الإعلانات
Press "Enter" to skip to content

علي الرجّال وتأريخه للدولة البوليسية في مصر

نُشر في “فيسيبوك” في ٢ يونيو ٢٠١٦

مرة أخرى يتحفنا علي الرجّال بمقال ثري عن تاريخ الدولة البوليسية في مصر، ففي جريدة السفير بتاريخ ٢ يونيو كتب مقالا يوضح فيه طبيعة الدولة البوليسية وتطورها مركزا على فترة حكم مبارك وموضحا كيف كانت حالة الطوارئ سمة أساسية من سمات نظام الحكم في مصر.  وفي آخر المقال يطرح علي سؤالا هاما، وهو سؤال كثيرا ما شغلني أنا أيضا، سؤال تناقشنا فيه، أنا وعلي، على سكايب منذ يومين. هذا السؤال يتعلق بعلاقة الدولة البوليسية بالقانون وبسر اهتمام هذه الدولة بالقانون.

يقول علي: “لماذا استمر قانون الطوارئ واستمرت حالة الاستثناء كإيديولوجيا وقانون حاكم؟ مصر دولة حديثة، متعثرة إلى أقصى مدى، ولكنها قائمة على مبدأ رئيسي وهو المشروعية النابعة من القانون. وعلى عكس كثير من دول المنطقة، فمصر شهدت تعقيداً وتحديثاً قانونياً هائلين وبنية قضائية ثقيلة لا تقل عن كثير من الدول الكبرى، وتطور النخب القانونية والقضائية عبر ما يزيد على قرن من الزمن يجعل هناك صعوبة كبيرة لقبول حالة صافية من الدولة البوليسية. ولذلك كان لا بد من منظومة قانونية موازية، استثنائية لكنها قانونية. هي للتغطية على عوار الدولة البوليسية، سواء من الناحية القانونية أو على المستوى الإيديولوجي.”

منذ نقاشنا حول هذا السؤال منذ يومين وأنا أفكر فيه، وخطرت لي فكرة قد تلقي بعض الضوء على هذه الإشكالية إشكالية دولة بوليسية قائمة على فكرة حالة الاستثناء كما شرحها جورجيو أجامبين، يتلازم القانون فيها مع التعذيب والقتل والبطش والتنكيل بأعداء الدولة وإرهاب المجتمع. لماذا تحتاج مثل هذه الدولة للقانون؟

أعتقد أن مقال علي، وتحديدا الفقرة المقتبسة عاليه، فيه بداية الإجابة على هذا السؤال. فكما يذكر علي فإن “تطور النخب القانونية والقضائية عبر ما يزيد على قرن من الزمن يجعل هناك صعوبة كبيرة لقبول حالة صافية من الدولة البوليسية.” وبعبارة أخرى الإجابة تكمن في التاريخ، وتحديدا تاريخ تطور النظام القانوني المصري. وبما أني دارس لتاريخ القانون المصري الحديث، رأيت أن أكتب تعليقا قصيرا أوافق فيه علي على ما ذهب إليه، وتحديدا على قوله إن تطور النظام القانوني المصري حال دون ظهور دولة بوليسية صافية، وحتّم تلازم القانون بقواعده وأعرافه مع الدولة البوليسية مع عنفها وبطشها.

وقبل أن أعرض باختصار لملامح هذا التطور التاريخي للقانون المصري الحديث، أود أن أشير إلى مشهد يعبر بصريا عن هذا التلاحم بين الدولة البوليسية والقانون، وأقصد هنا مشهد محاكمة حبيب العادلي، وزير الداخلية السابق وخير ممثل للدولة البوليسية المصرية، أمام محكمة الجنايات فيما عرف بـ”محاكمة القرن”. فالعادلي الذي كان وقتها (أغسطس ٢٠١٤) يقضي بالفعل عقوبة السجن نظير إدانته في محاكمة سابقة ظهر ببدلة السجن الزرقاء ولكن بهالة من الوجاهة والأبهة، وأخذ يترافع مدافعا عن نفسه لأكثر من خمس ساعات (على مدار يومين)، وفي لحظات كثيرة كان هو، لا القاضي، المسيطر على مجريات الأمور في قاعة المحكمة، وكأن منصبه كوزير داخلية سابق وممثل للدولة البوليسية، أهم وأقوى من كونه سجينا مدانا والمفروض أن زالت عنه، قانونا، حصانته ووجاهته الاجتماعية والسياسية.  قد يقول قائل إن هذه ما هي إلا مسرحية، أو ورقة توت، يداري بها النظام الحاكم على مدى تواطؤ السلطة القضائية، مع الشرطة، عصب السلطة التنفيذية وعصا النظام السياسي برمته. ولكن إن صح تشبيه هذا المشهد بمشهد في مسرحية، فهذه المسرحية لا تحاول إلهاء المتفرجين عن طبيعة العلاقة بين الدولة البوليسية والقانون، أو تخفي حقيقة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية. فلا يوجد هنا حتى محاولة للادعاء بأن هاتين السلطتين مستقلتان بعضهما عن بعض، أو أنهما يراقبان بعضهما البعض كما ينص الدستور وكما علمتنا النظرية الليبرالية عن طبيعة القانون، واستقلال القضاء، ومبدأ الفصل بين السلطات، إلخ.

ما توضحه “محاكمة القرن” هو مقدار التناغم والتواؤم بين القانون والدولة البوليسة، هذا التناغم وذلك التواطؤ الذي عبر عنه أحد القضاة أخيرا، ومن على المنصة، (والعهدة على الراوي) ردا على محام سليط كان يحاول إحراج القاضي بإظهاره وكأنه منحاز للسلطة التنفيذية، بالقول “خلّصنا يا أستاذ. طيب أنا هأجيب م الآخر، أيوة إحنا بنع… للسيسي. يعنى انت عاوزني أشوف الجيش والشرطة بيتعرضوا لهجوم صبح وليل وأقعد ساكت؟”

وبعد هذا الاستطراد أعود للتاريخ وتحديدا لتاريخ تطور علاقة السلطتين التنفيذية والقضائية في النظام السياسي المصري على مدار القرنين المنصرمين. من اللافت أن دارسي القانون في مصر لا يدرسون تاريخ مهنتهم. هناك مادة عن القانون الروماني وأخرى عن الشريعة في كليات الحقوق، ولكن لا توجد مادة مستقلة عن تاريخ النظام القانوني المصري. ويذهب القليل من الدارسين والمؤرخين الذين تناولوا هذا الموضوع الضخم (مثل لطيفة سالم وطارق البشري، وقبلهما عزيز خانكي وشفيق شحاته وأحمد فتحي زغلول) يذهب إلى القول بأن النظام القانوني المصري الحديث بدأ بافتتاح المحاكم المختلطة عام ١٨٧٦ ثم افتتاح المحاكم الأهلية عام ١٨٨٣ مع ما صاحب هذين الحدثين من سن قوانين وتشريعات “حديثة” مبنية على مبدأ الفصل بين السلطات، إضافة إلى افتتاح مدرسة الحقوق الخديوية عام ١٨٦٨ (وكان تعرف باسم مدرسة الألسن والإدارة، ثم أصبحت تعرف باسم مدرسة الحقوق عام ١٨٨٦).

على أنه يغيب عن أغلب الدارسين أن إرهاصات القانون المصري الحديث تعود لعهود أقدم من هذا بكثير، وتحديدا لأوائل حكم محمد علي. فهذا الوالي العثماني كان مدركا لأهمية القانون في تدعيم حكمه وإحكام سيطرته على مجريات الأمور في ولايته الغنية. والقارئ لأوامر محمد علي العديدة سواء منها المنشور أو الذي ما زال محفوظا في دار الوثائق يدرك أن هذه الأوامر والتعليمات والتنبيهات هي نواة القانون المصري الحديث. فكما وضح كل من عماد هلال ورودلف بيترز (وهما أهم من أرخ للقانون في تلك الفترة) كان “القانون” وقتها يأخذ شكل أوامر لمرؤسي الباشا الذيم كانوا يعملون فيما كان يعرف بالـ”ميري”، الذي أصبح يعرف لاحقا بالـ”دولة المصرية.” والقارئ لتشريعات محمد علي الجنائية وأولها قانون الفلاحة الصادر عام ١٨٢٩ يلاحظ الآتي: أن هذه “القوانين” تنتمي للفكرة العثمانية عن “القانون”، كما شرحها باحثون مثل خليل إنالشيك وكورنيل فلايشر ولزلي بيرس وبوغاتش إرغِنِه. تلك الفكرة مبنية على مبدأ حق السلطان في سن تشريعات تكمل المبادئ الفقهية وتبني عليها. أن هذه التشريعات تستهدف أساسا إحكام السيطرة على طبقة “العسكر”، أي الحكام، بترويعهم إن هم أساؤا استخدام مزاياهم أو أجاروا على “الرعية”، أي المحكومين. أن العقاب البدني (ومن أهم أمثلته الجلد) كان حاضرا بشدة في هذه التشريعات الأولى. أن هذه القوانين، وإن لم تكن سرية، فإنها لم تكن علنية أيضا، بمعنى أنها لم تكن تنشر على الملأ حتى يعرفها الناس، فهي في النهاية تعليمات وتنبيهات لموظفي الميري حتى يعرفوا حدودهم وواجباتهم. أن مصدر هذه القوانين الباشا والباشا وحده. فلا يوجد برلمان أو ديوان للمشورة، أما الدواوين التي عرفت بهذا الإسم فكانت مشكلة من موظفين عينهم الباشا وكانت مهمتهم تسيير أعماله وتقديم الرأي والنصيحة غير الملزمة. أن الضبطية، أي الشرطة كانت حاضرة وبقوة كأداة “ضبط” وسيطرة، وواكب ظهورها نشأة القانون كما شرحناه، وكانت أداة تنفيذه وترجمته لأرض الواقع. أن القانون فلسفته قائمة أساسا ليس على حفظ حقوق الناس بل على تنفيذ رغبات الوالي.

أعتقد أننا لو انتهجنا أسلوبا أركيولوجيا في قراءة التاريخ، بمعنى الانتباه ليس لتسلسل المراحل التاريخية وربطها بعضها ببعض، بل لتمفصل تلك المراحل وتحورها من لحظة تاريخية إلى لحظة تاريخية لاحقة، لأدركنا مدى أهمية تلك الفترة في تشكيل وعي النخب القانونية المصرية عبر العصور. صحيح أن القضاة محافظون بطبعهم، وصحيح أن الكثير من قضاة هذه الأيام الذين لا يترددون في إصدار أحكام بالإعدام وبالسجن يفعلون ذلك انطلاقا من حنقهم على كل من الإسلاميين وثوار يناير. لكن أعتقد أن الموضوع له أصول تاريخية، أو أركيولوجية، تعود بنا إلى أوائل القرن التاسع عشر. هذا الأصول الأركيولوجية توضح لنا كيف بُني نظامنا القضائي على فلسفة قانونية ترى أن وظيفة القانون تكمن في الحفاظ على هيبة الميري/الدولة وليس في الدفاع عن حقوق المواطن؛ وترى أن أصل الأمور تقييد حرية الفرد وليس افتراض براءته وحريته؛ وترى أن علاقة السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية ليست علاقة سلطتين مستقلتين تراقبان إحداهما الأخرى، بل علاقة سلطتين شريكتين في الحكم تعملان في تناغم على قمع المواطن وتسخيره لخدمتهما.

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Be First to Comment

%d مدونون معجبون بهذه: