Press "Enter" to skip to content

تاريخ الترجمة في مصر في القرن التاسع عشر

نُشر في “فيسبوك” في ١٥ فبراير ٢٠١٥

أعمل هذه الأيام على بحث، قد يطول ويتحول لمقال أكاديمي، عن تاريخ الترجمة في مصر في القرن التاسع عشر. أجتهد لإلقاء الضوء على جانب من هذا التاريخ لم يتطرق له سوى حفنة من المؤرخين والمتخصصين في الترجمة، أذكر منهم جمال الدين الشيال و جاك تاجر. وأحاول قدر استطاعتي ألا أذكر اسم من اصطُلح على تسميته برائد الترجمة، ذاك المترجم الذي يفرد له المركز القومي للترجمة جائزة سنوية باسمه. الغرض ليس إجحاف سيرة الرجل ولكن التركيز على رهط من المترجمين لم ينالوا حظهم من الشهرة والسيط بالرغم من إنجازاتهم المبهرة في الترجمة.

أقصد بهذا الرهط مجموعة من المترجمين الذين اشتغلوا في مدرسة الطب المصرية، التي عرفت لاحقا باسم القصر العيني، والذين انكبوا فور تأسيس المدرسة عام ١٨٢٧ على ترجمة قدر لا يستهان به من فروع الطب المختلفة من جراحة لتشريح لأمراض الولادة والأطفال للعظام للأمراض الجلدية لأمراض العيون، إلخ. أذكر من هؤلاء المترجمين يوحنا العنحوري، وجورجي فيدال، وأغسطس سكاكيني، ومحمد الشافعي، وأحمد ندا، والأب أنطون رفاييل رهبة، وحسين غانم، وأحمد حسن الرشيدي، وعلي هيبة.

كما أذكر مصححي اللغة الأزهريين الذين عملوا جنبا إلى جنب مع هؤلاء المترجمين، والذين استطاعوا أن يجعلوا من هذه النصوص نصوصا عربية جزلة، محكمة العبارة، صحيحة القواعد، سهلة الأسلوب. ومن أهم هؤلاء المصححين: الشيخ محمد الهرواي، والشيخ محمد عمر التونسي، والشيخ إبراهيم الدسوقي والشيخ محمد محرم.

وعلى مدار الأسابيع القليلة الماضية دأبت على قراءة هذه الكتب الطبية والصيدلانية والبيطرية والكيماوية التي تعد من أوائل مطبوعات مطبعة بولاق، والتي للأسف لا يمكن العثور عليها في مصر بسهولة ولكن يتيسر الحصول عليها هنا في نيويورك في مكتبات المدينة المختلفة.

ورأيت أن أشارك من يهتم ببعض الملاحظات المبدئية حول هذه الترجمات علّني أشجع البعض على دراسة هذه النصوص المبهرة التي استطاع بها هؤلاء المترجمون الفطاحل أن يعرّبوا الطب بإتقان وحرفية واقتدار.

لن أطيل في هذه المقدمة وسأحاول أن أعرض لبعض نماذج من مقدمات هذه الكتب الفريدة الذي قد يبدو سجعها غريبا متكلفا في بادئ الأمر، ولكني أرى في هذه المقدمات المسجوعة قدرا كبيرا من المهارة اللغوية، ومحاولة ملفتة لربط علوم الطب الحديثة بالتراث الغني للطب العربي الذي يعد ابن سينا تتويجا له، وفي نفس الوقت مواءمة ناجحة بين الطب الحديث و التراث الإسلامي بكافه معاني الكلمة ليس فقط من علوم وآداب ولكن أيضا من فقه وعقيدة.

ما يلي افتتاحيات سبعة من هذه الكتب الطبية المترجمة، لفت نظري فيها السجع اللطيف والقدرة على ربط فرع الطب الذي يتناوله الكتاب بالعقيدة وبعلم الكلام.

مقدمة كتاب “القول الصريح في علم التشريح” وهو أول كتاب طبي ترجم وطبع في مطبعة بولاق (١٢٤٧ هـ / ١٨٣٢ م) تأليف أنطوان لوران بايل الفرنسي
Antoine Laurent Jesse Bayle’s Traité élémentaire d’anatomie ou description succincte des organs et des éléments organiques qui composent le corps humain وترجمة يوحنا عنحوري، وتصحيح الشيخين محمد الهراوي وحسن الرشيدي: “أحمد من خلق الإنسان وصوّره بهذا الشكل اللطيف، وجعل مادة جسمه العظام والأعصاب والعروق الغضاريف، وشرح صدر من شاء البحث في بنيته وتركُب هيئته، وما أودع فيه من العجب العجاب، ليدبروا آياته ويتذكر أولوا الألباب، وأصلي وأسلم على سر الكائنات الذي كان لها منه الوجود، ومركز دائرة المخلوقات الذي عنه لا تحود، وعلى آله وأصحابه سيما أعضاء الدين وقوائم اليقين، ثم على سلسلة الإسلام في كل حين. وبعد فلما كان علم الطب أحد العلمين بنص الحديث، واتفق على رفعته عامة الشرائع والدول في القديم والحديث، اعتنى به من قدماء أهل الإسلام عصابة، كانت لها فيه الدراية والإصابة، ألفوا فيه فأفادوا، وصنفوا فأجادوا، وأتقونا إتقانا ليس دونه مرام، ورتبواه على وجه ينتفع به جميع الأنام، حتى أن أهل الأوربا مكثوا ستة قرون بقانون ابن سينا متمسكين، لا يرون لغيره في هذا الفن رأيا ولا تمكين، ثم ترك أهل الإسلام الاشتغال بهذا العلم، ولم يلتفتوا لما يترتب على هذا الأمر المدلهم، إذ لبثوا من القرن الثامن إلى منتصف الثالث عشر، لا يُرى عند الملوك طبيب منهم يعالج البشر، فتنبه لهذا الأمر سعادة من يُستدل على سوابق ألطافه بلواحق كرمه، ويُستهل بطوالع سعده على رفعة عمله، ثاقب الفكرة والحزم، ماضي الهمة والعزم، وهو الذي تشرفت صفحات الأيام بعزه ودولته، وأقمرت ليالي الرعايا برعايته وصولته، وهل لجمع العلم رونق إلا بطلعته، أو لروض الفضل نضرة إلا ببهجته؟
إمام له العلياء ألقت زمامها فمنها له ما يبتغي ويشاء
تزيد على الآمال آلاؤه التي بها للورى طرا غنى وغناء
فلولاه لم يستعل رب فضيلة ولا استبقت في فضلها الفضلاء
كيف لا وهو محمد بكل لسان، وعلى الشأن في كل مكان، لا زال مجاهدا في الله حق اليقين، ومقام إبراهيم مرتقيا في الظفر والتمكين، وحرم عباسه كعبة النصر والفتح المبين، وكل الورى متضرعين. اللهم آمين.”

 محطتنا الثانية مع كتاب “ضياء النيرين في مداواة العينين” الذي ألفه وليام لورانس، ونشر أصله الإنجليزي عام ١٨٣٣ بعنوان A treatise on the diseases of the eye

. ترجم الكتاب للعربية الشيخ الحكيم أحمد الرشيدي، وطبعته مطبعة بولاق عام ١٢٥٦ هـ / ١٨٤٠ م. يقول الرشيدي في مقدمة الكتاب:

“نسألك يا معيد صحة الأجسام بالتدبير الحميد، ومبيد جيش الأمراض بالعلاج السديد، أن تفيض علينا من معارف علم الأبدان، ما تقيم به أجسامنا لتؤدي ما كُلفت من الأديان، ونحمدك على نعمك التي عمت، ومننك التي طلعت أقمارها وتمت، ونشهد أن لا إله إلا انت، ركّبت فاتقنت، وعدّلت فأحكمت، وزينت فاتممت، ونشهد أن سيدنا محمدا حبيبك الذي هديت به الأمة، وأزلت به الظلمة وكشفت به الغمة، فأصبح إنسان العين وعين الإنسان، وسراجك النير على جميع الأكوان، اللهم صلي عليه وعلى آله الذين تلألأت أنوارهم، واتضحت في آفاق المعالي أقمارهم، وتوشحت بلآلئ السيادة أزهارهم، وتفتحت للسعادة بصائرهم وأبصارهم، وأصحابه الذين هم هداة دعاة لطرق الحق القويم، وولاة وعاة لتعديل المزاج السقيم، وأنصاره وأشياعه ما تبسم ثغر صج في جنح ظلام، واهتز قد رمج وتورد بالدم حسام. وبعد فأقول خاضعا لمبدئي ومعيدي، وأنا الفقير أحمد بن حسن الرشيدي، إن علم الطب بحر عجاج، غويص العمق متلاطم الأمواج، لا يصل لقراره لاجتلاب عرائس غرره غواص، ولا ينال من نفائس فرائد درره إلا بعض الخواص، لما أنه الأنفس بعد العلوم الديانية، والأنفع المحتاج إليه لكافة الأجسام البشرية، والنفيس المطلوب إذا عظم عز مدركه، وما كل ما يتمنى المرء يدركه، وكان قد اندرس رسمه، وانمحى من بلادنا أثره ووسمه، بعد أن كانت له ولغيره ينبوعا أصليا، ومخزنا لادخاره غنيا مليا، فصار الجهال يتمشدقون بذكره في المجالس، ويحادثون الناس به على حسب ما خطر لهم في الهواجس، ويعالجون المرضى بدون أن يعلموا حقيقة أمراضهم، ولا يميزوا بين عوارضهم وأعراضهم، بل ولا يعرفون من الطب معناه، ولا يدركون قواعده ومبناه، حتى منّ الله على تلك البلاد بأعظم الوزراء على سطح البسيطة شرقا وغربا، وأجل العظماء وأوسع الكرماء منحا وقربا، الطود الأشم، الذي تشامخ معراجه، والبحر الخضم الذي تدفقت بالكرم أمواجه، فحتم على حاتم بنسخ ذكره، وقام الناس على ملازمة حمده وشكره، صاحب الشهامة التي أضحت أشهر من نار على علم، والصيت الئي أسمع من به صمم، والذكر الذي صار سير المثل في العرب والعجم، والهيبة التي تركت الأسود واجمة في الأجم، … قد ركب من الحزم مركبا عزت على غيره صهوته، وملك أزمة العزم الذي تتلظى جذوته، وكلَّ البصر عن تشخيص مقامه الشامخ على الأثير، ورام طرف النجم إدراك شأوه فرجع خاسئا وهو حسير، فإن حمدت له رأيا فهو محمد السعادة، وإن ذكرت له علوا فهو علىّ السيادة، ذو المقام السامي العلي، فخر الوزراء الأماجد محمد علي، لا زال بدر مجده في صعود، وطالع إقباله في أوج السعود، وثغور الدهر لمشرفاته باسمه، والأقدار في مساعدته على مراده قائمه، وأعمدة دولته منصوبة بالخيام، وأوتاد مملكته راسخة الأقدام، وزمانه في عنفوان شبابه، وطائر السعادة مرفرفا على بابه.”

أما حسين الرشيدي غانم فكتب في مقدمة “كتاب الأقرباذين” (أي الصيدلة) الذي طُبع عام ١٨٤٢ ما يلي:

يا من ذكره أنفع ما تداوى به الإنسان، وحمده أنجع ترياق للقلوب والأبدان، تنزهت ذاتك عن العوارض والعلل، وتقدست صفاتك عن النقص والخلل، فسبحاك من إله ذابت أجسام المحبين من هيبة جلالك، وتقطعت أوصال العاشقين حين حجبتهم عن مشاهدة جمالك، لا إله إلا انت سقيتهم من شراب إنسك فتاهوا غراما، وأسكرتهم من رحيق حبك فشطحوا هياما، قد انعقدت حبات قلوبهم على شكرك وحمدك، وصبغت سويداء أفئدتهم بصبغة ثنائك ومجدك، فذكرك البسلم الحاكم على أدوائهم بالاضمحلال، وتوحيدك إكسيرهم الذي ليس لتركيبه المحلال…”

وكتب أحمد الرشيدي في مقدمة كتابه “بهجة الرؤساء في أمراض النساء” الذي طبع عام ١٢٦٠ هـ / ١٨٤٤ م ما يلي:

“سبحانك تفردت بالخلق والإبداع والتكوين، وتعاليت بوحدانيتك عن الصاحبة والوزير والمعين، نحمدك بنيتَ السماء بإيد ورفعتها من غير عمد، ودحيت الأرض مخرجا منها ماءها ومرعاها بلا إعانة ومدد، وأخرجت لنا بفضلك من الزهر الثمر، وساويت في نعمائك بين الأنثى والذكر، ونشهد أن لا إله إلا انت شهادة يتلذذ بذكرها اللسان، وتتعطر بنفحاتها الأفواه والأردان، ونصلي على من استخلصته من أشرف قبيلة وأجل عصابة، وأيدته في جميع أموره بالجزالة والإصابة، وفطرت على محبته قلوب الأنام، حتى قلوب الأجنة في الأرحام…”

وفي مقدمة كتاب آخر له عنوانه “نزهة الإقبال في مداواة الأطفال” طُبع عام ١٢٦١ هـ / ١٨٤٥ م كتب أحمد الرشيدي يقول:

“نحمدك يا من تنزه عن الولد والوالد، وتعالى عن الصحابة والمعاون والمساعد، ونشهد أن لا إلا إلا انت خلقت الإنسان في أحسن تقويم، وأبدعته بحكمة ذلك تقدير العزيز العليم، فكان أول نطفة من ماء مهين، ثم جعلته علقة بديعة التكوين، ثم صار مضغة ثم عظاما مكسوة لحما طريا، ثم نفخت فيه الروح فصار بشرا سويا، ونصلي ونسلم على من استخلصته من زكي الأصلاب، وانتخبته من أشرف الأنساب… “

أما سالم القنياتي ومحمد عمر التونسي فقد ساعدا الحكيم محمد الشباسي في ترجمة كتاب Jean Cruveilhier  المطبوع في باريس ١٨٣٠ بعنوان: Anatomie pathologique du corps humain وأسموا ترجمتهم “التنقيح الوحيد في التشريح الخاص الجديد.” وجاءت مقدمة الكتاب كالآتي:

“يا من شرح صدر أهل الحقائق بنور توحيده، وشغف قلوبهم بحبه فقاموا بتهليله وتحميده، نحمدك حمد معترف بعجائب مصنوعاتك، ونشكرك شكر موحد يشهد أنك الموجد لمخلوقاتك، ونستوهب منك يا ذا الجلال والإكرام، أزكى صلاة وأتم سلام وأبهى مبرة وإكرام، على سيدنا ومولانا محمد الذي قام في عبادتك حتى تورمت قدماه الشريفتان، وشق جبريل صدره وملأ قلبه حكمة وإيمان، الذى أنزلت عليه في كتابك المحتوى على العجائب، فلينظر الإنسان مم خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، وأدِم يا ربنا رضوانك على آله المكرمين، وأصحابه الكرام البررة المعظمين…. لما كان علم الطب من أجل العلوم وأنفعها، وأبهاها وأوسعها، إذ به بقاء حياة الحيوان، الذي عليه عمارة الأقاليم والبلدان، سيما وقد قال من لا ينطق عن الهوى، ما من داء إلا وقد جعل الله له دوا، وكان حكم الله فيه فرض الكفاية، كان الواجب رعايته أتم الرعاية، لما أن إهماله موجب لفقد أنواع الحيوان، لا سيما أكمل أنواعه الذي هو الإنسان، لكن لما كانت معرفته على الوجه الصحيح، لا تمكن إلا بعد معرفة فن التشريح، إذ بدونه يختل أمر الطبيب، ولا يعرف إن كان يخطئ في علاجه أو يصيب، فكان من هذه الحيثية واجب المعرفة، لتوقف الواجب عليه بهذه الصفة، وكانت مدرسة الطب الإنساني التي في مصر المحمية، خالية عن كتاب فيه لم يترك من مسائله جزئية….”

وفي عام ١٢٦٦ هـ/ ١٨٤٩ م كتب الرشيدي في مقدمة كتاب “الروضة البهية في الأمراض الجلدية” ما يلي:

“نحمدك أبدعت جميع الكائنات بحكمتك، وحفظتها وحميتها بجلباب صيانتك.. نصلي ونسلم على من أفاض على الأرواح حلل المعارف، وزينها بلباس البهاء والكمال والعوارف، وأنزلت عليه قرآنا تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم…”

وأخيرا، اشترك كل من محمد عمر التونسي مع حسين غانم ومحمد الهراوي ودرويش زيدان في كتابة مقدمة كتاب “الجواهر السنية في الأعمال الكيماوية” الذي ألفة نيقولا بيرون، مدرس الكيمياء في مدرسة الطب، والذي كان مستعربا ضليعا في العربية والفقه المالكي بجانب كونه مدرس الكيمياء والطبيعة. وجاء في صدر المقدمة ما يلي:

“يا من تتصاعد إليه الأرواح الطاهرة وتتساما، وتذوب الأجسام من هيبة جلاله وعلى أبواب عفوه تترامى، تنزهت ذاتك العليا عن التركيب والتحليل، وتقدست صفاتك السنية عن التغيير والتبديل، لا إلا إلا انت خلقت لنا ما في الأرض من المعادن والنباتات والحيوان، وأوجدت لنا الحلو والحامض والعذب والملح من المطعومات، … فيا من حمده أعظم كيمياء لإكسير الثواب، وشكره أجود موصل إلى دار المآب…”

وإذا كان لنا عمر، سأرفع هنا في الأيام اللاحقة نماذج من نصوص الكتب نفسها (وليس فقط مقدماتها) حتي تتبين مهارة هؤلاء المترجمين في الترجمة وفي تعريب الطب، بل تمصيره أيضا.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

One Comment

  1. dr said
    dr said 20/05/2017

    شكرا لهذا الطرح فما أحوجنا الآن إلى مثل هذه الأعمال ردا على من يتوهمون استحالة تعريب الطب والعلوم بالعربية بحجة أنها لغة أدب وليست لغة علم. ولكن لي ملاحظة فالترجمة الحقيقية لكلمة (pharamcology) هى علم الأدوية أو الأقربازين (وهي كلمة فارسية على ما أعتقد) كما تفضل صاحب الترجمة بتسمية كتابه بها وليس كما شرحتم سيادتكم بأنها علم الصيدلة وشكرا لسعة الصدر ونرحب بردكم

%d مدونون معجبون بهذه: