Press "Enter" to skip to content

عن الصور والتماثيل

نُشر هذا المقال عام ٢٠٠٦ غالبا في جريدة القاهرة ولكني لا أتذكر في أي شهر

أثارت فتوى الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، والقاضية بتحريم تزيين المنازل بتماثيل كاملة، الكثير من اللغط بعدما اعترض عليها بعض المفكرين والمثقفين مشيرين إلى أن الشيخين محمد عبده ورشيد رضا كانا قد أفتيا بعدم تحريم التماثيل، الكاملة منها والناقصة، قبل أكثر من مائة عام. على أن الدكتور علي جمعة أصر على فتواه مؤكدا أن “هناك فرقاً بين الشاهد والغيب، فالشاهد هو حرمة صنع التماثيل الكاملة، والغيب هو هل تدخل الملائكة بيتاً فيه تمثال؟”، معتبراً في سياق اصراره على الفتوى أنه لا يمكن أن يحل حراماً حتى “لا يلعنه الله واللاعنون”.

وكان ممن أدلى بدلوه فى هذه القضية الشائكة الأستاذة صافي ناز كاظم فى عمودها، تاكسي الكلام، الذي تكتبه أسبوعيا فى جريدة القاهرة. ففى سلسلة من عدة مقالات بليغة فندت الأستاذة صافي ناز بدقة مفرداتها المعهودة ووضوح أفكارها المشهود آراءها المتفقة مع فتوى الدكتور علي جمعة وزادت على ما جاء فى الفتوى من أفكار فقهية أفكاراً ورؤى تتعلق بظاهرة إقامة التماثيل كأسلوب من أساليب التكريم للحكام والمشاهير، تلك الظاهرة التى قالت إنها وافدة على مجتمعنا غريبة عليه. كما أضافت أن لغة التجسيد التى يعتمد عليها فن النحت لغة متخلفة عن التعبير عن الحقيقة وأن هذا ما يدفعها لأن تدخل “برأي ثقافي، بعيدا عن الفتوى الشرعية التي ليست من حقي” وأن توافق المفتي على فتواه. وردا على أولئك الذين يقولون إنه يجب الدفاع عن “الفن” تقول الأستاذة صافي ناز إنه “ليس هناك شيء اسمه “الفن”، لكن هناك “فن” ولابد أن تأتي وراء “فن” كلمة تحددها فنقول فن اشتراكي، فن وثني، فن مسيحي، فن إسلامي… إلخ”. وأخيراً تذهب الأستاذة صافي ناز إلى القول بأنه إذا تطرقنا إلى الفن الإسلامي فيجب التذكير بأن سمة هذا الفن الأساسية هى التجريد.

تلك إذن هى الأسباب الأربعة التى حدت بالأستاذة صافي ناز كاظم لأن ترفض إقامة التماثيل وفن النحت (إذا لم يكن تجريدياً). فأولا تعتبر الأستاذة صافي ناز ظاهرة إقامة التماثيل ظاهرة “لا نؤمن بها ولا تعبر عنا ولا يحبها شعبنا ولا يحترمها”، وثانيا فإن لغة التماثيل لغة متخلفة فنيا إذ أنها تقتصر على شكل الإنسان الخارجي في حين أن “حقيقة الإنسان والأشياء ليست هي ملامحها الخارجية”. ثالثاً، لا يوجد هناك شيء اسمه “الفن” بألف لام التعريف يسمو على الخلاف ويجب الدفاع عنه أيا كان شكله أو مضمونه، بل توجد فنون مختلفة “تعكس بالضرورة منطق عقيدتها ومفردات حلالها وحرامها، والإنسان لا يستسيغ ولا يتذوق إلا ما يتلاقى مع مجموعة قيمه وأخلاقياته ومعتقداته”. ورابعاً وأخيراً، وبما أن هناك فنونا مختلفة، “وإذا كان لكل فن سمته الغالبة وخاصيته، فالسمة الغالبة للفن الإسلامي هي التقشف والـ”تجريد”. وحين نجد فى تراث حضارتنا الإسلامية فنونا تخالف التقشف والتجريد فعلينا أن نستنتج أنها تأثرت بتراث عقائد مخالفة فانحرفت عن خصائص الفن الإسلامي”.

وحسب متابعتي لهذه القضية الشائكة وللسجال الدائر حولها فإن ما كتبته الأستاذة صافي ناز يعتبر من أهم وأعمق ما كُتب، ذلك أنها نأت بنفسها عن التطرق للجانب الفقهى من هذه القضية مفضلة التركيز على النواحي الفنية والجمالية منها وطارحة فى هذا السياق أفكاراً ومبادئ عميقة تدعونا إلى التأمل والتفكر، أفكاراً من قبيل: ما هو الفن، وما هى رسالته؟ وكيف يمكن الحكم على أصالة فن ما أو مكانته فى المجتمع؟ وكيف يمكن قراءة فن ما والتمعن فى معناه؟ وفى السطور القليلة التالية سأدلو أنا الآخر بدلوي فى هذه القضية نائيا بنفسي عن الآراء الفقهية إذ أننى أنا الآخر لست مخولا للخوض فيها. ولكنى سأسمح لنفسي بالخوض فى بعض الفتاوى المتعلقة بالصور والتماثيل ليس فى مضمونها وفحواها وإنما فى ارتباطها ببعض التطورات التاريخية المتعلقة بتاريخ مصر الحديث، ذلك التاريخ الذي تيسر لي قراءة بعض مصادره ودراسة شيء من مراجعه.


تقول الأستاذة صافي ناظ فى معرض دفاعها عن الفتوى إن “الناس في بلادنا ما إن يجدوا تمثالا على قرب منهم، وفي متناولهم حتى نراهم يندفعون لضربه ولطشه على وجهه وعلى قفاه وبشغف شديد، فالتمثال لا يعني لديهم التكريم بل الامتهان”. وأنا لا أدري أي “ناس” وأية “بلاد” تقصد الأستاذة صافي ناظ، فأنا لا تحضرني أية واقعة لمصريين اندفعوا لضرب تمثتال ولطشه على وجهه وأحسبها تقصد العراقيين الذين انهالوا على تمثال الطاغية صدام حسين عندما سقط هو ونظامه وتمثاله المقام فى ساحة الفردوس فى العاصمة بغداد فأخذت جموع العراقيين (أو على الأقل من رأيناهم منهم على شاشات الـسي إن أن  والجزيرة) وقد انهالوا بنعالهم على وجه التمثال وقفاه.

ولكن إذا حصرنا متابعتنا لرد فعل المصريين لفكرة التماثيل المقامة فى الميادين العامة فلن نجد لرأي الأستاذة صافي ناظ من دليل يدعمه ويقيم الحجة عليه، ذلك أن تاريخ المصريين على مدار العصور لا يترك مجالا للشك في أن فكرة إقامة التماثيل تكريما لزعمائهم وأبطالهم لم تكن يوما فكرة غريبة عليهم أو وافدة كما يظن البعض.

فلننظر مثلا لكيف تجمعت إرادة المصريين حول رغبة إقامة تمثال “نهضة مصر” لمختار، تلك الرغبة التى لم تحركها حكومة أو حزب بل كانت نتيجة تحمس تلقائي والتفاف من الناس حول فكرة إقامة التمثال. ويصف لنا بدر الدين أبو غازي فى كتابه البليغ “مختار: حياته وفنه” عملية الاكتتاب العام لإقامة التمثال: “جموع من صغار العمال والباعة الجائلين بتبرعون في حماس ويقدمون ما يملكون، ونساء فقيرات يدخرن قوت اليوم ليساهمن فى إقامة التمثال، والبعض يقترض حتى لا يفوته شرف الاشتراك… وهذه أصوات ريفية ترتفع من أعماف القرى وتبعث صيحاتها المتحمسة مع ما تملكه من قروش، ومتسولون يقضون حياتهم على الأرصفة ولكن الشرارة تمتد إليهم وتهز بقية كرامة في نفوسهم قيأبون إلا التبرع بما يجمعون لإقامة التمثال”.

ومن خلال حركة التبرعات تبرز أمثلة نادرة تعتبر دليلا على مدى الإقبال الجماهيري على فكرة إقامة التمثال والتسابق فيما بينهم لذلك الهدف. من ذلك رسالة من “الشحات إبراهيم الكيلاني” الذي كتب لجريدة الأخبار يقول:

“إنني رجل فقير جدا أشتغل بهندسة السكة الحديد الأميرية بوظيفة فاعل ويوميتي 70 مليماً ومتزوج بيتيمة الأب وأم زوجتي تبيع ترمساً ولي شغف بقراءة الصحف…، بينما كنت جالساً أقرأ جريدتكم الغراء بكيت بكاء شيدياً فسألتني زوجتي عن سلل بكائي فأخبرتها عن التبرع لتمثال نهضة مصر، ولم يكن معي نقود أتبرع بها خلاف 200 مليم فقالت زوجتي إنها تتبرع بمائة مليم أيضاً وقالت أمها مثلها وكذلك فعل أخوها وعمره 15 سنة، أما أختها البالغة من العمر 13 سنة فقالت إنها لا تملك إلا 50 مليماً فتبرعت بها، زلي طفل عمره سنة ونصف كانت أمه وفرت له 50 مليماً فأحضرتهم فأصبح المجموع 600 مليم، فأرجوكم أن تتقبلوا منا هذا المبلغ القليل لتوصيله إلى أمين صندوق تمثال نهضة مصر وتتوسطوا فى قبوله ونكون لكم من الشاكرين…”

وهناك رسالة أخرى من تلميذ صغير بمدرسة خليل أغا الابتدائية يقول فيها:

“إن والدي كان يطالعني على ما كتب بجريدتكم بشأن نابغة مصر وهو سيدي (محمود مختار) لأعلم أن النبوغ أكثر ما يكون من الطبقات التي أنا منها فأبذل جهدي لأكون عظيماً، … واليوم علمت دعوتكم إلى الأمة المصرية لتكتتب بمبلغ يدفع ثمناً لتمثال نهضة مصر … وبما أني أرجو أن أكون رجلاً حياً فقد أردت أم افتتح حياتي بالاشتراك فى هذا الاكتتاب المقدس بنصف ما أملك وهو خمسة وعشرون قرشاً وأقسم بوطنية (مختار) وإنه قسم كما تعلمون عظيم أني لو كنت أملك كئات الجنيهات لاكتتبت بها ولكن ما باليد حيلة. مصطفى كمال التميمي”.

ونتيجة هذه الحماسة من جموع الشعب فقرائه وأغنيائه تجمع من الاكتتاب العام مبلغ ستة آلاف وخمسمائة جنيه وتقرر إقامته في ميدان المحطة. وبعد سنوات طوال من المماطلة الحكومية أزيح الستار عن تمثال نهضة مصر يوم 20 مايو 1928 واحتشدت الألوف الذين دعتهم وزارة الأشغال العمومية وأضعاف هذه الألوف جاءوا من أنحاء مصر ليشهدوا جميعا هذا الحدث الجلل الذي تجمعت قلوبهم حوله. ويصف لنا الدكتور محمد حسين هيكل مشهد إزاحة الستار عن التمثال فيقول:

“وجاء منتصف الساعة السادسة وأمر برفع الستار وقام الجند بإنزاله بشيء من الهوادة والبطء جعل التمثال يظهر للناظريم رويداً رويداً فلك تكد تبدو رأس المصرية التى توقظ أبا الهول من مجثمه إذا رعشة سرت إلى النفوس وإلى الأجسام جميعا وإذا ألوف الأيدي تتحرك بالتصفيق وإذا الهتاف يشق عنان السماء بحياة نهضة مصروإذا كل مصري ممن احتشدوا في الميدان لا يملك نفسه أن يتولاها هذا الشعور القوي العجيب”.

فعن أي ناس يكرهون التماثيل ولا يحترمونها نتحدث؟

ولم تكن تلك المرة الوحيدة التي سارعت فيها جموع الناس للاكتتاب لإقامة تمثال في ميدان عام ، فبعد وفاة مصطفى كامل في ١٠ فبراير ١٩٠٨ أراد الحزب الوطني أن يخلد ذكرى زعيمه بإقامة تمثال له ولكن محمد فريد رأى أن مصطفى كامل كان رجل الأمة كلها فلا يجوز للحزب الوطني أن يستقل بالأمر وحده بل يجب أن يكون التمثال من عمل الأمة التي عاش الزعيم لها ومات في سبيلها (حسب قول محمد فريد). وتحقيقا لتلك الرغبة شُكلت لجنة غير حكومية للإشراف على عملية إقامة التمثال، ومرة أخرى نجد جموع الشعب تتسارع للاكتتاب العام، وفي ظرف شهرين اثنين فقط تم جمع مبلغ ثلاثة آلاف ومائتين وخمسين جنيها لصنع التمثال أودعت في البنك الألماني الشرقي وأنفق منها مبلغ ألفان ومائة وعشرون جنيها على التمثال وبقى ألف ومائة وثلاثون جنيها أرصدت مع أرباحها لتعليم أبناء الشعب بالمجان في كلية مصطفى كامل باشا. وعندما اكتمل عمل التمثال ونظرا لظروف سياسية عديدة ظل التمثال سجينا في مدرسة مصطفى كامل بالخرنفش مدة ثلاثين سنة حتى أزيح عنه الستار في احتفال مهيب حضره الملك السابق فاروق يوم ١٤ مايو ١٩٤٠ وعلت فيه أصوات الناس مرددة اسم مصطفى كامل.
فعن أي ناس يكرهون التماثيل ولا يحترمونها نتحدث؟

وقبل ذلك بعامين أقيم احتفالان كبيران فى القاهرة والإسكندرية بمناسبة إزاحة الستار عن تمثالي سعد زغلول الذين، مرة أخرى، ظلا قابعين لمدة طويلة في المخازن لأسباب سياسية. فنكاية لحزب الوفد رأت حكومات الأقلية المتعاقبة ومن ورائها القصر أن إقامة تمثال لسعد لن يزيد الوفد إلا شعبية فوق شعبيته فآثرت التباطؤ في إزاحة الستار عن التمثالين، وما أن رضخت الحكومة والقصر للمطالب الشعبية بإقامة التمثالين حتى أدركت جموع الناس أنهم انتصروا في سجالهم الخفي مع القصر، ذلك السجال الذي عبرت عنه جريدة الأهرام في تغطيتها للحفلين المتواكبين في القاهرة والإسكندرية يوم 27 أغسطس 1938، حين كتب مراسلها يقول: “إن احتفال الدولة بتمثال سعد يفيض على ذكرى من يمثله رونقا جديدا يزيد تاريخ حياته سناء، ويقيم دليلا حيا على صحة النهضة القومية، وعلى أن حكومة مصر اصطبغت بالصبغة الشعبية الدستورية فغدت من الشعب للشعب، ولم تعد أمام الناس كما كانت في الماضي تمثالا للتيه والسيطرة والخيلاء، أو “كالصنم الهندي” الذى كان الأستاذ لطفي السيد باشا … يصفها به”. أو بعبارة أخرى فإن تواصل الدولة مع الشعب في الرغبة في إقامة تمثال لسعد زغلول زاد من تقدير الناس لتلك الدولة، أما عنادها وعدم امتثالها لرغبة الشعب في تكريم زعمائه بإقامة تماثيل لهم هو ما حول هذه الدولة إلى صنم هندي امتاز بالتيه والسيطرة والخيلاء. وعندما حانت اللحظة الحاسمة وتجرع فاروق سم إزاحة الستار عن تمثال سعد علت الهتافات من الجماهير الحاشدة على كورنيش الإسكندرية مرددة “يعيش الملك”، ولكنها سرعان ما أن زادت: “تحيا ذكرى سعد”.

فعن أي ناس يكرهون التماثيل ولا يحترمونها نتحدث؟

وقد يقال إن ذلك التكالب من قبل الناس على التماثيل واحترامها وتبجيلها لما تمثله من إحياء لذكرى زعماء يقدرهم الناس ويبجلونهم، قد يقال إن هذا التكالب هو أحد مظاهر الافتنان بالغرب وتقليده دون تبصر أو روية، أو كما تقول الأستاذة صافي ناظ، إننا يحب أن نراجع “العقلية والرؤية الثقافية في بلادنا التي تحمست جدا، منذ مطلع القرن الماضي، لإقامة التماثيل … وكان هذا في معظمه “محاكاة” غير رشيدة دون وعي أو فهم أو إدراك”. وبغض النظر عما تحمله هذه الكلمات من معاني الحكم على تصرفات الناس العفوية تجاه تماثيل زعمائهم وافتراض وجود وعي أو فهم أو إدراك حقيقي يجب على أحدهم تنبيه الناس له ونهيهم عن السعي في غيره من ضلال وزيف فإن تاريخ المصريين يدل على أن إقبالهم على التماثيل وعدم نفورهم منها سابق على مطلع القرن الماضي وعلى محاكاتهم المزعومة للغرب، فمصر سبقت الجميع في مسألة إقامة تماثيل عملاقة لملوكها وفراعنتها، والحضارة الفرعونية لم تواكبها أية حضارة أخرى في فن نحت التماثيل. وليس هناك دليل على أن بسطاء المصريين أثناء الحقبة القرعونية المديدة كانوا ينهالون على التماثيل أو أن تلك التماثيل كانت “تتحدى مشاعر الناس في ذهابهم ومجيئهم” كما تقول الأستاذة صافي ناظ.

فعن أي ناس يكرهون التماثيل ولا يحترمونها نتحدث؟

تمثال للمسيح كالراعي الصالح، المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية

وإذا كان المعلوم من التاريخ الفرعوني لا يمدنا بأي دليل على نفور عامة المصريين من التماثيل فإن الأمر نفسه ينطبق على الحقبة القبطية حين شيدت التماثيل فى الكنائس والأديرة التى انتشرت في كل ربوع البلاد، ومرة أخرى لا نقرأ فى كتب التاريخ عن حوادث انهال المصريون فيها على التماثيل بالضرب والتحطيم لأنهم رأوا فيها ما يتحدى مشاعرهم ويستفزهم.

فعن أي ناس يكرهون التماثيل ولا يحترمونها نتحدث؟

تبقى إذن الحقبة الإسلامية التى أعقبت دخول العرب إلى مصر والتحول التدريجي للإسلام دينا وللعربية لغة الذي استغرق قرونا عدة والذى انتهى بأن غدت الحضارة المصرية حضارة عربية إسلامية. ولكن مصر وبالرغم من هذا التحول العام فى هويتها وبالرغم من انخراطها في النظام الإسلامي الجديد إلا أن الدارس لتاريخ مصر الإسلامية سيلحظ أيضا مدى الاعتزاز والارتباط والتقدير للتراث والعادات المحلية الذي يبديه الكتاب المصريون في هذه الحقبة. صحيح أن مصر لم تنتج كاتبا ومفكرا كالفردوسي الفارسي الذي أثنى على الحضارة الفارسية قبل دخول الإسلام وبالغ في تصوير عظمتها مستخدما اللغة الفارسية التي لم تندثر مع دخول الفرس للإسلام، إلا أن الاعتزاز بمصر وتفردها وتمايزها عن سائر الأمصار ظل علامة مميزة لكتابات المفكرين المصريين فى العصور الوسيطة، تلك الكتابات التي تعرف بـ”فضائل مصر”.

وتبدو الحقبة الفرعونية فى كتب الفضائل بشكل ملتبس، فمن ناحية لم يكن من اليسير التغلب على الصورة السلبية التي تظهر بها مصر الفرعونية في القرآن وفى التراث الإسلامي ككل، تلك الصورة التي استعصت حتى على رفاعة الطهطاوي في كتابه <<أنوار توفيق الجليل فى أخبار مصر وتوثيق بنى اسماعيل>> عندما حاول الاحتفاء بعلم المصريات الجديد الذي ظهر فى القرن التاسع عشر. ومن ناحية أخرى فإن مؤلفي كتب فضائل مصر العديدين بدء من إبن عبد الحكم وانتهاء بالحقبة العثمانية لم يسعهم سوى أن يقفوا مبهورين بآثار مصر الفرعونية، تلك الآثار التى اعتبروها من العجائب. ومن المعروف أن وصف العجائب فن برع فيه المؤلفون المسلمون باعتبارها (أي العجائب) دليلا على عظمة هذه الدنيا التى خلقها الله. فالجاحظ مثلا فى كتاب منسوب له أسماه <<كتاب مدح مصر>> عدد ثلاثون من عجائب الدنيا وأكد أن عشرين منها موجودة في مصر. وفى واحد من أهم وأطرف كتب فضائل مصر، كتاب <<الفضائل الباهرة في محاسن مصر القاهرة>> لابن ظهيرة (الذي وضع كتابه هذا فى عام ١٤٦٧) يعدد المؤلف ما في مصر من عجائب تشمل السمكة الرعّادة “إذا وضع إنسان يده عليها لم يتمالك أن يضطرب جسمه اضطرابا شديدا”، و”الحيات العظام التي تبتلع الرجل”، وبالطبع بحر النيل المبارك “أعظم عجائبها الظاهرة لأعين الناس”. على أن العجائب كانت تتضمن أيضا الآثار والأطلال الفرعونية، فجمال الدين الإدريسي (المتوفى في ١٢٥١) في كتابه <<أنوار علويّ الأجرام فى الكشف عن أسرار الأهرام>> يشكك في استطاعة البشر أن يقيموا هذه الآثار الشامخة، وبالرغم من استشهاده بكتاب الـ <<سياسة>> لأرسطو كي يدلل على أن “في سنة المصريين” إقامة مثل هذه الشوامخ، إلا أنه يميل إلى الاعتقاد بأن معجزات الأنبياء هي التي شيدت هذه الصروح والتماثيل العملاقة. ويضيف الإدريسي سببا آخر للاحتفاء بالآثار الفرعونية واحترامها عندما يفرد سجلا بأسماء العديد من الصحابة الذين قدموا إلى مصر مع جيش عمرو والذين لم يجدوا غضاضة فى أن يعيشوا ويموتوا ويدفنوا بجانب الإهرامات. ويختتم الإدريسي ذلك الجزء من كتابه الشيق بالقول: <<ما أسعد أرض الأهرام من أرض لم تشرفت به من تقبيل مواطئ أقدام أولئك الأنبياء الكرام، وحظيت به من مصافحة صفيحها لسنابك خيل هؤلاء المجاهدين من أصحاب سيد الأنام>>.

على أن ما يهمنا هنا ليس محاولة هذا الكاتب أو ذاك أن يواءم بين الصورة السلبية لبعض نواحى الحضارة الفرعونية كما يصورها القرآن، من جانب، وبين الانجذاب إلى آثار تلك الحضارة والانبهار بها، من جانب آخر، بل القصد هو الوقوف على كيفية إقبال المصريين العاديين على هذه الآثار وفهمهم لها اثناء الحقبة الإسلامية. ومرة أخرى تتيح لنا كتب الفضائل إمكانية الإجابة المبدئية على هذا السؤال. فابن الفرات يشرح كيف أن “جماعة من أهل مصر يعتقدون أن الشمس إذا كانت في الحمل [أي في فصل الربيع] وتوجه أحدهم إلى أبي الهول وبخّر أمامه بشكاعا وباورد [وهما نوعان من البخور غالي الثمن] ووقف أمامه وقال ثلاثا وستين مرة كلمات يحفظونها ويقول معها يا أبا الهول افعل كذا يزعمون أن ذلك يتفق وقوعه”، وهو الأمر الذى حدا بأحد المتصوفة من أتباع السهروردي، واسمه قطب الدين القسطلاني (متوفى في ١٢٨٧)، لأن يضرب التمثال باللالكه [أي بالنعل]. ومن المهم الإشارة هنا أن من قام بضرب التمثال في هذه الواقعة لم يكن عموم المصريين بل أحد الصوفيين الذي أثارته عادة كانت مستشرية في وقته، عادة لا تدل على كراهية التماثيل والنفور منها بل تدل على الإقبال عليها وتبجيلها.
فعن أي ناس يكرهون التماثيل ولا يحترمونها نتحدث؟

ويوضح لنا المقريزي موقف المصريين ممن يعتدي على آثارهم بالضرب أو التهشيم، ففي عام ١٣٧٨ قام متصوف متشدد يدعى صائم الدهر (الذي يدل اسمه على الغلو والشطط) بالاعتداء على تمثال أبي الهول وتهشيم وجهه وأذنيه وأنفه. ويعقب المقريزي على هذا الفعل بأن يشرح كيف أتت على الجيزة ريح رملية عاتية طمرت أرضها كلها بالرمال الأمر الذى رأوه الناس نتيجة للفعل البائس الذي قام به هذا الشيخ الصوفي. أما في كتاب <<سياحتنامة>> للرحالة التركي أوليا چلبي (المتوفى في ١٦٨٢) تتحور هذه القصة قليلا إذ تظهر لها نهاية دالة: فبعد أن أقدم الشيخ على تهشيم فم أبي الهول “هبت ريح عاتية بحكمة الله على مدينة الجيزة فحالت دون وصول البرسيم والغلال وسائر الأرزاق إلى القاهرة حيث غرقت في الرمال. فاستقدم الحاكمُ [الشيخَ] الصوفي … وقطعه إربا إربا وأمر بدفنه بجانب أبي الهول، ولا يزال زوار أبي الهول يرجمون قبر ذلك الصوفي المنحرف”.

وبعد استعراض تلك الشذرات من كتب التاريخ ومصادره المختلفة التى توضح مدى إقبال المصريين على التماثيل على مدار العصور لا أستطيع أن أوافق الأستاذة صافي ناظ على ما ذهبت إليه من أن “الناس في بلادنا ما إن يجدوا تمثالا على قرب منهم، وفي متناولهم حتى نراهم يندفعون لضربه ولطشه على وجهه وعلى قفاه وبشغف شديد، فالتمثال لا يعني لديهم التكريم بل الامتهان”. فالمصادر التاريخية المختلفة عن الفترتين الفرعونية والقبطية لا تقدم دليلا على هذا الزعم، أما الفترة الإسلامية فمصادرها توحي بأن المصريين كانوا يقبلون على الآثار الفرعوني، وأهمها تمثال أبي الهول، وأنهم كانوا يشمتون فيمن يعتدي عليها معددين المصائب التي تحل عليه من جراء عمله هذا. أما فى القترة الحديثة فالمصادر التاريخية لا تقيم الدليل على احترام المصريين لتماثيلهم فحسب، بل أنها تبرهن بشكل لا ريب فيه أنهم أقبلوا على حملات اكتتاب عام لإقامة تماثيل لزعمائهم في الميادين العامة.

فعن أي ناس يكرهون التماثيل ولا يحترمونها نتحدث؟

أما إذا انتقلنا من علم التاريخ إلى علم الجمال فسنجد الأستاذة صافي ناز تنادي بالاستخفاف بفن النحت على أساس أنه فن قاصر، لغته متخلفة لا تستطيع أن تقف على كنه الأشياء، إذ أن النحت في نظرها يقتصر على شكل الإنسان الخارجي في حين أن “حقيقة الإنسان والأشياء ليست هي ملامحها الخارجية”. والأستاذة صافي ناظ هنا تعبر عن “رأي ثقافي” أحترمه وأقدره ولكني أختلف معه اختلافا جذريا. فعظمة فن النحت، شأنه شأن أي فن آخر، لا تقتصر على محاكاة الطبيعة أو الاقتصار على الملامح الخارجية للأشياء أو الأشخاص، بل تتعدى ذلك لمحاولة الوصول إلى قلب الأشياء وسبر غورها. فالفن حسب قدماء الإغريق يسعى إلى تدريب النفس على اكتشاف الجمال الحقيقي ومن شأن التماثيل المجسمة التى برع الفنانون الإغريق في نحتها أن تدعو العقل إلى تدبر التناسق والهارمونية التي تحكم قوانين الكون أو كما قال أفلاطون: بما أن الروح منقسمة بين التفكر في المعاني وبين الإيحاء إلى الجسد (أي إعطائه حركة وشكل) فإن رسالة الفن (وخاصة فن النحت) هو تدريب الروح على التمييز بين ما هو ظاهر على التمثال وبين الحقيقة الكامنة فيه.

وبمعنى آخر فإن التأكيد على أن لغة فن النحت لغة متخلفة غير قادرة على الوصول إلى ما وراء أشكال الأشياء الخارجية هو قول لا يعطي فن النحت حقه وينم على رؤية قاصرة إلى طبيعة هذا الفن. فالتماثيل يمكن أن ينظر إليها لنحكم على مدى مقاربتها للواقع وحسب، ولكن علم الجمال الذي صاغه الفلاسفة الإغريق يدعونا إلى تأمل تلك التماثيل لكي نعي المعاني الرمزية التي تعبر عنها. وهناك العديد والعديد من التماثيل الإغريقية التي ينبع جمالها ليس فقط في محاكاتها للواقع ولكن فى رمزها لمعان جميلة تنبع من داخلها.

تمثال قائد العربة، ٤٧٨ ق.م. متحف دِلفي

ومن أجمل تلك التماثيل تمثال <<قائد العربة>> الموجود في متحف دلفي في اليونان. وكما هو معروف كان قدماء الإغريق يعتبرون دلفي مركز الكون وسّرة العالم، ومنذ القرن السادس قبل الميلاد كانت تعقد هناك ألعاب رياضية كل أربع سنوات، وكانت تلك الألهاب تعرف بالألعاب البايثية  على شرف الإله أبوللو أسوة بالألعاب الأولمبية التي كانت تعقد على شرف الإله زيوس؛ على أن الألعاب البايثية كانت تتضمن إضافة للألعاب الرياضية مسابقات في الشعر وفي الموسيقى، وبالتالي كان الفائز يتوج بالأكاليل ليس فقط لفوزه فى العدو وقيادة عربة الخيل بل أيضا لإلقائه الشعر ولبراعته في العزف الموسيقي. وبمعنى آخر كان الفائز يكافأ لقدرته ليس فقط على تدريب جسده وترويضه بل أيضا على تدريب عقله وتطويعه. ويكمن جمال تمثال <<قائد العربة>> في استطاعة الفنان أن يعبر عن الأحاسيس الداخلية لهذا البطل البايثي. فالتمثال يمكن أن ينظر إليه على أنه مثال عبقري لقدرة الفنان الإغريقي أن يحاكي الواقع، فباستطاعة المرء مثلا أن يرى العروق نابضة على يد التمثال الممسكة باللجام وتلك التي على قدميه، ولكن جمال التمثال الحقيقي يكمن في قدرته على الإيحاء بذلك الصفاء الروحي الذي يعبر عنه الوجه وتلك السيطرة المتنامية التي يعبر عنها الجسد الممشوق، ذلك الصفاء وتلك السيطرة التي يريد النحات أن يقول أنهما كانا السبب في فوز ذلك المتسابق وتتويجه بالأكليل.

وإذا انتقلنا إلى مصر وإلى فن النحت المعاصر سنجد أمثلة عديدة على تماثيل تكمن عظمتها ليس فى مدى مقاربتها للواقع بل فى قدرتها على التعبير عن معان وقيم عميقة، ومن أهم تلك التماثيل تمثالي سعد زغلول الذي شيدهما المثال مختار والسابق الإشارة إليهما. ومرة أخرى لا أجد خير من بدر الدين أبو غازي ليعبر عن عظمة هذين التمثالين. يقول بدر الدين أبو غازي في كتابه << المثال مختار>>: “في رأس التمثال أودع المثال معنى إرادة الإصرار وقوة الاعتداد بالذات وكبرياء هذا الشعب وقدرته على المقاومة”. وإذا كان الإمر كذلك فلا حاجة بنا أن نندهش عندما ألتفت جموع الشعب حول هذا المثال العبقري، إذ رأوا تماثيله تعبر عن معانسامية وقيم عميقة كان هذا الشعب يصبو إليها.

ولا أظن أن هناك من عبر عن رسالة فن النحت والتصوير خير من الإمام محمد عبده، ففي واحدة من أبلغ مقالاته بعنوان <<الصور والتماثيل، وفوائدها، وحكمها>> يتناول الأستاذ الإمام بشكل مباشر السؤال حول موقف الشريعة من هذا الفن، فيقول: “إن ما يغلب على ظني أن الشريعة أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم”. ويضيف قائلا: “إن الراسم قد رسم والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد مُحِي من الأذهان …، فإذا [قرأت] حديث: “إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون” … فالذي يغلب على ظني … أن الحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تتخذ من ذلك العهد لسببين، الأول: اللهو، والثاني: التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأول يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة، كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات، وقد صنع ذلك في حواشي المصاحف وأوائل الصور، ولم يمنعه أحد من العلماء…”

على أن أهم ما جاء في هذه المقالة البليغة ليس ذلك المنطق الواضح المبرهن على عدم تعارض التماثيل مع الشريعة بل تلك الحجة التي يقيمها الأستاذ الإمام لتوضيح فائدة الصور والتماثيل، وهي في نظره فائدة عقلية حسية لا علاقة لها بالدين وأحكامه، فيقول:
“إن الرسم ضرب من الشعر الذي يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى. أن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشؤون المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان أو الحيوان في حال الفرح والرضى، والطمأنينة والتسليم، وهذه المعاني المدرجة في هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها من بعض، ولكنك تنظر في رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهراً باهراً، يصورونه مثلا في حالة الجزع والفزع، والخوف والخشية، والجزع والفزع مختلفان في المعنى، ولم أجمعهما ههنا طمعا في جمع عينين في سطر واحد بل لأنهما مختلفان حقيقة، ولكنك ربما تعتصر ذهنك لتحديد الفرق بينهما وبين الخوف والخشية، … أما إذا نظرت إلى الرسم، وهو ذلك الشعر الساكت، فإنك تجد الحقيقة بارزة لك، تتمتع بها نفسك، كما يتلذذ بالنظر فيها حسك”. ثم يضيف قائلا وقد أضناه الشرح: “إن كنت فهمت من هذا شيئا فذلك بغيتي أم إذا لم تفهم فليس عندي وقت لتفهيمك بأطول من هذا”. وبمعنى آخر فإن محمد عبده يرى، كما رأى قبله الفلاسفة الإغريق، أن فن النحت والتصوير يخاطب النفس كما يخاطب الحس وإذا فهم فهما عميقاً فإنه لا يقيم تلك الفواصل التي تقيمها الأستاذة صافي ناظ بين “رؤية البصيرة والوجدان” وبين “رؤية العين”.

وإذا انتقلنا إلى ثالث الأفكار التي توردها الأستاذة صافي ناظ في صدد التعليق على فتوى الدكتور علي جمعة أي الفكرة التي تذهب إلى أنه لا يوجد شيء اسمه “الفن” بألف لام التعريف يسمو على الخلاف ويجب الدفاع عنه أيا كان شكله أومضمونه، فأقول أن ذلك يصح إذا كنا نتحدث عن الفن باعتباره نوعا من اللهو أو ضربا من العبث، أما إذا اعتبرناه ذا فائدة محققة لا نزاع فيها (كما اعتبر محمد عبده فن النحت والتصوير) فيجب الإقرار بأن هناك شيء اسمه “الفن” بألف لام التعريف، إذ كيف لنا وقد أدركنا أن الفن وسيلة أساسية من وسائل التعبير وطريقة هامة لتوصيل الأفكار و أسلوبا بليغا لحث الحواس على التدبر والتفكر، كيف لنا وقد أدركنا ما للفن من فائدة لا نزاع فيها ألا نعتبره شيئا يجب الدفاع عنه والاستماته في ذلك ما استطعنا؟

وأخيراً تقول الأستاذة صافي ناظ إنه بما أنه لا يوجد شيء اسمه الفن بل توجد فنون مختلفة، وبما أنه يجب علينا أن نقبل فقط ذلك الفن الذي يتفق مع ثقافتنا ويتسق مع تراثنا فإنها ترى أن ذلك ينطبق فقط على ما تسميه “الفن الإسلامي” الذي تؤكد أن سمته الأساسية هي التجريد. ولدي سببان للاختلاف مع هذا الرأي، أولهما (ومحاكاة للأستاذة صافي ناظ) أنني لا أعتقد بأن هناك شيء اسمه “الفن الإسلامي” بل توجد فنون إسلامية عديدة، فعمارة المسجد فى سمرقند مثلا تختلف اختلافا ظاهرا عن مثيلتها في الأندلس، كما أن عمارة المساجد في البلد الواحد تتطور من زمن لآخر، فالجوامع في مصر مثلا في عصر الفاطميين تتميز بشكل ملحوظ عن مثيلاتها فى العصر العثماني، وبمعنى آخر فإن الفنون الإسلامية تتنوع بتنوع المكان والزمان، أما أسباب تنوعها فهو انصهارها مع بيئاتها المختلفة بالإضافة إلى تأثرها بتيارات ومؤثرات من فنون أجنبية أخرى. فالحضارة الإسلامية من فكر وفقه وعلم وفن، شأنها ككل الحضارات الإنسانية الكبيرة، تزدهر وتترعرع بقدر استطاعتها أن تقتبس من غيرها من الحضارات، وأن تعيد صهر ما اقتبسته في شكل جديد حاذفة منه بعض من أصوله ومضيفة إليه شيئا كثيرا أو صغيرا. أما السبب الثاني الذي يدعوني للاختلاف مع ما تقوله الأستاذة صافي ناظ هو اعتراضي على قولها إن السمة الأساسية للفن الإسلامي هي التجريد. فهي بذلك تخلط بين ما يمكن أن يعتبر فنا دينيا يقترن ببعض شعائر الدين من قبيل زخرفة المصاحف أو عمارة الجوامع وتزيينها من جانب وبين فنون الشعوب الإسلامية من جانب آخر. فالشعوب الإسلامية من الأندلس إلى الهند عرفت فنونا عديدة غير تجريدية وأبدعت فيها أيما إبداع، ومتاحف الفن المنتشرة في كل بقاع العالم تزخر بالعديد من المصنوعات والمنتجات من منسوجات وأوان ومبخريات وشمعدانات وسجاجيد ومنمنمات ومنقوشات إما زينت بأشكال آدمية أو حيوانية أو نباتية أو اتخذت من تلك الصور أشكالها. أما الحكم على هذا النماذج العديدة بأنها “تأثرت بتراث عقائد مخالفة فانحرفت عن خصائص الفن الإسلامي” فذلك شطط خطير من شأنه أن يرمي بآلاف إن لم يكن ملايين القطع التي تكتظ بها أقسام الفن الإسلامي في المتاحف العالمية خارج تلك الأقسام.

لقد عرفت البلاد والشعوب الإسلامية على مدار تاريخها الطويل عصورا ارتفعت فيها الأصوات منادية بتحطيم التماثيل معتبرة تلك التماثيل أصناما يتقرب لها الناس ويتبركون بها. ومن الملاحظ أن هذه الأصوات تعلو في الفترات الحالكة من تاريخ الشعوب عندما تنكمش التجارة وينهار الإقتصاد وتضمحل الثقافة. ففي مصر نلاحظ ظهور من ينادي بتحطيم التماثيل بين منتصف القرن الرابع عشر وآخره وهي فترة شهدت الكثير من الكوارث الطبيعية من مجاعات وفيضانات وطواعين. وفي أوائل الثمانينات من القرن التاسع عشر تلقى الشيخ محمد الانبابي شيخ الجامع الأزهر خطابا من وكيل الجهادية يسأله فيه عن النظر في “مسألة هدم وحرق الصنم الموضوع بالأزبكية … مع كسر رؤوس الصور الموجودة في فتحتي كبري قصر النيل أيضا… بما أن دين الإسلام يحرم علينا وضع الأصنام التى كسرتها الصحابة عند دخولهم مكة المشرفة”. وقد يظن البعض أن ذلك كان نتيجة صحوة إسلامية تيقظت الأمة بها فجأة على أهمية القيام بواجبات الدين، على أنه يجب التذكير بأن تلك كانت فترة عصيبة عصفت فيها أحداث الثورة العرابية بالبلاد، ولم تكن مصادفة أن يكون “الصنم” المتنازع عليه تمثال إبراهيم باشا جد الخديوي توفيق الذي ثار عليه عرابي والجيش ومن ورائهما الشعب كله. وبمعنى آخر فإن الأصوات المطالبة بالتخلي عن التماثيل بحكم أنها ضد الشريعة والدعوة إلى تكسيرها وتحطيمها أصوات تعلو وقت الأزمات الاجتماعية العنيفة حين تنعدم الثقة بالذات وينظر فجأة إلى بعض ما استقر عليه الناس من عادات وتقاليد وفنون على أنها بدع انحرفت عن خصائص الإسلام. وما أظن فتوى الدكتور علي جمعة الأخيرة والأصوات العديدة التي ساندتها إلا علامة من علامات المحنة العميقة التي يمر بها المجتمع المصري في الوقت الحالي.

Blog Stats

  • 615٬419 hits

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: