Press "Enter" to skip to content

الاحتفال باللاشئ

يبدو أن هيئة البحوث العسكرية التابعة للقوات المسلحة مصممة على الاحتفال بشئ لم يحدث من الأساس.

فهذه هي السنة الرابعة على التوالي التي تقيم فيه الهيئة احتفالا بما تقول إنه “المشاركة المصرية فى الحرب العالمية الأولى وما قدمه الجيش المصرى من بطولات وتضحيات وأعمال جليلة، ساهمت فى الانتصار للقيم والمبادئ السامية للحضارة الإنسانية.”

ففي احتفال أقيم اليوم، الأربعاء، قال اللواء أركان حرب “شريف فهمي بشارة” رئيس هيئة البحوث العسكرية، “إن الجيش المصري يستمد قيمه وتقاليده من حضارته الراسخة، التي تضرب بجذورها في أعمال التاريخ، واستعرض الدور الذي تقوم به هيئة البحوث العسكرية لتوثيق تاريخ العسكرية المصرية، الحافل بالإنجازات، التي من بينها المشاركة المصرية في الحرب العالمية الأولى، وما قدمته من بطولات وتضحيات أشادت بها جميع الدول.”

وأوضح “بشارة” خلال كلمته في احتفالية مرور 102 عام على مشاركة الجيش في الحرب العالمية الأولى أن الجيش المصري هو أقدم جيش عرفه التاريخ منذ أيام الفراعنة، وقد دافع عن الجزيرة العربية، ورد هجوم الصليبيين والتتار، وشارك مع الحلفاء في 5 أغسطس 1914، لنصرة الإنسانية، وقد شارك في هذه الحرب داخل 3 قارات، آسيا وأفريقيا وأوروبا، وكان ترتيبه الثامن من حيث عدد القوات المشاركة.

وأشار إلى أن الجيش المصري “قدّم آلاف الشهداء في الحرب العالمية الأولى، ودفن من سقطوا من هؤلاء الشهداء في بلاد مختلفة بمقابر الكومنولث.

وأكد أن المشاركة المصرية، مع قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى في 3 قارات، بصد هجوم العثمانيين من الشرق، وحارب في الشام والعراق والجزيرة العربية، دفاعا عنهم في آسيا، وصد هجوم السنوسي، من الغرب وهجوم سلطنة دارفور من الجنوب، في إفريقيا.
كما شاركت مصر على الجبهة الأوروبية بمائة ألف مقاتل من سلاح العمال “المهندسين حاليا” “والهجانة” حرس الحدود حاليا حيث قاتلوا في دول أوروبية عديدة منها، “بلجيكا وفرنسا وإيطاليا واليونان”، واستشهد الكثير منهم ودفنوا بمقابر الكومنولث بأوروبا وكانوا سببا رئيسيا في انتصار الحلفاء، ومنح العديد منهم وسام فيكتوريا، الذي يعد أرفع الأوسمة العسكرية، التي تمنح للقادة، الذين أثروا في تاريخ البشرية.”

إلى هنا انتهت كلمات اللواء شريف فهمي بشارة، رئيس هيئة البحوث العسكرية، حسب ما ورد في مقال كتبه حاتم الجهمي في جريدة الشروق اليوم.

وفي الحقيقة أنا مندهش حقا من الكم الهائل من المغالطات الفادحة والأباطيل التاريخية الواردة في هذا الحديث، فالكلام عن وجود جيش نظامي مصري سنة ١٩١٤، وعن مشاركة هذا الجيش بمائة ألف مقاتل من سلاح العمال، وعن استشهاد الكثير من هؤلاء المقاتلين ودفنهم بمقابر الحلفاء، وعن منح بعضهم وسام فيكتوريا — كل هذا الكلام عار تماما عن الصحة، وهو محض إدعاء وافتراء.

وقبل الدخول في تفاصيل الموضوع ودحض هذه الادعاءات، يجب التوقف عند بعض النقاط.

