيادة الثورة (بتاعت ٥٢) بيقول في مذكراته إن جمال عبد الناصر أتكلم مع عبد الحكيم عامر في سبتمبر ١٩٦٢ بخصوص:

“التنظيم السياسي الجديد للمرحلة المقبلة. وتم الاتفاق على ضرورة قيام الدولة على مؤسسات سياسية ضمانا للمستقبل وتنفيذا لما هو وارد في الميثاق الوطني [بتاع سنة ٦١]. وكانا قد اتفقا على تشكيل مجلس رئاسة كقيادة جماعية، وعلى أن يعتبر هذا المجلس هو الهيئة العليا لسلطة الدولة. وأن يختص برسم السياسات العامة ومتابعتها والموافقة على القوانين والقرارات قبل أن يصدرها رئيس الجمهورية. ولا يتولى أحدا [كذا] من أعضائه عملا في السلطة التنفيذية. وكان عبد الحكيم عضوا بهذا المجلس وباقي الزملاء أيضا وهم كمال الدين حسن وزكريا محيي الدين وحسن إبراهيم وحسين الشافعي وأنور السادات وأنا [وكلهم أعضاء مجلس قيادة الثورة القديم]… وطبقا لهذا النظام الجديد كان سيعين قائدا عاما جديد [كذا مرة تانية] بدلا من عبد الحكيم  (مذكرات البغدادي، ج ٢، ص ١٧٨-١٧٩).

عبد اللطيف البغدادي

وقصة المجلس دا، مجلس ١٩٦٢، مش مجلس ٢٠٢٢، قصة ممتعة للغاية، بيشرحها البغدادي، (وأنور السادات في بحثه عن ذاته) وتبدأ من سنة ٥٦ بعد العدوان الثلاثي لما حاول أعضاء الشلة دي إنهم يقنعوا المشير بضرورة محاسبة الضباط المسئولين عن الأداء السيء للجيش، وخاصة الطيران، في الحرب. لكن عبد الحكيم قالهم: علي جثتي، دول رجالتي، ولو عايزين تعاقبوهم يبقى لازم تعاقبوني أنا كمان. فالموضوع وقف لحد هنا. لكن بعد موضوع الانفصال بتاع سوريا وبعد ما الناس عرفت إن الانقلاب بدأ من مكتب عبد الحكيم (اللي كان حاكم سوريا وقتها) وإنه ما عرفش عنه حاجة، عبد الناصر فاض بيه وقعد يفكر في طريقة يبعد بيها عبد الحكيم عن الجيش، فتفتق ذهنه في الآخر عن افتكاسة المجلس الرئاسي دي.

لما قالوا الفكرة لعبد الحكيم وافق في الأول، لكنه رجع في كلامه بعد ما قعد مع رجالته في الجيش وبعد ما حذروه إن دي مكيدة وإن عبد الناصر ناوي يتخلص منه. فحَرَن وخد بعضه وراح مرسى مطروح، وما قالش لحد هو فين. وكأنه قفل تليفونه. وبعد أسبوع لقوه في استراحة المعمورة، وعبد الناصر طيب خاطره بعد ما أدرك إن صاحبه مسيطر على الجيش وإن إبعاده، حتى ولو بطريق المجلس دي، ممكن تؤدي لانقلاب عسكري. وخلصت الأزمة بإن عبد الحكيم طلع منها أقوى من الأول وأخد في إيده سلطة تعيين الرتب العليا، وعمليا منع عبد الناصر من التدخل في شؤون الجيش.

عبد الحكيم عامر مع جمال عبد الناصر

وتمر السنين وينشر مصطفى بكري، الله يمسيه بالخير، كتاب من خمس أجزاء اعتبره من أهم الكتب اللي اتنشرت السنة دي (٢٠١٨). الكتاب اسمه “هزيمة الهزيمة” ويتضمن محاضر اجتماعات عبد الناصر مع مجلس الوزراء واللجنة التنفيذية للاتحاد الاشتراكي ومع القادة السوفييت والقادة العرب ال جم مصر بعد الهزيمة يواسوا عبد الناصر.

الكتاب في غاية الأهمية لأننا لأول مرة بنسمع عبد الناصر وهو بيتكلم وراء الأبواب المغلقة، وبيفضفض، وبيقول ال بيفكر فيه. محاضر اجتماعات مجلس الوزراء بالتحديد غاية في التشويق والمتعة علشان بتوضح لنا أسياد البلد بيفكروا إزاي في العملية السياسية، وفي الديمقراطية، وفينا، الشعب اللي عامل لهم مشاكل ومسبب لهم صداع ومش عارفين يعملوا فيه إيه.

المهم، المحاضر، اللي تاريخها يعود لصيف ٦٧، وتحديدا ليوليو وأغسطس وسبتمبر ٦٧، فيها كلام رائع لعبد الناصر عن موضوع المجلس الرياسي دا وأزمته مع عبد الحكيم.

تعالوا نقرا ونتسلى:

في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي يوم ٣ أغسطس ٦٧ قال عبد الناصر: “أنا بقول علنًا: أنا في الجيش من سنة ٦٢ كنت بأحاول ألم وما أعملش صدام قد يودي البلد في داهية! وانتم تعرفوا هذا، وقلت لكم ده. في سنة ٦٢ قبلت استقالة عبد الحكيم عامر، وانتم عندي في البيت، وفي الآخر قلت لكم سيبوني أفكر. ما كنتش عارف الموضوع. كان فيه ناس عايزة تعمل حاجات [قصده إن عامر ماسك الجيش وبيهدده بانقلاب عسكري عليه] وقعدت لميت عبد الحكيم عامر وبعدت نفسي عن الجيش، وقبلت بأوضاع لأسباب تعرفوها ويعلمها الله… وقلت لنفسي نلم نفسنا. وكان هدفي أطمئن عبد الحكيم من الناس اللي كانوا بيخوفوه مني. وهو بيخاف مني.. وكنت باريحه، لكن كنت برضه أقدر أقول له، يقول لي حاضر، ما عدا حاجة واحدة: موضوع الجيش. كان مصمم على رأيه، وأنا سلمت بهذا.” (بكري، هزيمة الهزيمة، ج. ٣، ص ٣٤).

وبعدين قدّم عرض شامل لتاريخ الديمقراطية في البلد من أول الثورة بتاعتهم (بتاعت ٥٢):

أنا قاومت عمل حزب في أول الثورة لعدة أسباب… إذا كنا عملنا حزب في أول الثورة كنا هنعمل ديكتاتورية عسكرية، وتاريخنا معروف وواضح، وحصل خلاف في أول الثورة في هذا الموضوع، على موضوع الدكتاتورية أو موضوع الديمقراطية. كان ممكن نعمل حزب ونعمل دكتاتورية عسكرية ومشينا في نظام فاشستي سريع لعدة أسباب. إحنا كنا ضد أحزاب اليمين وضد أحزاب اليسار، الشيوعيين كانوا بيهاجمونا، والأحزاب التانية كانت بتهاجمنا! والإخوان المسلمين كانت بتهاجمنا، والشيوعيين بيقولوا علينا إننا أمريكان، والتانيين كانوا بيقولوا علينا إننا فاشيست!

والحقيقة إحنا قررنا نتغلب على موضوع الدكتاتورية العسكرية بالمعنى اللي إحنا نعرفه، وحاولنا نطبق نظام الأحزاب. وأنا في الحقيقة في الأول كنت مقتنع بنظام الأحزاب، ولكن وجدنا إن الأحزاب الموجودة بأي حال إنها تمشي!

حلينا الأحزاب، وعملنا فترة انتقالية لغاية ٥٦، وجه برلمان ٥٦، ثم برلمان ٥٧ و٥٨. مشينا أيضا في هذه العمليات.

وبعدين جه الميثاق، وبعدين قلنا عايزين نعمل ديمقراطية الشعب العامل، وهو الأساس اللي موجود في الميثاق. وقلنا الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب في اللجنة التحضيرية، ومشينا في هذه العملية.

وخدنا التشكيلة الموجودة، اللي هي النهارده تحالف قوى الشعب العاملة، اللي هم العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية.

كل ده الحقيقة كلام كويس. وقلنا الديمقراطية السياسية لا يمكن إلا أن تتم بالحرية الاجتماعية. حطينا مجموعة من المعادلات، ولكن فعلا في التطبيق حصلت مشاكل كثيرة بالنسبة للتطبيق.

وبعدين نطرح السؤال اللي هو إزاي نضمن استمرار النظام السليم اللي يؤمن للناس في المستقبل؟ مثلا إنهم ما يقعوش في ديكتاتورية عسكرية أو فاشية أو حاجة زي أمريكا اللاتينية، أو تيجي ناس لا قيم لها أو مبادئ تتولى السلطة؟ ده الحقيقة الموضوع الأساسي اللي احنا بنتكلم فيه.

وبعدين بنقول الديمقراطية والناس تتكلم. إزاي نخلي الناس تتكلم ومتخافش؟ طب النهارده مهما قلت لهم اتكلموا وما تخافوش، الناس مش هتصدق.” (بكري، ج. ٣، ص ٢٧٣-٢٧٤).

وشوية بشوية، وكل ما زاد الكلام كل ما بدأ عبد الناصر يبوح باللي كان مدركه من الأول: إن النظام فاسد من ساسه لراسه.

تعالوا نكمل قراءة:

“العمل السياسي كله عمل سياسي سايح… احنا بنلف في حلقة مفرغة بقالنا كذا سنة” (ج ٣، ص ٢١). “الحقيقة النهارده بعد ١٥ سنة من الثورة هل النظام ده صح؟ كيف ذلك والصراعات في كل حتة داخل الاتحاد الاشتراكي؟” (ج ٣، ص ٢١). “طالما الناس اللي في السلطة حاسة أن مافيش حد بيقولها انتم ليه بتعملوا كده أنا في رأيي هندخل على مرحلة فساد… حتى المعارضة اللي موجودة في مجلس الأمة معارضة هزؤ جدا” (ج ٣، ص ٢٢-٢٣). “ميزة المعارضة إنها حتصطادلك الغلط. مطلوب مني إني أقوّم أخطاء الدنيا كلهم. أنا آسف لا أستطيع. لا يمكن.” (ح ٣، ص ٢٤). “بكل أسف أنا ما عنديش فكرة راسخة في رأسي… أنا باقول إن النظام اللي احنا ماشيين فيه لغاية النهارده فيه عيوب كبيرة جدا… أنا قلت الكلام دا من ثلاث سنين. أنا كنت شاعر بمخاطر كبيرة جدا على المستقبل من ثلاث سنين.” (ج ٣، ص ٢٧).

“النظام حالة ميئوس منها.” (ج ٣، ص ٣٣). ونتيجة للحالة الميئوس منها دي، اقترح عبد الناصر “مجلس الأمة كلام فارغ. في نوفمبر ندعو مجلس الأمة ونحله. ونطلع قانون إن فيه حزبين مش ثلاثة.” (ج ٣، ص ٣٥).

وتاني يوم، يوم ٣ أغسطس ٦٧ الحديث دار والفكرة اختمرت في ذهنه أكتر، فكرة التعددية الحزبية: “نعمل حزبين. نعمل قانون ويكون البلد فيها حزبين. ده كذا وده كذا. والمؤسسون للحزب الفلاني إحنا، واللي عايز ينضم ينضم، ودي عملية ممكن تنظيمها بالقانون، وأي تنظيم خلافها يعتبر خارج عن القانون.” (ج ٣، ص ٣٧)

وبعد ما الكلام دار ولف عن مين اللي يقوم بدور الحزب المعارض، وصل عبد الناصر لنتيجة مذهلة:

“بأسأل نفسي هاودي البلد دي فين بالنظام المتفسخ المتعفن من مجاميعه؟ هاودي البلد فين؟… في الحقيقة هنروح فين؟ إحنا قصرنا في المسئولية الملقاة على عاتقنا، ووصلت الحساسيات … لدرجة أصبح الجبن ديدن الجميع. باجرجر مجلس الوزراء ده بيتكلم، كل واحد يقول لك: وأنا مالي!” (ج ٣، ص ٢٢٧)

“قدامنا طريق من اتنين: نظام الحزب الواحد المضبوط. حزب طليق. [لكن] فات علينا الأوان لعمل الحزب الواحد المضبوط بالشكل دا. [البديل التاني] يبقى فيه صراع، وأنا بقولها كده: صراع، والبقاء للأصلح والبقاء للأقوى… [ونتيجة اختيار البديل التاني:] عبد الحكيم حب يبني نفسه بالجيش، وبالتالي زكريا حب يبني نفسه بالداخلية، وعلي صبري حب يبني نفسه بالاتحاد الاشتراكي، وأنور السادات في مجلس الأمة، وحسين الشافعي الراجل ملقاش حاجة، والدولة اتفسخت.” (ج ٣، ص ٤٣). “احنا بنمثل حزب واحد على قاعدة واسعة. لكن ده بياكل في ده، وعملية أكل على جميع المستويات. مفيش فايدة نستمر. يبقى البديل هو المعارضة. التحدي. حزب قومي، نعمل حزب يؤاخِذ ويفصل ويحاسب…” (ج. ٣، ص ٤٥)

“أنا بأقول إيه؟ النظام اللي إحنا فيه أنا خايف منه! أنا النهارده أقوى واحد فيكم. لكن خايف منه لسبب. لأني شايف انحرافات مش قادر أقوّمها ولا أوقفها. كده بصراحة. طيب ممكن في المستقبل يبقى فيه أسوأ من كده؟” (ج ٣، ص ١٧٢)

الحوار كمل لتاني يوم، يوم ٤ أغسطس ٦٧. يومها عبد الناصر زاد وجوّد:

“الـsystem اللي مشينا به وصلنا لآثار سلبية جدا… ونتج عنه إن الوضع بقى rotten على جميع المستويات. النظام بياكل بعضه، ونتيجة لهذا كل ربع بياكل الربع الآخر على أعلى المستويات. النظام بهذا الشكل لا يؤمن الناس علي مستقبلها. النظام ليس فيه حياة اللي الواحد بيشوفها في داخل الأنظمة [الأخرى]. … إذاً هذا النظام المقفول رأيي إن احنا نحرر البلد منه بأي شكل وننقل البلد إلى نظام مفتوح. (ج ٣، ص ٢٠٤). “لأن بهذا الشكل ما فيش فايدة بصراحة! إحنا بنفسخ البلد.” (ج. ٣، ص ٢٢٩).

“إزاي ندي البلد ثقة في النظام؟ وإزاي إحنا بنقول النظام سقط؟ وأنا قلت هذا الكلام. مين اللي أسقط النظام؟ النظام أسقطه أفراده مش أعداؤه أبدا.” (ج ٣، ص ٢٣١)

وبعد كل الكلام الشجيع ده، وبعد التصميم على فتح المجال العام كمخرج وحيد للمأزق اللي النظام لقى نفسه فيه، جت لحظة التحدي الحقيقية: مظاهرات العمال والطلبة بعد أحكام الطيران في فبراير ٦٨، يعني بعد النقاش الشيق دا بستة أشهر.

مظاهرات الطلبة. فبراير ١٩٦٨

الناس نزلت الشارع بعد ما سمعت الأحكام. صدقي محمود، قائد الطيران (اللي بالمناسبة كان محتل المنصب دا من سنة ٥٤، وهو اللي اعترض عبد الحكيم على عزله بعد فشله في حرب السويس) أخد ١٥ سنة سجن، بينما الناس كانت متوقعة إعدام. فالناس نزلت الشارع تعترض. تاني يوم الناس مطالبها زادت، بدأت تطالب بصحافة حرة، تالت يوم طالبت برفح الحراسة، رابع يوم طالبت بحل مجلس الأمة لأن ما لوش فايدة.

مجلس الوزرا اجتمع يوم ٢٥ فبراير لمناقشة الأوضاع الخطيرة دي، لأن دي كانت أول مرة الشارع ينتفض ضد عبد الناصر. مصطفى بكري، الله يمسيه بالخير مرة تانية، ناشر محضر الاجتماع دا في ١٢٠ صفحة. درر. درر. فرصة لا تقدر بمال إن الواحد يسمع ويقرا أسيادنا بيفكروا إزاي وبيحكمونا إزاى.

مختصر الاجتماع إن الوزراء مرعوبين ومش عارفين يلموا الموضوع إزاي. في الأول عرض لتقارير عن الحالة الأمنية: في الجامعات والمصانع وأحياء القاهرة المختلفة. وبعدين بداية نقاش رائع وممتع، ومصدر المتعة في رأيي إن أسيادنا بيتناقشوا وكأنهم كلهم بيتساءلوا عن الناس اللي في الشوارع وبيقولوا “من أنتم؟” أو “إيه اللي وداهم هناك”؟

طبعا كان فيه ناس، وأهمهم أمين شاكر، وزير السياحة، اللي كان شايف إن الناس عندها حق تنزل الشارع وتشترك في مظاهرات. المظاهرات سببها “ضيق الناس، وعلى جميع المستويات، وإن فيه كبت. الكبت ناتج عن إن الناس بتحس إنهم ما بيشاركوش في العمل السياسي، ما بيشاركوش في إرساء نظام للعمل يضمن إن الشعب ولو في المدى الطويل يبقى هو صاحب السلطات.” (ج ٢، ص ٤٢٢)

لكن كان فيه وزرا تانيين بيقللوا من أهمية المظاهرات، وبتقول أن الموضوع كله أصله شوية إخوان مسلمين.

ثروت عكاشة

لكن ثروت عكاشة، وزير الثقافة، قال إن أصل المظاهرات طالب في معهد التربية قال له إنه كان “رايح سينما، وبعدين لقيت مظاهرة في شارع فؤاد ولقيت البوليس بيضرب في زملائي، فانضميت لزملائي بدافع من المروءة، وما دخلتش السينما، وانضربت بالرصاصة في ساقي.” (ج. ٢، ص ٣٨٦) يعني الموضوع مش كبير ولا حاجة.

محمد فوزي

وبعد ما الكلام دار حسم محمد فوزي، وزير الحربية، النقاش ونبه الجميع إن الموضوع خطير ولازم يتلم بسرعة وإلا يبقى له عواقب وخيمة. واقترح الآتي: “هنصلح الواجهة اللي هم بيتحججوا بيها [قصده الحكم المخفف وضرورة إعادة المحاكمة]، لأن أول يوم بدأت مظاهرة صغيرة استخدم فيها المنطق. وتاني يوم دخلت بأسلوب آخر، وتالت يوم الأخ شعراوي جمعة [وزير الداخلية] طلب مني النهارده قنابل غاز [عشان يستخدمها ضد المتظاهرين] ، بكره شيء آخر، بعده شيء آخر.” وبعدين رمى الصولد: “الجبهة موجودة على القنال تعلم تماما أن القاهرة بتاعتها وأنا من ناحية المنطق العسكري – إنجلترا كانت ديمقراطية طول عمرها وتشرشل أصبح دكتاتور وقت الحرب، فلابد للسيطرة الكاملة، والأمن الكامل، طول ما إحنا موجودين في المعركة أمر واجب إن جميع الشعب يلتزم بيه، ولا بد للقوات المسلحة تشعر بأن هناك تأييد كامل لهدفها في دخول المعركة وهي بتعد نفسها.” (ج ٢، ص ٤٣٣-٤٣٤). بمعنى آخر: إحنا في حرب، وبالتالي لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

جواب عبد الناصر على المناقشات دي في غاية الروعة والجمال. لكن قبل ما يلعب ورقته الأخيرة ويحدد أنهي اتجاه هياخد بيه: اتجاه أمين شاكر ولا اتجاه محمد فوزي، كان لازم ينبه الناس لخطورة الواد بتاع معهد التربية، لأن واضح إن قصته فكرته بواقعة مهمة من شبابه هو. دا اللي قاله:

جمال عبد الناصر في صباه

“إيه خطنا الداخلي؟ … إيه سياستنا الداخلية؟ إحنا اتكلمنا على الحريات وعلى إطلاق الحريات… [لكن] أنا رأيي إن ده بيشجع العناصر المضادة أكتر. وأنا هأديكم مثل. [زمان، في الأربعينات] إحنا كنا أوقفنا نشاطنا [السري] يوما من الأيام لغاية ما الأحكام العرفية تتلغي، ويوم ما اتلغت الأحكام العرفية بدأنا نشاطنا.”

عبد الناصر هنا بيفكر الوزرا بتوعه بشبابه الثوري، وبيقول لهم إن تجربته الشخصية بتوضح إزاي القبضة الأمنية القوية (الأحكام العرفية) كانت عقبة قدامه، ويوم ما اترفعت الأحكام العرفية عرف هو وزمايله يشتغلوا ويدبروا انقلابهم.

وعلشان يؤكد المعنى إداهم مثل تاني:

“أنا باقول لكم حكاية تانية النهارده. أنا دخلت سياسة وأنا في ٣ ثانوي. [في يوم كنت] ماشي في الشارع في إسكندرية، لقيت البوليس بيضرب في الناس زي الراجل اللي كان رايح السينما [بتاع معهد التربية اللي ثروت عكاشة قابله]، والمغرب أو بعد المغرب ومروح ماشي، فدخلت مع الناس ضد البوليس، ومسكوني وودروني القسم وبيّت. [وفي القسم سألت:] يا ناس إيه الحكاية؟ قالوا لي ده أحمد حسين كان جاي يخطب، والبوليس جاء يفض العملية بالقوة، وطلعت انضميت لمصر الفتاة، وده بيتهيألي عملية طبيعية.”

بمعنى آخر، عبد الناصر بيوضح للوزرا بتوعه إزاى المظاهرات خطر، وخطورتها إنها بتسيس الناس، زي هو نفسه اللي لقى نفسه دخل السياسة صدفة لما انضم لمظاهرة بالغلط، واتقبض عليه، ودخل القسم، وطلع انضم للحزب الفاشي بتاع أحمد حسين.

أما بخصوص حرية الصحافة اللي الطلبة بتطالب بيها، واللي هو نفسه كان بيطالب بيها مع نفس الوزرا دي قبلها بستة أشهر بس، قال:

يوسف إدريس

“الطلبة يعني بيقول لك حرية صحافة وديمقراطية. ده الكلام اللي بيتقال بعد القضية [قضية قادة الطيران]. عايزين حرية. عايزين ديمقراطية، وعايزين حرية صحافة. والله أنا رأيي إن الصحافة عندنا عندها من الحرية أكتر مما يجب بـ ١٠٠ مرة. وأمسك في هذا روز اليوسف. وروزا اليوسف مطلعة كل واحد في البلد حرامي، وكل واحد في البلد مرتشي، وكل وزير كذا، وكل رئيس مؤسسة كذا. ويعني أنا بدي أقول إيه الصحافة وإيه الأحزاب؟ اسمه إيه كاتب أول إمبارح كاتب بيقول إنه عايز ٣ أحزاب. واحد اسمه إدريس!” فرد واحد من الوزرا وقال :” يوسف إدريس”. وقال عبد الناصر “إدريس حد عارفه؟” فرد وزير: “ده يعني يساري وشيوعي.” فرد وزير تاني “مش يساري ولا حاجة.” فرد عبد الناصر “أنا يساري على فكرة.” وضحك الجميع.

بعد طول مناقشات، حسم عبد الناصر الموضوع. “فوزي يدي تصريح النهارده. الجامعات تتعطل. وبعدين بكره لو المدارس الثانوية طلعت تنضرب… اللي ينزل ينضرب ويتقبض عليه ويتحول للنيابة.” (ج ٢و ص ٤٦٦)

***

ألف شكر للأستاذ مصطفى بكري أنه إدانا الفرصة الثمينة دي إننا نعرف أسيادنا بيفكروا إزاي، ويفكرنا بإن اقتراح الأستاذ ياسر رزق بتكوين مجلس رئاسي اقتراح مصري أصيل، بتاعنا وما لوش علاقة بمجلس تشخيص مصلحة النظام بتاع إيران. والأهم من كل ده، شكرا للدكتورة هدى عبد الناصر اللي إدت تفريغ الجلسات بتاعت والدها للأستاذ مصطفي بكري وسمحت لنا إننا نفهم قد إيه أسيادنا فاهمين، وواعين، وحاطين مصلحة البلد قدام عينيهم، مش زي العيال بتوع التحرير، وحكوك الإنسان، اللي مش مقدرين المسئولية، وطبعا مش زي بقية الشعب الجاهل، الكسول اللي ما يعرفش معني الديمقراطية، واللي ما يصلحش ليها من باب الأصل.

4 تعليقات

  1. ali masri
    ali masri 31/12/2018

    Mustafa Bekri ? unbelivable !

  2. حمدي هيكل
    حمدي هيكل 01/01/2019

    واضح من الطريقة السخيفة للعرض ، و رمي عبارات مثل بتاعهم و بتاعتهم إنها بتدل علي تربص الكاتب و أحيانا سفالته ، عندما ترغب في نقد أو نقض شخص مثل عبد الناصر عليك إحترامه و يجب أن تعرف المسافة بين قزميتك وبين هامته ، و عندما تتحدث عن يوليو و صراعاتها يجب أن تكون محترما لأنها ستظل ثورة الشعب علي أولاد الكلب ، قادها ضباط أحرار و ليس حاملي مواخير الأحزاب لسيدهم الخازوق فاروق .

    • Ahmed
      Ahmed 02/01/2019

      الغريب ان الاغلبيه دلوقتي بتشوف المصايب و النتايج الكارثيه للفتره دي من تاريخ مصر و ايا كان الاسلةب فان الاقتباس من وثايق لا يغير من الحقيقه
      سيبك من الكاتب و اسلةبه …. خلينا ف الحقايق اللي جايه من محاضر موثقه بينشرها صحفي محسوب علي الدوله الناصريه
      انت شايف ان التعامل و اسلوب عرض المعلومات و الرضوخ الي وزير الدفاع و تحويل الجيش لعزبه يقدر يتحكم فيها و الا التهديد بانقلاب عسكري و يا عالم ساعتها ايه اللي ممكن كان يتقال و يتنشر علي جمال عبد الناصر و كان بقي عبد الحكيم عامر القايد الملهم لولا ان الصراعات دي ادت الي اكبر هزيمه عسكريه ف تاريخ مصر و العرب الحديث
      كل دا مفرقشي معاك و اللي زعلك اسلوب الكاتب ؟؟
      تحياتي

  3. Tamer Azmy
    Tamer Azmy 01/01/2019

    محمد نجيب ندم على تسميته لهم بالاحرار و قال ان اغلبهم منحرفين إجتماعيا و أخلاقيا،طبعا اللى يحبهم لازم تكون الفاظه بمستوى خازوق ،الله يرحم الدكتور عبد الوهاب المسيرى وهو بيوصف عبد الناصر لما كتب عن العسكر فى الدول الناميه ،و لكن احباب عبده خسائر مش بيعرفوا يفكوا خط الناس المحترمه

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: