Press "Enter" to skip to content

إعادة قراءة مصادر حرب يونيو

 إعادة قراءة مصادر حرب يونيو ١٩٦٧

١٠ يونيو ٢٠٢٦

في مثل هذه الأيام من كل عام تكثر الكتابات والتعليقات التي تتناول تفاصيل حرب يونيو ١٩٦٧ بالنقد والتحليل، فهناك من ينتهز الفرصة لكتابة تعليق مستفز على فيسبوك أو إكس (تويتر) قاصدا لفت الأنظار أو زيادة الترافيك، وهناك من يتساءل عن جدوى تناول هذه اللحظة المظلمة من تاريخنا وغض النظر عن حرب الاستنزاف أو العبور معللا هذا التغافل بأنه رغبة في نكأ جراح الماضي، أو بث شعور اليأس والعدمية، أو الشماتة في جمال عبد الناصر.

وهناك من يتساءل لماذا نخوض في تفاصيل هزيمتنا في ٦٧ وكأن تاريخنا توقف عندها. ألم تُهزم دول قبلنا وتمكنت فيما بعد من استعادة توازنها وتخطي هزيمتها؟ ألم تُهزم كل من ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية ثم تمكنتا من تخطي هزيمتهما لتصبحا عملاقين اقتصاديين فيما بعد؟

السطور التالية تحاول الاشتباك مع هزيمة ٦٧ ليس بغرض نكأ جراحها، ولا شماتة في عبد الناصر، ولا تقليلا لأهمية حرب الاستنزاف أو العبور. وليس المقصود أيضا الوقوف عند هذه الهزيمة وكأنها نهاية التاريخ، بل إدراكا لحقيقة أن هذا الحدث التاريخي حدث مركزي ومحوري في تاريخنا الحديث، وأن معرفتنا بتفاصيله ما زالت قاصرة ولا تتناسب مع أهميته.

لقد كثرت الكتب والمقالات عن حرب ٦٧، وسال كثير من الحبر في محاولة دراستها والوقوف على أسبابها ونتائجها. ولكن بعد قرابة الستين عاما على هذه الهزيمة ما زلنا نفتقد لتفسيرات عميقة لها، ومازالت الأجيال الصاعدة تحديدا تشعر بالحيرة بل بالاغتراب نتيجة سطحية التفسيرات وتضاربها.

تفسيرات الهزيمة:

فلا يحتاج المرء عناء فكر حتى يدرك أن التفسيرات الثقافوية للهزيمة تفسيرات سطحية وقاصرة إذ أنها ألقت اللوم، عن قصد أو دون قصد، على الشعب وتركت القادة السياسيين والعسكريين وشأنهم. فصادق جلال العظم في كتابه ذائع الصيت، النقد الذاتي بعد الهزيمة، انكب على تحليل الأسباب الثقافية والفكرية والنفسية وراء الهزيمة، وأنحى باللائمة على سمة من سمات” الشخصية العربية” أي “الفهلوة”، والمقصود هنا التكيف السريع والسطحي مع المحيط، والسعي لتحقيق الأهداف بأقصر الطرق، والتسارع لإلقاء المسؤولية على الآخرين، وكلها سمات رأى العظم أن الشعوب العربية تتصف بها وأنها كانت السبب الرئيس في الهزيمة. إلا أنه وهو يبحث عن الأسباب العميقة للهزيمة فاته أن يدرس تفاصيل المعارك العسكرية أو يحلل قرارات القادة العسكريين، وهو بذلك أعفى الساسة والعسكر من المسؤولية.

ولم يزد عن العظم سطحية في تفسيره لأسباب الهزيمة إلا الإسلاميين الذين أنحوا باللائمة على اعتماد عبد الناصر على الروس “الملحدين”، والزج بالإسلاميين في السجون، وابتعاد الناس عن الدين. 

وإذا نحينا التفسيرات الثقافوية جانبا فسنصطدم بكثرة تفسيرات النوادر والعجائب التي تسترعي انتباه القارئ وتلقي في وجهه المعلومة تلو الأخرى دون أن تعطي تفسيرا عميقا لهذه المعلومات. ومن شأن هذه التفسيرات أن تزيد القارئ حيرة دون أن تشفي غليله في معرفة حقيقة ما جرى.

من أمثلة تلك التفسيرات الرواية التي تقول إن الهجوم المتزامن على مطاراتنا صباح الخامس من يونيو كان قد التقطه الفريق عبد المنعم رياض قائد الجبهة الأردنية من قاعدة عجلون الجوية في الأردن، وأنه أرسل رسالة مشفرة للقاهرة تقول “عنب عنب عنب”، وهى الرسالة المتفق عليها سلفاً. تلقت القاهرة الإشارة، لكن بسبب قيام ضابط الاتصالات، وكان برتية عريف، بتغيير مفتاح الشيفرة قبل ذلك بدقائق، لم يتمكن الضابط المناوب من فك الشيفرة وفهم الإشارة، وعندما تمكن زميل له أخيرا وبعد مرور ٤٥ دقيقة من فك الشفرة وفهم الإشارة وما فيها من اسم كودي يدلل على طائرات العدو المغيرة، قابله الضابط المناوب بالتهكم قائلاً: “عنب إيه وبصل إيه؟! دول فوق دماغنا.” 

وهناك الرواية التي تذهب إلى أن قائد سلاح الطيران، الفريق صدقي محمود، قرر إجراء حفلة فنية يوم ١ يونيو في أكبر قاعدة جوية، قاعدة أنشاص، ولكن لسبب ما تقرر إرجاء الحفل لليلة ٤/٥ يونيو. وبدأ الحفل في التاسعة مساء. وبدلا من انتهاء الحفل في الثالثة فجرا امتد للسادسة صباحا، وبالتالي عندما أغارت الطائرات الإسرائيلية على القاعدة لم يكن الطيارون قد نالوا كفايتهم من النوم.

وهناك رواية ثالثة تقول إن تعليمات صريحة صدرت صباح يوم الخامس من يونيو لقوات الدفاع الجوي بعدم إطلاق النار على أي طائرة في الجو لحماية طائرة المشير عبد الحكيم عامر، الذي قرر يومها أن يلتقي بقادته الميدانيين في مطار بيت تمادة في سيناء، وأن الطائرات الإسرائيلية دخلت الأجواء المصرية وهي تعرف أن وسائل الدفاع الجوي المصرية نيرانها مقيدة.

هناك نوع آخر من التفسيرات أسميه التفسيرات التآمرية التي أراها، هي الأخرى، سطحية وغير قادرة على تبصيرنا بحقيقة ما جرى. هذه التفسيرات ترجع الهزيمة لمحاولات بعض الأنظمة والقوى العربية توريط عبد الناصر في حرب هو غير مستعد لها، وذلك بغرض هزيمته والتخلص من زعامته للعالم العربي. فهناك من يرى أن الحملات الإعلامية التي تبنتها كل من الأردن والسعودية طوال عامي ١٩٦٦ و١٩٦٧ والتي كانت تتهم عبد الناصر بالاختباء وراء البوليس الدولي في سيناء وغزة وراضيا بالملاحة الإسرائيلية الحرة عبر مضيق تيران – هذه الحملات كانت تبغي النيل من زعامة عبد الناصر ودفعه لإغلاق المضيق وبذلك جرجرته للدخول في حرب سيخسرها حتما.

وأغرب التفسيرات التآمرية تلك التي تذهب إلى أن عبد الناصر هو من أراد إيقاع الهزيمة بجيشه لكي يتخلص من غريمه المشير عبد الحكيم عامر، فقامر بشن حرب كان متأكدا أنه سيخسرها.

أما أخطر التفسيرات فهي التفسيرات الهيكلية وأقصد بها تلك التفسيرات العديدة التي قدمها محمد حسنين هيكل في كتبه ولقاءاته التليفزيونية العديدة لتفسير هزيمة بهذه الفداحة. فهيكل رأي عبد الناصر أسير تجربته في حرب السويس عام ١٩٥٦ عندما أدار المعركة سياسيا ودبلوماسيا لا عسكريا، غير مدرك أن “أن الأمور في هذه المرة كانت تندفع في اتجاه مختلف.” لكن هيكل يقدم تفسيرا آخر أهم يلوم به عبد الحكيم عامر ويعتبره المسؤول الرئيسي لما حل بالجيش، فهيكل يقول إن عامر انهار انهيارا تاما يوم ٥ يونيو ولم يستطع تمالك أعصابه ولا الأخذ بزمام الأمور بعد ضربة الطيران في صباح هذا اليوم. ويعرض هيكل لتصرفات المشير في الأيام والأسابيع التي سبقت المعركة ويستنتج من هذا العرض أن المشير كان يعاني من حالة نفسية تسمى بحالة “المزاج الدوري” manic depressive. (الانفجار، ص. ٨٢٠).   ثم يزيد بُعدًا خاصًا لأزمة المشير وهي أزمة زواجه عرفيا من الفنانة برلنتي عبد الحميد، وإخفائه أمر هذا الزواج عن عبد الناصر.  ويفسر هيكل تصرفات المشير غير المتعقلة في الأيام السابقة على المعركة، وهي التصرفات التي أدت بالفعل إلى ازدياد فرص الصدام، على أنه كان محاولة منه لإثبات نفسه ورجولته أمام زوجته الجديدة. (هيكل، الانفجار، ص ٣٩٤ وما بعدها).

وعندما يبتعد هيكل عن صغائر الأمور ليقدم تفسيرا شاملا للنكسة (وهو صاحب هذه التسمية المضللة) نراه يشيرللـ”حكومة الخفية” في الولايات المتحدة، أي ما اعتبره ثلاثي رجال “المخابرات والسلاح والبترول” الذي يحكم العالم، وللتواطؤ الإسرائيلي-الأمريكي الذي نجح في استدراج عبد الناصر والإيقاع به، في خطة أسماها هيكل خطة “اصطياد الديك الرومي”، أي الإيقاع بعبد الناصر والقضاء عليه بسبب مواقفه التقدمية المناهضة للاستعمار والمناوئة للهيمنة الغربية على المنطقة.

ما أراه غائبا عن هذه التفسيرات المتنوعة هو الاهتمام بالجانب العسكري، فعوضا عن التطرق بشكل دقيق للتفاصيل العسكرية، تميل أغلب التفسيرات للاكتفاء بالعموميات على المستوى السياسي أو الأيديولوجي أو النفسي أو الثقافي. فحرب ٦٧، شأنها شأن أي حرب، لها بالضرورة أبعاد اقتصادية وسياسية وسيكولوجية وثقافية، سواء في أسبابها أو نتائجها، إلا أنها في المقام الأول عمل عسكري تصطدم فيه الجيوش والجنود والأسلحة، ولا يمكن فهم مجرياتها إلا قبل دراسة هذه التفاصيل العسكرية سواء على المستوى التكتيكي أو الإستراتيجي.

وليس أدل على هذا المنحى لتناول تاريخ الحرب بالتغاضي عن جانبها العسكري من كتاب محمد حسنين هيكل الضخم، الانفجار، الذي يقول في مقدمته: ” أنني لم أترك نفسي كثيرا لتفاصيل العمليات العسكرية… فأنا واحد من الذين يعتقدون أن مصائر المعارك تتقرر قبل أن تنطلق رصاصة واحدة في ميادين القتال، وبالتالي فإن الصراع السياسي الشامل وملابساته هو جوهر القصة في أي حرب فصل وليس جوهرها هو تصادم الدبابات وصراخ المدافع وعويل الطائرات.” (هيكل، الانفجار، ص ٢٤) 

أنا اتفق مع هيكل في أن “مصائر المعارك تتقرر قبل أن تنطلق رصاصة واحدة في ميدان القتال”، ولكن أشكال المعارك وأنواع الهزائم لا يرسمها ثالوث المال والنفط والاستخبارات. فإذا صح أن أمريكا تواطأت مع إسرائيل في محاولة التخلص من عبد الناصر، وإذا صح أن إسرائيل بدأت في الاستعداد لضرب المطارات المصرية ليس بعد إغلاق مضيق تيران، ولكن بعد انسحابها من سيناء عام ٥٧، وإذا صح أن موازين القوى العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في ٦٧ كانت تحتم هزيمتنا، فليس معنى هذا أن تأتي الهزيمة بهذه السرعة وبهذا العمق وبهذه الفداحة.

هل كان تحطيم السلاح الجوي يوم ٥ يونيو معناه حتمية هزيمة الجيش البري في سيناء؟ هل انهار الجيش يوم ٥ يونيو بعد أن فقد غطاءه الجوي، أم بعد قرار الانسحاب مساء يوم ٦؟ هل كان باستطاعتنا الانسحاب لخط الدفاع الثاني جنوب العريش؟ هل كان بإمكاننا الانسحاب لخط المضايق؟ أم كان الانسحاب للضفة الغربية لقناة السويس محتوما قبل أن تنطلق رصاصة واحدة في ميدان القتال حسب تحليل هيكل؟

ولنا أن نتخيل أحوال البلد، بل أحوال العرب، لو جاءت هزيمتنا بشكل مختلف. لنا أن نتخيل كيف كانت مهمة تحرير الأرض ستختلف لو كنا نتكلم عن تحرير ثلث سيناء بدلا من قتال العدو في كل ربوع شبه الجزيرة بعد تكلف عناء عبور قناة السويس.

وبالتالي فإني اتفق مع هيكل في أن جوهر القصة في أي حرب هو الصراع السياسي الشامل وملابساته وليس جوهرها هو تصادم الدبابات وصراخ المدافع وعويل الطائرات. ولكن إذا تركنا جوهر القصة وتناولنا تفاصيلها، عندها يجب الاهتمام بصراخ المدافع وصراع الدبابات وعويل الطائرات، فلا يمكن فهم تفاصيل أي حرب دون الاقتراب من ساحات القتال. 

على أن هناك سببا آخر للاختلاف مع هيكل. فالصراع السياسي مهم بالطبع لفهم جوهر القصة، ولكن عن أي صراع سياسي نتحدث؟ الصراع السياسي بين القوى العظمى، والقوى الإقليمية، ورجال المال والنفط والاستخبارات؟ أم الصراع السياسي المحتدم بين عبد الناصر وقائد جيشه، عبد الحكيم عامر، المستمر منذ عام ١٩٦٢ إن لم يكن منذ عام ١٩٥٦؟

مذكرات القادة:

ولكن قبل التطرق لتلك النقطة الجوهرية، أي الصراع السياسي الداخلي في النظام الناصري الذي أفضى بعبد الناصر لأن يفقد السيطرة على جيشه قبل المعركة بسنوات عديدة، يجب إنهاء سردية المصادر التي بدأناها.

منذ أن حلت الذكرى الخمسون للحرب عام ٢٠١٧، وعلى مدار تسع سنوات كاملة، وأنا أقرأ ما كتب عن هذه الجولة الثالثة من جولات الصراع العربي الإسرائيلي سواء بالعربية أو بالإنجليزية، ولاحظت لاحظ غيري (ومنهم عزمي بشارة في دراسة له عن حرب يونيو) افتقار الكتابات الأكاديمية العربية لدراسة علمية تتناول أكبر إخفاق عسكري عرفه العرب في تاريخهم الحديث من منظور العلوم العسكرية وأدواتها. 

بجانب الميل للتفسيرات التي سقتها سابقا، يعود هذا العزوف عن التطرق للجانب العسكري إلى غياب الوثائق الرسمية عن خطط الحرب، ومجرياتها والتحقيقات التي تمت في أعقابها. فأرشيف القوات المسلحة ما زال مغلقا أمام الباحثين بالرغم من مضي قرابة السبعة عقود على هذه الحرب، وبالتالي نحن نفتقر لخطط العمليات العسكرية، وتقارير المخابرات الحربية، والرسائل المتبادلة بين قيادة الجبهة وقائد القوات البرية في سيناء والقيادة العليا في القاهرة، وتقارير العمليات العسكرية سواء البرية أو الجوية، وتفاصيل تحركات القوات في سيناء، وغير ذلك من المصادر الدقيقة التي لا غنى عنها لأي مؤرخ عسكري. 

ولكن بالرغم من أننا ما زلنا نعاني من غياب الوثائق الرسمية المتعلقة بالجوانب العسكرية، إلا أن لدينا الآن عدد لا بأس به من مذكرات القادة الذين شاركوا في هذه الحرب. ومن هذه المذكرات نستطيع أن نتبين ملامح النزاع بين أطراف الصراع الداخلي، ويمكننا أن نحدد بعض الأسئلة التي نرجو أن يتيح الإفراج عن الوثائق المحجوبة الإجابة عليها. 

فبعد حرب أكتوبر ٧٣ بدأ قادة حرب يونيو ٦٧ يدلون بتصريحات صحافية في البداية، ثم نشروا مذكرات مسهبة، قدموا فيها رؤاهم لما حدث، ورووا بها عطش القراء لمعرفة تفاصيل الهزيمة.

كان أولهم اللواء عبد الحميد الدغيدي الذي كان قائد القوات الجوية والدفاع الجوي في الجبهة أثناء الحرب، والذي حوكم مرتين في محكمة قادة الطيران عام ١٩٦٨ وبرئ في المرتين. في حديث أدلى به لمجلة آخر ساعة في يونيو ١٩٧٤ يكيل الدغيدي الاتهامات على كل القادة ويحملهم مسؤولية الهزيمة. فعبد الناصر مسؤول لأنه تسرع في اتخاذ قرار الحرب دون إعطاء وقت كافٍ للقوات لإعداد نفسها للمعركة؛ والمشير عامر مسؤول لأنه قام بزيارة مطار بير تمادة في سيناء صباح يوم ٥ وأمر كل القادة الميدانيين أن يجتمعوا لاستقباله فما كان منهم إلا أن أصبحوا فريسة سهلة للطيران الإسرائيلي، الأمر الذي كان له أبلغ الأثر على القوات إذ حُرمت من قياداتها في وقت حساس؛ والفريق فوزي مسؤول لأنه لم يفتح مركز القيادة العامة في القاهرة إلا ليوم واحد بعد إعلان حالة التعبئة العامة يوم ١٥ مايو، وبذلك ضاعت فرصة استقبال إشارة عجلون الحاسمة؛ والفريق صلاح محسن، قائد الجيش الميداني، مسؤول لأنه انسحب من مقر قيادته يوم ٦ يونيو قبل انسحاب قواته؛ واللواء محمد صادق، مدير المخابرات العامة، مسؤول لأنه أعطى تقارير خاطئة جزم بها أن طائرات العدو لا يتعدى مداها ٣٠٠ كيلومتر أي تصل بالكاد لشرق القناة، غير مدرك أن سلاح الطيران الإسرائيلي زود الطائرات بخزانات وقود إضافية لزيادة المدى.

أما ثاني القادة (حسب التسلسل الزمني) الذين كتبوا مذكراتهم أو أدلوا بتصاريح صحافية فكان صلاح الدين الحديدي. كان الحديدي قائد المنطقة المركزية (أي القاهرة) في حرب يونيو، وبالتالي لم يشارك في القتال في سيناء، إلا أنه كان رئيس المحكمة التي عُقدت عام ١٩٦٨ لمحاكمة قادة سلاح الطيران، وبالتالي تسنى له معرفة الكثير من التفاصيل العسكرية التي أدلى بها المتهمون والشهود. ومن هنا تنبع أهمية مذكراته التي نشرها عام ١٩٧٤بعنوان شاهد على حرب ٦٧. في هذا الكتاب يتضح مدى اتساع ثقافة الحديدي وعمق حسه التاريخي. ومن أهم ما خلُص له في كتابه هذا هو إلقاء اللوم على المخابرات الحربية بسبب سوء تقديراتها وعلى قرار الانسحاب المشؤوم الذي أصدره المشير عامر يوم ٦ يونيو.

وأما ثالث القادة فهو الفريق صدقي محمود، قائد القوات الجوية، الذي أدلى بحديث لمجلة الحوادث فور خروجه من السجن عام ١٩٧٤ وقال فيه إنه فوجئ بقرار الحشد التعبوي يوم ١٥ مايو ١٩٦٧، وإنه اختلف مع عبد الناصر في قرار تلقي الضربة الأولى أثناء اجتماع يوم ٢ يونيو الشهير (الذي سأتناوله بالتحليل لاحقا)، وإنه قد طالب ببناء دشم للطائرات قبل الحرب لحمايتها من الغارات الإسرائيلية، ولكن طلبه لم يلبَّ (الذي سأتناوله أيضا لاحقا).

رابع القادة هو اللواء صدقي الغول، قائد الفرقة المدرعة الرابعة التي كانت تُعتبر الاحتياطي الإستراتيجي للقوات المسلحة والتي زُج بها في أتون المعركة وصدرت لها أوامر متضاربة أدت لتدميرها كلية. في حديث أدلى به لمجلة الحوادث في شهر أبريل ١٩٧٤ بعد خروجه من السجن يعطي الغول تفاصيل عن القرارات العجيبة بالانسحاب لخط المضايق ثم لغرب القناة ثم العودة ثانية لخط المضايق، وكل هذا في وضح النهار دون غطاء جوي الأمر الذي عرّض الفرقة لهجمات الطيران الإسرائيلي وتدميرها عن بكرة أبيها.

أما خامس القادة فهو الفريق أول عبد المحسن مرتجي الذي كان قائد الجيش الميداني. بعد المعركة طلب عبد الناصر من الفريق مرتحي كتابة تقرير عما حصل أثناء القتال، وبالفعل أتم مرتجي تقريره وأسماه “تقرير أمانة”، ونشره بعد ذلك ككتاب عام ١٩٧٩ بعنوان الفريق مرتجي يروي الحقائق. في هذه الكتاب يحاول مرتجي أن ينتهج منهجا وسطا بين عبد الناصر وعامر، فلا يلقي باللوم كاملا على أي منهما. ولكنه يقدم تفاصيل هامة عن التخبط في القيادات، الأمر الذي أدي لبلبلة في التشكيلات، والتغيير المتلاحق للخطط، بشكل أفرغها عن محتواها، والاعتماد المفرط على جنود الاحتياط وهو ما كانت لها تبعات وخيمة نظرا لعدم تأهلهم للقتال. ولكي يعفي نفسه من مسؤولية الهزيمة يؤكد مرتجي أنه عُين قائدا للجبهة دون أن يكون لديه عدد كاف من ضباط أركان حربه. ومن أهم ما جاء في هذه المذكرات تشكك كاتبها في قدرات ومؤهلات رئيس الأركان الفريق أول محمد فوزي، الذي يصفه بأنه كان يفتقر للـ”صفات والسجايا والمؤهلات [الضرورية] لهذا المنصب”. (ص ٢٧)

سادس القادة هو الفريق أول محمد فوزي، رئيس أركان القوات المسلحة من ١٩٦٤ حتى ١٩٦٧، والذي رقاه الرئيس عبد الناصر في أعقاب الهزيمة لكي يحل محل المشير عامر كقائد عام للقوات المسلحة. فوزي كان غريم عامر الرئيسي في رئاسة الأركان، فنظرا لانضباطه وصرامته كان يصطدم كثيرا مع عامر المعروف بطيبته وشهامته وضحالة خبرته العسكرية. في عام ١٩٨٣ نشر فوزي مذكراته، حرب الثلاث سنوات، التي تناول فيها تفاصيل حرب الاستنزاف (١٩٦٧-١٩٧٠)، ولكنه تناول فيه أيضا الكثير من تفاصيل حرب يونيو، من أهمها روايته الدرامية عن كيفية إصدار قرار الانسحاب وعدم إمهال عامر له سوى دقائق معدودة لوضع خطة لانسحاب خمس فرق من سيناء بإجمالي يناهز ثمانين ألف جندي في ليلة واحدة، وروايته التي لا تقل درامية عن إشارة عجلون اللاسلكية صباح يوم ٥ يونيو التي أرسلها الفريق عبد المنعم رياض من الأردن يحذر بها القاهرة من الهجوم الإسرائيلي الوشيك والتي أوجزناها سابقا. كما يوجه فوزي نقدا لاذعا للفريق محمد صادق، رئيس المخابرات الحربية، بسبب تقديراته الكارثية عن أوضاع العدو. أما المشير عامر فينال نصيب الأسد من النقد والذم والهجوم بسبب عدم صلاحيته علميا ونفسيا وتقنيا لقيادة المعركة. 

فوزي له كتب أخرى نشرها لاحقا أهمها حرب أكتوبر ١٩٧٣: دراسة ودروس المنشورة طبعته الأولى عام ١٩٨٨، وأحاديث أجراها مع الصحفي عبد الله إمام ونُشرت ككتاب بعنوان الفريق فوزي: النكسة، الاستنزاف، السجن المنشور بعد وفاة الفريق فوزي بعام واحد، أي في عام ٢٠٠١. كما أدلى فوزي في مايو ١٩٩٦ بحديث لهدى عبد الناصر عن حربي يونيو والاستنزاف، ورُفع هذا الحديث في يوليو ٢٠٢٥ على قناة “ناصر تي في”، وسأتناول هذا التسجيل الهام لاحقا.

سابع القادة هو اللواء طه المجدوب، رئيس أركان اللواء الثالث في الفرقة الرابعة المدرعة، الذي نشر مذكراته عام ١٩٨٨ بعنوان هزيمة يونيو: حقائق وأسرار. تنبع أهمية هذه المذكرات من التفاصيل التي يوردها المجدوب عنما حل بالفرقة الرابعة. وفي المجمل، يثني المجدوب في هذا الكتاب على كلام الفريق صدقي الغول ويلقي باللوم على القرارات المتضاربة الصادرة لفرقته من القيادة العامة في القاهرة. 

ثامن القادة هو الفريق أنور القاضي الذي كان قائد القوات المصرية في اليمن من أكتوبر ٦٢ إلى نوفمبر ٦٣ والذي أدلي بحديث هام في عام ١٩٨٨ لمجلة آخر ساعة. في هذا الحديث أكد القاضي أنه نصح عبد الناصر بقوة عام ١٩٦٦ بضرورة سحب القوات من اليمن، ولكن عبد الناصر رفض. كما قال إنه كتب تقريرا ورفعه للمشير عامر عام ١٩٦٦ قال فيه إن القوات المسلحة بإمكانياتها وتسليحها ومستوى تدريبها وقتذاك لم تكن مستعدة لقتال إسرائيل، ولن تكون مستعدة قبل ١٩٧٠ على أقرب تقدير، وحتى وقتها لن تتمكن من القيام بأي تحركات هجومية، وأن سحب القوة الضاربة الموجودة في اليمن سيكفي بالكاد للدفاع عن سيناء.

أما تاسع القادة فهو الفريق محمد صادق، مدير المخابرات الحربية الذي توفي عام ١٩٩١ والذي نُشرت مذكراته بعد وفاته، وتحديدا عام ٢٠١٨ بعنوان سنوات في قلب الصراع. الكتاب ملئ بالمعلومات الشيقة منها تهريب ضابط نازي من ألمانيا الغربية عندما كان المؤلف يعمل ملحقا عسكريا هناك، وأنه صاحب الفضل في كشف صفقة الصلاح الألمانية لإسرائيل في أوائل الستينات التي حصلت بموجبها إسرائيل على دبابات باتون الأمريكية (وهي الدبابات التي استخدمتها في حرب يونيو). كما يشير إلى أنه في أعقاب الهزيمة كانت هناك محاولة انقلاب ضد عبد الناصر مرة كل ستة أشهر في المتوسط. على أن أهم ما يورده صادق في كتابه هو محاولة تبرئة نفسه من تهمة التقصير التي يتهمه بها فوزي في مذكراته، وبذا يُعتبر كتابه رد على كتاب فوزي.

وإذا كان لنا أن نستخلص بعض نقاط عامة من هذه المذكرات فنقول إن أهم ما يميزها هو غياب سردية عبد الحكيم عامر وأتباعه عما جرى في هذه الحرب. فباستثناء صدقي محمود أنور القاضي (وربما عبد المحسن مرتجي)، ينتمي كتاب هذه المذكرات لمعسكر عبد الناصر، لا لمعسكر عامر. فعامر نفسه لم يكتب مذكراته، وإن كان كتبها كما يردد بعض الصحفيين من حين لآخر، فلم تصلنا عنها أية مخطوطات نثق كمؤرخين في صحتها. أما أنصار عامر مثل جلال هريدي، قائد الصاعقة، وعباس رضوان، وزير الداخلية، وشمس بدران، وزير الحربية، وعبد الرحمن فهمي وعبد الحليم عبد العال وحمزة البسيوني ومحمد أبو نار، الذين اقتحموا سكرتارية عبد الناصر يوم ١١ يونيو ١٩٦٧ ليطالبوا بعودة عبد الحكيم عامر لقيادة الجيش بعد تنحيه كما فعل عبد الناصر — هؤلاء جميعا لم يكتبوا مذكراتهم ولم يدلوا بأحاديث صحافية عن تجربتهم في الحرب. وبالتالي تطغى سردية عبد الناصر وأتباعه على مصادرنا الأصلية، وإن تباينت شهادات هؤلاء الأتباع وتضاربت رواياتهم مع بعضها البعض.

أما السمة الثانية التي يمكن أن نستشفها من هذه المذكرات فهي تحديديا هذا التضارب الذي يستاء منه الكثير من القراء، فعندما يقرؤون في مذكرات قائد ما تفاصيل تنفيها مذكرات قائد آخر، أو عندما يجدون معلومات متناقضة تماما فيما بين هذه المذكرات، أو عندما يقرؤون اتهامات متبادلة يكيلها القادة لبعضهم البعض، يتشككون في صحة كل هذه المذكرات. وكثيرا ما تصلني رسائل على فيسبوك أو البريد الإلكتروني من الشباب والشابات يشكون فيها مما يرونه كذبا وتدليسا، ويلتمسون مساعدتي لهم في اقتراح نصوص خالية من هذا “الكذب”. وكثيرا ما أرد عليهم بالقول إن التضارب بين هذه المذكرات مفهوم ومنطقي؛ فمن الطبيعي أن يدافع كل قائد عن وجهة نظره، وأن يسعى جاهدا لتبرير قراراته وأفعاله. أما الخلاف بين هؤلاء القادة، فهذا أيضا أمر مفهوم خاصة إذا كنا بصدد هزيمة بثقل هزيمة يونيو يحاول كل كاتب أن يتنصل من مسؤوليتها، فمن المعروف أن للنصر ألف أب، أما الهزيمة فيتيمة.

ولكن أهم ما يميز هذه المذكرات أن المؤرخين العسكريين الأكاديميين، على قلتهم، لم يستخدموها ليقدموا لنا رؤية شاملة ونقدية عن تفاصيل المعارك في حرب يونيو. فكتابات المؤرخين الأكاديميين المصريين الذين تصدوا للكتابة عن حرب يونيو، وأهمهم فطين أحمد فريد علي، وممدوح أنيس فتحي، وإنجي جنيدي، تكاد تخلو من الاعتماد على هذه المذكرات، مفضلين الاعتماد على الوثائق الأجنبية أو النزر اليسير من المصادر الوثائقية المصرية التي سُمح لقلتهم بالاطلاع عليها. وبالتالي فإن هذه المذكرات على غنى المعلومات التي توردها ما زالت في انتظار المؤرخ/ة الذي/التي يستطيع/تستطيع أن يحلل/تحلل ما فيها من معلومات قيمة بتروٍ وموضوعية.

حديث محمد فوزي مع هدى عبد الناصر:

في الختام، أقدم في السطور القليلة المتبقية قراءة نقدية لأحدى هذه المذكرات، وتحديدا مذكرات الفريق أول محمد فوزي في الحديث الهام الذي أدلى به لهدى عبد الناصر يوم ٢٠ مايو ١٩٩٦، والذي رفع لأول مرة على يوتيوب في قناة “ناصر تي في” في شهر يوليو ٢٠٢٥. هذا الحديث جاء في خمس ساعات و١٣ دقيقة، ويمكن مشاهدته هنا: 

وقد قسمَته القناة على ٤٠ حلقة سأكتفي هنا بقراءة الجزء الحادي عشر منها، وهو الجزء الذي يسرد فيه فوزي إرهاصات الحرب، وتفاصيل اللقاءات الأخيرة التي أجراها عبد الناصر مع قادة القوات المسلحة، ويمكن مشاهدة هذا اللقاء باستخدام هذا الرابط:

            في هذا الحديث نرى فوزي تارة يردد أفكارا سطرها في مذكراته المنشورة قبل إجراء هذا الحدث بثلاثة عشر عاما، وتارة أخرى يسهب في تقديم تفاصيل إضافية، وتارة ثالثة يراجع أفكاره وتحليلاته وكأنه يشتبك مع الكُتاب الذين أدلوا بدلوهم بعد نشر مذكراته، فينقد هذا ويثني على ذاك. على أن أهم ما يميز هذا الحديث هو تفضيل فوزي للتحليلات البنيوية وعدم الاكتفاء بكيل الاتهامات على أشخاص بعينهم.

ومن أمثلة ذلك إعادة تقييمه لواقعة رسالة عجلون اللاسلكية، رسالة “عنب، عنب، عنب” التي أرسلها عبد المنعم رياض من الأردن صبيحة يوم ٥ يونيو (ق ١٦:٢٠). فعوضا عن تفسير الواقعة على أنها كانت نتيجة خطأ ارتكبه عريف أدى إلى فشل القيادة في التصدي للهجوم الإسرائيلي على قواعدنا الجوية، يقدم فوزي في هذا الحديث تحليلا أكثر عمقا. فجهاز اللاسلكي الذي كان بإمكانه فك الشفرة ومعرفة محتويات رسالة رياض الخطيرة، “الجهاز اللاسلكي بتاع الاستطلاع الاستراتيجي بتاع مصر”، لم يكن موجودا في هيئة العمليات في القيادة العامة للقوات المسلحة، بل كان موجودا في مكتب وزير الحربية شمس بدران، وهو أمر شاذ إذ أن مكتب شمس بدران، بل وزارة الحربية برمتها، ليست معنية بالعمليات العسكرية. ثم يشرح فوزي الخلفية التاريخية لهذا الخلل، فمن الطبيعي أن يكون لدى مكتب وزير الحربية جهاز يتابع به ما يرسله الملحقون العسكريون من معلومات عن “بون أو واشنطن”، ولكن شمس بدران لم يكن باستطاعته التعامل مع رسالة خطيرة كرسالة عجلون بالسرعة المطلوبة، إذ أن هذه مسؤولية هيئة العمليات أو القيادة العامة المعنية بالأمور العسكرية، لا بمكتب وزير الحربية المعني بالنواحي السياسية. 

ويقدم فوزي مثالين آخرين للفشل الاستخباراتي، وفي كلتا الحالتين يسهب في شرح الأبعاد البنيوية، وليس فقط التفاصيل التقنية، لهذا الفشل. فعندما تبين للمشير عامر أن الحرب واقعة لا محالة وبعد أن أجرى أربع تعديلات جوهرية على الخطة “قاهر” في غضون أيام قليلة، الأمر الذي أنهك الجنود وأتلف المعدات قبل أن تنطلق رصاصة واحدة، بدأت تساوره الشكوك في المحور الذي ظل لمدة طويلة متأكدا أن الإسرائيليين سيهجمون منه، أي المحور الجنوبي عند الكونتيللا. عندها أمر عامر بإجراء طلعات جوية استطلاعية على إيلات. وبالفعل قامت طائرتان استطلاعيتان بتصوير الميناء الإسرائيلي، ولكن تبين عند فحص الصور أنها لميناء العقبة الأردني لا إيلات. جن جنون عامر وأمر بإعادة المحاولة، ولكن بعد نجاح المحاولة الثانية وبعد أن تبين لعامر أن العدو لم يحشد سوا لواء مشاه ميكانيكي ولواء مدرع، تبين أنه كان خاطئا في عدم أخذ نصائح قادته الذين أكدوا له أن العدو سيهجم من القطاع الشمالي لا الجنوبي. كان هذا يوم ٣ يونيو. يعتقد فوزي أن عامر وقتها “حط دماغه بين إيديه، وابتدى يصرخ وابتدى يتجنن.” ولكن سرعان ما ابتعد فوزي عن التفسير السهل، أي انهيار عامر، وعوضا عن ذلك قال إن المشكلة الأكبر كانت إدراك عامر أن السيف قد سبق العذل، فليس لديه وقت لكي يجري تغييرا خامسا على قواته التي أعياها تخبط قراراته. (ق ١٤:٣٠) 

ليس معنى هذا أن فوزي لا يلوم عامر ولا يراه المتسبب الأول في الهزيمة، فحاله في هذا الحديث كحاله في مذكراته؛ ففي رأيه كان عامر قائدا مفتقدا لأبجديات مقومات القيادة: قليل الخبرة الميدانية، مفتونا بقوة جيشه، متهاونا في تقدير قوة العدو، محيطا نفسه بأهل الثقة ومستبعدا أهل الخبرة، وغير مدرك لخطورة الوضع. ومن أمثلة ذلك يسرد فوزي واقعة تقرير عاجل تلقاه عامر في غرفة نومه في القيادة العامة في السابعة من صباح يوم ٥ يونيو، أي قبل بدء القتال بساعات قليلة. كاتب التقرير كان مدير مخابرات العريش، المقدم إبراهيم سلامة، الذي كتب يقول إن العدو قام بتغيير دوريات في ذلك اليوم. قام علي شفيق صفوت، سكرتير المشير، بإدخال التقرير لعامر في غرفة نومه في القيادة، فما كان من عامر إلا أن قرأ التقرير، ولكنه لم يدرك فحواه وهو أن العدو قام بفتح تعبوي بغرض القيام بهجوم شامل، “فحط الورقة تحت المخدة وما فيش حاجة حصلت”. يقصد مافيش حاجة حصلت لعامر، أم السرائيليين فشنوا هجومهم الكاسح عبر المحورين الشمالي والأوسط.

طوال الجزء الحادي عشر من التسجيل والذي يمتد لثلاثة وعشرين دقيقة ينحاز فوزي بوضوح لعبد الناصر وينفي عنه مسؤولية الهزيمة. ويتضح هذا أكثر ما يتضح عند سرده لوقائع الاجتماع الشهير الذي حضره عبد الناصر في القيادة العامة للقوات المسلحة يوم ٢ يونيو. في هذا الاجتماع أكد عبد الناصر أن احتمالات الحرب قد أصبحت ١٠٠٪ بعد تعيين موشى ديان كوزير دفاع في إسرائيل وتشكيل حكومة حرب هناك في اليوم السابق. وتنبأ أن إسرائيل ستبادر بالهجوم في ظرف يومين أو ثلاثة أيام على أبعد تقدير، وفي الأغلب ستهجم على مطاراتنا في صباح يوم الإثنين المقبل، ٥ يونيو. وبالرغم من حتمية الحرب، رأى عبد الناصر أن مصر كسبت المعركة السياسية، وأن إسرائيل قد خسرتها على طول الخط، ولكن من الناحية الأخرى فإن الظروف الدولية تحتم عدم إتباع استراتيجية عدوانية حتى لا نضحي بموقف أمريكا وسائر الدول الكبرى منا. وبالتالي أمر عبد الناصر قادته العسكريين ألا يبادروا بتوجيه الضربة الأولى لإسرائيل، وأن تتلقى مصر تلك الضربة الأولى، وبالتالي يتحتم عليهم العمل على تشديد الدفاع الجوي ونقل الطائرات من مطارات سيناء لمطارات الداخل.

هذا الاجتماع تناولته الكثير من الأقلام بالدراسة والتحليل، وتساءل الكثير من الكتاب (ومنهم الفريق مرتجي نفسه في مذكراته) عن كيفية معرفة عبد الناصر بتوقيت المعركة بهذه الدقة، وعما إذا كان بمقدوره قراءة الغيب. يرد فوزي على هذه “المهاترات” بالقول إن عبد الناصر “كان بيقرأ دوسيه ٥٦” وأنه أدرك بعد أن علم بالتعبئة العامة التي أجرتها إسرائيل، ورفع درجة الاستعداد في قواتها المسلحة، والفتح التعبوي للقوات، وتعزيز الوقاية الجوية داخل إسرائيل ، وتعيين موشي ديان وزير دفاع—أدرك بعد علمه بهذه الإجراءات الإسرائيلية إنها تكرار لإرهاصات حرب ٥٦. وبذا فند فوزي تهكمات البعض بأن عبد الناصر كان مكشوف ا عنه الحجاب، وحاجج بأنه قارئ جيد للتاريخ.

ويعزز فوزي دفاعه عن عبد الناصر عندما يؤكد أن أيا من تنبيهات عبد الناصر بُلغ للتشكيلات القتالية، وأن قادة القوات الجوية الحاضرين في هذا الاجتماع هم المسؤولون عما حصل لقواتهم وقواعدهم وطائراتهم إذ أنهم، وأولهم عامر نفسه، لم يصدقوا عبد الناصر ولم يأخذوا كلامه مأخذ جد. وخير دليل على هذا كان قيام عامر بزيارة الجبهة صباح يوم ٥ يونيو، أي نفس اليوم الذي تنبأ عبد الناصر أن يقوم الإسرائيليون بشن هجومهم فيه. الأمر الذي يعني، حسب فوزي، “عدم قناعة المشير بإن الكلام دا كام مضبوط من الرئيس.” ويزيد على الفور: “من هنا بيحصل علامة استفهام على العلاقة الموجودة بين عبد الحكيم عامر وبين الريس.” 

الساسة والعسكر: 

قبل الانتقال لهذه النقطة المحورية، أي العلاقة بين عبد الناصر وعامر، يجب الانتباه لأن الفريق عبد المحسن مرتجي لديه رد قوي على اتهام عبد الناصر وفوزي والكثير من المراقبين والمحللين لاحقا لقيادات الجيش، ولقيادات سلاح الطيران تحديدا، بعدم الأخذ بتحذيرات عبد الناصر عن حتمية قيام إسرائيل بالهجوم على قواعدنا الجوية في ظرف يومين أو ثلاثة على الأكثر. فكثيرا ما نقرأ أن ما دار في اجتماع ٢ يونيو الخطير لم يُبلغ لقادة التشكيلات، وأن القادة المجتمعين لم يأخذوا تحذيرات عبد الناصر مأخذ جد ولم يعملوا بأوامره بضرورة نقل الطائرات من مطارات سيناء لمطارات العمق لتقليل الخسائر قدر الإمكان في ظل اتخاذ عبد الناصر قراره السياسي بضرورة عدم البدء بالهجوم وتلقي الضربة الأولى.

في حديث أدلى به لمجلة آخر ساعة عام ١٩٧٤ يقول الفريق عبد المحسن مرتجي إنه كان من المستحيل تنفيذ أوامر عبد الناصر بنقل الطائرات لمطارات العمق لحمايتها من الغارات الإسرائيلية المرتقبة، وذلك لأن “كان لازم يكون عندي دُشم، كان لازم يكون عندي ملاجئ، كان لازم يكون عندي مطارات سرية جدا بحيث … أحط فيها الطائرات علشان لا تظهر. ولكن كل هذه المطالب اتعملت بعد سنة ١٩٦٧. كلها كان بيُطالب بيها [قبل ١٩٦٧] وبنشطب من الميزانية لأن الحالة الاقتصادية كانت لا تسمح.”

بمعنى آخر، عدم تنفيذ أوامر عبد الناصر لقادة سلاحه الجوي يوم ٢ يونيو لم يكن بسبب تقاعس قادة هذا السلاح أو استخفافهم بالقائد الأعلى للقوات المسلحة كما يحاجج فوزي، وإنما بسبب استحالة تنفيذ هذه الأوامر لأسباب بنيوية تعود للحالة الاقتصادية المزرية وقلة الاعتمادات المالية المخصصة في الميزانية للدفاع الجوي، كما يقول مرتجي.

ما نحن بصدده هنا هو تناحر بين الساسة والعسكر فيمن تسبب في الهزيمة، فالعسكر يقولون إن عبد الناصر كقائد سياسي أصدر أوامر لقواته المسلحة كان من المستحيل تنفيذها، أما الساسة فيقولون إن العسكر تقاعسوا عن تنفيذ أوامر قائدهم الأعلى. وبالرغم من مرور حوالي ستين عاما على هذه الحرب، ما زلنا نفتقر لتحليل موضوعي لهذا التناحر بين الساسة والعسكر.

جمال وعبد الحكيم:

أخيرا فلنعد للموضوع المحوري الذي يشير له الفريق فوزي في حديثه مع هدى عبد الناصر، والذي يوضح فيه عمق الخلاف بين عبد الناصر وعامر. هذا الخلاف كان خافيا عن الشعب، ولكن أعضاء النخبة السياسية والعسكرية كانوا يشعرون به وبعضهم كان على دراية بتفاصيله.

هذا الخلاف، بل الصراع، في رأي الكثير من المحللين كان سببا رئيسيا في الهزيمة، إن لم يكن السبب الرئيس فيها. فأمين هويدي الذي أصبح وزيرا للحربية بعد الهزيمة كتب قائلا: ” كان في رأيي  — وما زال — أن السبب رئيسي في الهزيمة كان يتركز في الفجوات الكبيرة في العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية اذ شكلت القيادة العسكرية والقوات المسلحة بالتبعية نتوء خطيرا في بناء الدولة. ولقد كان في رأيي — حتى في الأيام الأولى بعد الهزيمة — أن لا أمل في أي إصلاح إلا إذا أبعد المشير ورجاله وكافة القادة الكبار عن مناصبهم فهم المسؤولون الحقيقيون عما لحق بالبلاد. وكان من الواجب أن يصدر الرئيس جمال عبد الناصر قراراته الشاملة الفورية ليحسم الموقف بطريقة جذرية بعد تراجعه عن التنحي يوم ١٠ يونيو ٦٧. إلا أن الرئيس لم يفعل فقد كان دائم التردد عند مواجهة الأمور في القوات المسلحة، فهذه وللأسف الشديد كانت حقيقة واقعة سواء قبل النكسة في وجود المشير أو بعد النكسة في غيابه. كان الرئيس يخشى القوات المسلحة، فهي الأداة التي استخدمها في التغييرات الثورية الهائلة التي قام بها منذ قيام الثورة وكان يتحاشى الاصطدام بها حتى لا تصبح أداة في يد غيره لإحداث تغيير غير مرغوب فيه. ولذلك كان قراره في تأمين النظام عاملا أساسيا في حساباته…” هويدي، الفرص الضائعة، ص ١٢٢-١٢٣. 

أما طه المجدوب فيقول: “ وباختصار شديد… نقول إن النتيجة الحتمية لاستمرار هذا الصدام بين السلطة السياسية ممثلة في رئيس جمال عبد الناصر والسلطة العسكرية ممثلة في المشير عبد الحكيم عامر … هي حدوث خلل خطير في أسلوب صناعة القرار السياسي السليم وبالتالي في إصدار القرارات السياسية متوازنة مع الالتزامات العسكرية والمتطلبات الضرورية لإدارات صراع مسلح ناجح، كما انعكس الخلل بشدة على أسلوب اتخاذ القرارات العسكرية وعلى وسائل معالجة الأزمة وتجريدها من مقومات الجدية.” طه المجدوب، هزيمة يونيو: حقائق وأسرار ص ٨١.

ومن ناحيته، يقول محمود رياض، وزير خارجية عبد الناصر، في مذكراته (الجزء الثالث ص ٣٧): “ولا شك أن الصراع الخفي بين رئيس عبد الناصر عبد الحكيم عامر كان من بين الأسباب الرئيسية لخسارة معركة سيناء، وهذا الصراع لم يكن أحد يعرف مداه بالكامل، فقد حرص عبد الناصر على تجاوزه حتى لا يحدث تصدع في الحكم، كما حرص عبد الحكيم على عدم الكشف عنه حتى يستطيع الاحتفاظ بصلاحياته الضخمة وسيطرته كاملة على القوات المسلحة وميزانياتها مما جعل قيادته مستقلة تماما عن بقية أجهزة الدولة.”

وأخيرا يقول محمد فايق، وزير إعلام عبد الناصر ومنسق العلاقات مع حركات التحرر الوطني في إفريقيا: “في رأيي أن [ترك الإشراف على الجيش لعامر] كان أكبر خطأ ارتكبه عبد الناصر، وكان سبب رئيس في هزيمة عام ١٩٦٧. لقد كانت هذه العلاقة حقا كعب أخيل بالنسبة إلى عبد الناصر.” (محمد فايق، مسيرة تحرر، ص ٢٠٢) .

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمحللين والمتابعين عن بعد، فالأحري أن يكون لفوزي رأي قوي عن هذه العلاقة الملغزة بحكم منصبه كرئيس أركان القوات المسلحة أثناء فترة استئثار عامر بالقرار داخل المؤسسة العسكرية وبعد أن أصبح هو القائد العام للقوات المسلحة بعد أن أطاع عبد الناصر بعامر. 

وبالفعل، نرى فوزي في حديثه مع هدى عبد الناصر يقول إن “عبد الحكيم عامر نجح في إبعاد فكر الرئيس عبد الناصر عن القوات المسلحة كلية”(ق ١:٥٩)، وما أضاف فوزي كلمة “فكر” إلا تعففا عن وصف فداحة ما قام به عامر بحق عبد الناصر، وتسترا على فشل عبد الناصر في التحكم في هذا القطاع المركزي في نظامه، أي القوات المسلحة. 

وفي مقطع آخر من هذا الحديث الهام، وتحديدا في الجزء الرابع

وفي الدقيقة ٦:٣٥ منه يقول فوزي إنه كان سعيد الحظ بأنه شهد فترتين من فترات القوات المسلحة، فترة استئثار عبد الحكيم بالسلطة داخل الجيش قبل ٦٧، والفترة التي “استلم فيها الرئيس عبد الناصر مهمته الحقيقية، الاسمية والحقيقية. هو القائد الأعلى للقوات المسلحة في الفترتين، ولكن في الفترة الأولى لم يكن يمارسها عمليا بسبب موقف عبد الحكيم عامر بالنسبة له.”

ويسوق فوزي مثالا في غاية الدلالة على تأثير إبعاد عامر لعبد الناصر من القوات المسلحة على القدرة القتالية للجيش. المثال يتعلق بتجنيد خريجي الجامعات قبل ١٩٦٧. يقول فوزي إن الدستور والقانون لم ينصا على إعفاء الجامعيين من الخدمة العسكرية، ولكن عامر وقادة الجيش، باستثناء فوزي، قرروا أن تجنيد الجامعيين يشكل خطرا على الجيش. “ده منهم قاعد في المدرج في الجامعة بيقول للأستاذ إشمعنى. فالبني آدم دا هيجي يقول لنا إشمعنى. فبعد الكلمة دي هيتلموا خمسة ستة ويعملوا انقلاب زي اللي احنا عملناه.” وكانت نتيجة هذا القرار الذي اتخذه عامر ورفقاؤه من قيادات الجيش دون الرجوع لعبد النصر أن استخدموا الكشف الطبي لإعفاء الجامعيين من التجنيد، ولم يجنَد من الجامعيين سوى ٣٪ قبل ١٩٦٧.

يقول فوزي إنه صمم بعد الهزيمة على تجنيد الجامعيين، وعندما فاتح عبد الناصر في الموضوع قال له عبد الناصر إن عامر كان قد أبلغه أن هذا الموضوع نوقش في القيادة وتقرر رفضه. لكن فوزي صمم على رأيه قائلا: “لن ألغي العضلات. ولن ألغي العدس والفول إلا بمخ نظيف، مخ يسمح بالتجاوب مع الأسلحة الحديثة. ما فيش حد هينقذني من هذه الورطة إلا خريج الجامعات أو المعاهد العليا.”

نكون أو لا نكون:

في ٢٥ أبريل ١٩٦٨ أعلن عبد الناصر رفضه لحل سلمي منفصل، وقال: ” موضوع إزالة آثار العدوان أكبر من الجلاء عن سيناء. هل سنبقى الدولة المستقلة إللي حافظت على استقلالها وعلى سيادتها ولم تدخل ضمن مناطق النفوذ وإلا هنتخلى عن هذا؟ إحنا مجروحين، جزء من أرضنا محتل. ولكن رغم هذا رغم الجرح، هل هنتنازل عن كل التزاماتنا العربية وكل المُثل وكل الحقوق ونقبل إن إحنا نقعد مع إسرائيل للتفاوض للوصول إلى حل؟ إسرائيل بتقول كده. أمريكا بتقول كده. … إحنا قلنا هنجرب الحل السياسي وهنبني القوة العسكرية ولكن ما قلناش أبدا إن إحنا هنسلم.” وأضاف: ” الموضوع مش هو الجلاء عن سيناء وحدها. الموضوع أكبر من كده بكثير. الموضوع هو أن نكون أو لا نكون.” 

ولكي نثبت كينونتنا أقبلنا نحن المصريون على حرب الاستنزاف، تلك الحرب التي خضناها على مدار ثلاث سنوات، من ٦٧ إلى ٧٠، معتمدين فيها على سلاح ومعونة فنية سوفيتية قلما منحها السوفييت لحلفائهم خارج حلف وارسو. كما اعتمدنا على هؤلاء المجندين الجدد حاملي الشهادات الجامعية الذين سعى فوزي لتجنيدهم. وقد تكبنا في هذه الحرب خسائر فادحة في الأرواح وصلت في شهور الذروة إلى ١٥٠٠ شهيد في الأسبوع الواحد، وذلك لبناء ما عرف بحائط الصواريخ حتى نحيّد سلاح الطيران الإسرائيلي الذي ما انفك يقصف مدارسنا ومصانعنا ومطاراتنا ومدننا طوال عامي ٦٩ و٧٠. وبحلول شهر أغسطس ١٩٧٠ تمكن سلاح الدفاع الجوي من نقل بطاريات الصواريخ المضادة للطيران إلى حافة قناة السويس، وبذا أصبح للجيش البري غطاء يحميه حينما يستكمل استعداداته لعبور القناة، وهو ما تم بالفعل في حرب أكتوبر ١٩٧٣، ففي هذه الحرب لم يكن سلاح الطيران المصري بل سلاح الدفاع الجوي المصري هو الذي حمى فرق المشاة الخمس من العبور الناجح لقناة السويس يوم ٦ أكتوبر.

لم يكن هدف حرب الاستنزاف إجبار إسرائيل على الانسحاب من سيناء، بل كان الهدف المحدد لهذه الحرب هو الحفاظ على الروح المعنوية للمقاتلين، ورفع معنويات الشعوب المصرية والعربية، وتهيئه الظروف المناسبة للانتقال إلى مرحلة العمليات الهجومية، وإبقاء مسألة احتلال إسرائيل للأراضي العربية في قائمة المشاغل الدولية؛ وإزعاج القوات الإسرائيلية وإيقافُها ووضعُها وشعبَ إسرائيل تحت الضغط المعنوي المستمر؛ نتيجة ما يقع بجنودها على الجبهة من خسائر مستمرة.

ولنترك الكلمة لعيزر وايزمان، أحد أشد الصقور الإسرائيليين وأغلظهم، يعترف بهزيمة إسرائيل في حرب الاستنزاف:

“مع استمرار الحرب، دون أن يجد جيشنا طريقة لوضع حد لها، ازداد يقيني، على عكس الآخرين، بأن هذه هي المرة الأولى التي لا ننتصر فيها. قلت مرات لا تُحصى: لقد فَشِلنا في هذه الحرب، لم نفهمها بشكل صحيح، عندما وافق المصريون على وقف إطلاق النار في أغسطس ١٩٧٠، فسَّرْنا ذلك بأنه اعتراف من جانبهم بأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل قصفنا [الجوي] …  ولكني الآن ليس لديَّ ظلُّ شكٍّ في أن المصريين أرادوا وقف إطلاق النار من أجل نقل نظامهم الصاروخي إلى الأمام إلى القناة؛ حتى تتمكن من تحييد قواتنا الجوية عندما تعبر وحداتهم قناة السويس. كل هذا يدعم كلا ادعاءَيَّ. أولًا، أسفرت حرب الاستنزاف، التي سَفَك فيها أفضل جنودنا دماءهم، عن إطلاق يد المصريين على مدى ثلاث سنوات (١٩٧٠-١٩٧٣) للتحضير لحرب أكتوبر ١٩٧٣ الكبرى. إذا كان الأمر كذلك، فسيكون من الحماقة الادعاء بأننا انتصرنا في حرب الاستنزاف، على العكس من ذلك، على الرغم من كل خسائرهم؛ فإن المصريين هم الذين انتصروا.”

كان عظيم المجد والأخطاء: 

ولأختتم حديثي ببعض الكلمات التي تلخص ما وددت طرحه.

لقد كان عبد الناصر عظيم المجد والأخطاء، كما قال عنه الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري. إني اعتبر السنوات الثلاث الأخيرة من حياة جمال عبد الناصر أفضل سنواته، كما أعتبر قراره بشن حرب الاستنزاف وانتصاره فيها أعظم إنجازاته.

لقد كانت حرب الاستنزاف إنجازًا عبقريًّا بكافة المقاييس؛ فبعد ثلاث سنوات فقط من هزيمة مروِّعة قلَّ مثيلُها في العالم، استطاعت مصر، قيادةً وجيشًا وشعبًا، أن تعيد بناء قواتها المسلحة، وأن تمنع إسرائيل من فرض تسوية مُزْرية عليها، وأن تُلحِقَ بإسرائيل خسائرَ ثقيلةً حرمتها من جني ثمار نصرها، وأن تمهد الطريق للمرحلة المقبلة من الصراع المسلح مع العدو.

ولكني أعتبر أيضا هزيمة يونيو أعظم أخطائه وانعكاس لخلل جوهري في النظام السياسي الذي أنشأه. صحيح أن إسرائيل كانت قد أعدت العدة للإيقاع به؛ وصحيح أن الولايات المتحدة كانت قد أحكمت الحصار عليه بعد أن أطاحت برفاقه من زعماء حركات التحرر الوطني؛ وصحيح أن غرماءه في العالم العربي هاجموه بضراوة وعملوا على جره لحرب لم يكن مستعدا لها؛ وصحيح أن عبد الحكيم عامر أجج أتون الحرب في مغامرة صبيانية لم يكن يحسب حسابها. 

كل هذه صحيح، لكن عبد الناصر هو المسؤول الأول عن الهزيمة، فهو الذي اختار عامر ليتولى أمور الجيش، وهو الذي هندس النظام السياسي الذي سمح لعامر ورفاقه أن يستأثروا بالجيش وأن يملوا عليه آراءهم وأن يدفعوه لحرب كان يدرك أنه غير مستعد لها. وفوق هذا وذاك، كان من سمات هذا النظام السياسي المهترئ أن يجبر عبد الناصر على الاستقواء بالشارع لمواجهة الجيش، وأن يعتمد على خطابته وكاريزمته لتحييد الجيش، والنتيجة كانت تجريف النظام السياسي المصري وتحويله لنظام شعبوي يفتقر لمؤسسات قوية كان بوسعها التصدي للخطر الوجودي الذي تمثله إسرائيل.

إني أستحضر ذكري حرب يونيو الأليمة ومسؤولية عبد الناصر الثقيلة عنها في وقت يمر فيه عالمنا العربي بظروف مشابهة. فإسرائيل تعربد في منطقتنا وتشن حرب تهجير وإبادة للفلسطينيين تفوق في ضراوتها كل ما شهدته منطقتنا من أهوال وفظائع؛ وحكامنا مستعدون للاستسلام ولتناسي القضية الفلسطينية برمتها؛ وقطاع كبير من نخبنا الثقافية يدعو لطرح فكرة المقاومة جانبا باسم العقلانية والواقعية السياسية. 

ولكننا عندما نسترجع ذكري حرب ٦٧ ندرك أن خيار المقاومة كان الخيار الصائب برغم تكلفته العالية. على أن استرجاع ذكرى ٦٧ يحثنا أيضا على مساءلة حكامنا والتصميم على محاسبتهم وإخضاعهم لرقابتنا وحكمنا.

نكون أو لا نكون. قالها عبد الناصر للفت النظر لطبيعة الخطر الوجودي الآتي من الخارج. ولكن التصدي لهذا الخطر الخارجي لا يجب بأي حال من الأحوال أن يثنينا عن مواجهة الخطر الوجودي الآتي من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.