أولًا : الخبر الوارد اليوم (ليس فقط في موقع الشروق بل في مواقع جرائد أخرى أيضا) هو نسخة مكررة من الخبر المنشور العام الماضي، وقبل الماضي، وقبل قبل الماضي. فمن اللافت للنظر أن الاحتفال بهذه المناسبة المشكوك في صحتها أصلا بدأ عام ٢٠١٣ ، ولم تشهد مصر له مثيلا قبل ذلك، بمعنى أنه وعلى مدار ٩٩ عاما لم نسمع أبدا عن احتفال كهذا أو عن المشاركة المصرية المزعومة في الحرب العالمية الأولى. ولكن فجأة ومنذ عام ٢١٠٣ ابتدعت هيئة البحوث العسكرية تقليدا جديدا في ١٤ نوفمبر تحتفل فيه بهذه المناسبة المريبة. ومن الغريب أيضا أن تُلقى نفس الخطب وتُتلي نفس الكلمات بحذافيرها سنة تلو الأخرى.

وهنا نتساءل: لو صح حقا أن الجيش المصري قدم هذه التضحيات للإنسانية، فلماذا تذكّرنا هذه التضحيات فجأة عام ٢٠١٣، وليس قبلها؟ ما الذي طرأ على ذاكرتنا الجمعية فجأة عام ٢٠١٣ لنسترجع شيئا حدث قبلها بـ٩٩ سنة؟

أما التساؤل الثاني فهو: ما سر تلاوة نفس النص بحذافيره على مدار أربع سنوات متتالية؟

ثانيًا : يرد اسم د. أشرف صبري كثيرا في هذا الأخبار المتواترة، ويرد الوصف الآتي بجانب اسمه: “الباحث في تاريخ مصر العسكري”. والحقيقة أنني لم أقرأ لهذا الباحث أية أبحاث في تاريخ مصر العسكري، لا بالعربية أو بأي لغة أخرى من لغات العالم الحية أو الميتة. وقد تتبعت قصة هذا “الباحث” فوجدته باحثا جادا ومجتهدا، ولكن ليس في تاريخ مصر العسكري، بل عن الآثار الغارقة في سواحل مصر في الإسكندرية وشرم الشيخ والغردقة. د. أشرف صبري ليس دكتورا في التاريخ، العسكري أو المدني، بل خبير طب الأعماق ورئيس جمعية الغوص بالإسكندرية والساحل الشمالى، حسب الحديث الذي شارك به لموقع “البوابة” عام ٢٠١٤:

د. أشرف صبري له اكتشافات في أعماق المياة الإقليمية المصرية، وهو يدافع بشراسة عن سياحة الغوص في مصر، ويطالب بحق شركات السياحة في الحصول على تراخيص بالغوص في السواحل المصرية. لكن هذه الخبرة لا تؤهله للحديث عن تاريخ الجيش المصري في الحرب العالمية الأولي، أو في أي حرب أخرى، عالمية كانت أو محلية.

أنا أربأ بالقوات المسلحة المصرية، وبهيئة البحوث العسكرية بها، أن تلجأ لغير المتخصصين ولغير المؤهلين لتستقي منهم أخبارا ومعلومات عن تاريخنا الوطني.

ثالثًا : في كل عام يتم الإعلان عن معرض “للصور والوثائق السرية التي رفع الحظر عنها من الأرشيف الوطني البريطاني والفرنسي وكبرى الجامعات الأوروبية، التي توثق الحرب العالمية الأولى ومشاركة الجيش المصري فيها.”

هذه فعلا ثالثة الأثافي، فإذا صح حقا أن الجيش المصري قد شارك بهذا العدد الهائل من الجنود، وأن كثيرا منهم استشهد ودُفن في مقابر الحافاء، بل أن بعضهم حصل على وسام فيكتوريا، فلماذا لا تفرج القوات المسلحة عن وثائقها التي يرد بها هذا السجل الناصع؟ لماذا تتباهى هيئة البحوث العسكرية بما تحتوية دور الوثائق الأجنبية بمعلومات عن جيشنا، بينما لا تجتهد هذه الهيئة نفسها لتتيح لنا وثائقنا المحفوظة في دار الوثائق القومية أو في دار الوثائق المركزية بوزارة الدفاع لكي نتفاخر، كمصريين، بتاريخنا الحربي اعتمادا على وثائقنا نحن وليس اعتمادا على وثائق الإمبراطورية البريطانية التي كانت تحتلنا وتجثم على صدورنا لمدة سبعين سنة؟ أليس غريبا أن تتشدق أهم مؤسسة وطنية في بلادنا ليس بما في حوزتها من وثائق بل بما تحتويه دور وثائق العدو عن تاريخنا وعن تاريخ هذه المؤسسة الوطنية نفسها؟

وفي هذا الصدد أحب أن ألفت النظر إلى أنني أشرف على طالب دكتوراه كان غرضه كتابة تاريخ العمال المصريين الذين جُلبوا بالسخرة للعمل في فيالق العمال (كما أوضح لاحقا)، وأن هذا الطالب قد تقدم للحصول على تصريح بالاطلاع على الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع والمحفوظة في دار الوثائق القومية، ولكن طلبه قوبل بالرفض، ليس مرة واحدة بل أربع مرات.

وهنا أتساءل: إذا كانت هيئة البحوث العسكرية فضلت أن تعتمد على خبير في طب الأعماق لكتابة تاريخ المشاركة المصرية في الحرب العالمية الأولي اعتمادا على وثائق أجنبية، لماذا تمنع دار الوثائق المصرية الباحثين الجادين من الوصول للوثائق المصرية المحفوظة لديها حتى يتسنى لهم كتابة تاريخنا بشكل موثق وعلمي؟

رابعًا وبخصوص الموضوع محل المناقشة، لقد سبق وأن فندتُ هذه الأقوايل في مثل هذه الأيام العام الماضي، وكتبت تعليقا على صفحتي في فيسبوك عن هذا الموضوع الخطير، وهذا رابط لتسجيل صوتي للتعليق:

بل أني واجهت د. أشرف صبري نفسه في مقابلة تليفزيونية ووجهت له اتهاما مباشرا بأن ما يدعيه يعتبر تدليسا وليس حقائق علمية، وهذا تسجيل لتلك المواجهةة كما أذاعها برنامة “بتوقيت مصر” المذاع على قناة تليفزيون العربي بتاريخ ١٦ نوفمبر ٢٠١٥:

وعوضا عن تكرار ما قلته في هذه المواجهة، سألخص هنا أسبابي المبدئية لاعتراضي على كل هذا الافتراءات:

١. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤ لم تكن مصر دولة مستقلة بل كانت محتلة من قِبل بريطانيا العظمي. وفي ١٨ ديسمبر ١٩١٤ أعلنت بريطانيا الحماية على مصر . وقبل قرار فرض الحماية وتمهيدا له أعلنت سلطات الاحتلال أن ” بريطانيا العظمى أخذت على عاتقها جميع أعباء هذه الحرب بدون أن تطلب من الشعب المصري أية مساعدة.” كما يجب التذكير بأن مصر كانت محتلة بالفعل عسكريا منذ عام ١٨٨٢ وأنه منذ هذا الوقت سُرح الجيش النظامي المصري، جيش عرابي، واضطلعت بريطانيا بمهمة الدفاع عن مصر.

وبالتالي فالقول بأن مصر كانت لها قوات مسلحة وطنية خاضعة لإرادتها قول خاطئ جملة وتفصيلا، بل هو يتغافل عن حقيقة وطنية راسخة كان للجيش المصري نفسه دورا مهما في التصدي لها، وهو أن بريطانيا احتلتنا عسكريا، وأوقعت بجيشنا الوطني خسارة فادحة في معركة التل الكبير عام ١٨٨٢، وجثمت على صدورنا لمدة ٧٤ سنة حتى تم توقيع اتفاقية الجلاء في ١٩٥٤. فعن أي “جيش مصري” يتحدث المتحدث باسم هيئة البحوث العسكرية؟

٢. كان في مصر طبعا جيش وقتها، ولكن هذا الجيش كان جيش احتلال، يرأسه قادة بريطانيون ومن أهمهم جنرال ج ماكسويل، قائد الجيوش البريطانية في مص عام ١٩١٤، وآرتشيبولد مَري قائد الحامية المصرية The Egyptian Expeditionary Force ، من يناير ١٩١٦ ليونيو ١٩١٧، الذي خلفه في نفس المنصب إدموند ألنبي وهو الذي قاد هذه الحامية في حملة فلسطين، وهي الحملة المشئومة التي مهدت بعد ذلك لتنفيذ وعد بلفور وإعطاء فلسطين للصهاينة. هذه الحامية تسمى “مصرية” صحيح، ولكن هذا النعت عائد فقط لمكان انطلاقها، وليس لجنسية قادتها أو ضباطها، وبالطبع ليس للغرض التي كانت تحارب من أجله. وبمعنى آخر فإن “الحامية المصرية” لم تكن مصرية بمفهومنا الآن.

ومرة أخرى أنا أربأ بقواتنا المسلحة أن تتباهي بالاشتراك في معركة كان من نتائجها تنفيذ وعد بلفور. كما أربأ بها أن تبني صلة وهمية بجيش احتلال جاهدت نفس هذه القوات، قواتنا المسلحة، في إجباره على الانسحاب من وطننا عام ١٩٥٤.

وبعبارة أخرى: يجب على هيئة البحوث العسكرية أن تحسم أمرها: هل قواتنا المسلحة امتداد للجيش الذي قام بحركته عام ١٩٥٢ وأجبر المحتل على الجلاء عام ١٩٥٤؟ أم أن قواتنا المسلحة امتداد لجيش الاحتلال الذي غزا فلسطين من الأراضي المصرية عام ١٩١٧ ثم أقام عليها الانتداب الذي أدي لقيلم دولة إسرائيل وطرد الفلسطينيين من وطنهم؟

٣. هناك بالفعل آلاف من الفلاحين والعمال المصريين الذين شاركوا في المجهود الحربي أثناء سنوات الحرب العالمية الأولى. هؤلاء الرجال لم يكونوا جنودا جُندوا في جيش نظامي، بل كانوا عمال سخرة جُلبوا للعمل في فيالق عمال في نظير إعفائهم من الجندية. هؤلاء العمال قاموا بأعمال مهمة في ميادين قتال عديدة، وكان أهم ما قوموا به هو مد خطوط حديد في شمال سيناء (لدحر القوات العثمانية)، في والسودان (للقضاء على حركة السلطان علي دينار في دارفور)، وفي نقل العِدد والمهمات على ظهر عشرات الآلاف من الجمال. كما اشتركت بعض كتائب العمال في تعزيز شبكة المواصلات في معارك الدردنيل. ونشرت الأهرام في ١٢ ابريل ١٩١٧ خبرا مفاده أن فرقة عمال مصرية وصلت لفرنسا وأن أعضاء هذه الفرقة كانوا رجالا “ممتلئين صحة وقوة ونشاطا.” وكانت هناك فرقة عمال أخرى اشتركت في مسرح العمليات في العراق.

ولكن هؤلاء العمال كانوا عمالا، لا جنودا. ومرة أخرى أنا أربأ بقواتنا المسلحة أن تنسب لنفسها شرفا أو تحتكر لنفسها تضحيات لم يقم بها رجالها، لسبب بسيط، مرة أخرى، وهو أن الجيش الوطني المصري لم يكن له وجود في الحرب العالمية الأولى وأن من ضحى ودفع الثمن هو المجتمع المدني المصري.

٤. وأخيرا أنا لا أعرف من أين استقى المتحدثون، عاما بعد عام، معلوماتهم أن مقابر الكومونولث مليئة برفات جنودنا، أو أن بعضا من هؤلاء الجنود حصل على وسام فيكتوريا. فمصر لم تكن قط دولة من دول الكومونولث، ولا أعرف شاهد قبر واحدا لجندي مصري مدفونا في أي منها. وأتحدى أن يأتي أحد بذكر اسم ولو جندي مصري واحد حصل على وسام فيكتوريا. فهذا الوسام من أرفع الأوسمة العسكرية البريطانية ويعطيه العاهل البريطاني بنفسه في احتفال مهيب في قصر باكنجهام ليس “للقادة الذين أثروا في تاريخ البشرية” كما زعم الخبر، بل كان مقصورا على الجنود والضباط البريطانيين الذين “يظهرون شجاعة فائقة في مواجهة العدو”.

ومرة أخرى أنا أربأ بالقوات المسلحة المصرية أن تتباهى بأن أحدا من أبنائها حصل على وسام صُك أصلا للتفاخر بالإمبرطورية البريطانية وبمستعمراتها وبسيطرتها على مقدرات شعوب العالم. فبغض النظر عن عدم صدق هذه المعلومة، يجب علينا أن نتساءل: أي تاريخ عسكري تود هيئة البحوث العسكرية أن تسطره لقواتنا المسلحة اعتمادا على شهادة خبير طب أعماق؟

Be First to Comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: