الإعلانات
Press "Enter" to skip to content

زيارة سامح شكري لإسرائيل: قراءة تاريخية

نُشر في “فيسبوك” في ١٣ يوليو ٢٠١٦

اليوم نشرت صفحة “الموقف المصري” مقطع فيديو يعود لسنة ٢٠٠٠ يظهر فيه عمرو موسى، وزير الخارجية آنذاك، يدخل في نقاش حاد مع شلومو بن-عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك أيضا، في برنامج تشارلي روز الشهير في برنامجه التليفزيوني الشهير المذاع على قناة PBS الأمريكية. وفي هذا المقطع يظهر وزير الخارجية المصري متحدثا بأسلوب رصين وحاد وقوي في دفاعه عن الموقف القانوني لمدينة القدس التي يعتبرها كل المجتمع الدولي مدينة محتلة، ويفند إدعاءات وافتراءات وزير الخارجية الإسرائيلي بأنها عاصمة “الشعب اليهودي”.
وتعلق الصفحة بالقول: “في العصر ده كانت الخارجية المصرية – أيا كان رأي أي حد بالسياسات نفسها – بتقدم مستوى محترم من الممارسة والمناورة الدبلوماسية والسياسية مختلف تماماً عن عصر “السلام الدافيء” الحالي اللي فيه بتتبرع مصر بتقديم مكاسب سياسية لإسرائيل مجاناً بدون ما تقدم إسرائيل للجانب المصري أو العربي أي مقابل سياسي!…. إيه هوا مبرر الأداء الدبلوماسي ده؟”

ولأول مرة أجدني اختلف مع “الموقف المصري” في تحليلهم.

سبب اختلافي ليس نابعا من عدم إدراكي لأن هناك فرقا واضحا بين أداء عمرو موسى وسامح شكري وشخصيتيهما. ولكن إذا كنا نتكلم عن السياسات وليس الأفراد فالحقيقة أن الفرق بين أداء وزارة الخارجية إزاء القضية الفلسطينية برمتها سنة ٢٠٠٠ وبين أداء نفس الوزارة إزاء نفس القضية سنة ٢٠١٦ فرق بسيط، والاختلاف بين الموقفين اختلاف كمي وليس نوعيا.

فبغض النظر عن آرائنا عن عمرو موسى وأداء وزارة الخارجية في عهده يجب أن نتذكر أن السياسة الخارجية المصرية لا يرسمها وزير الخارجية أيا كانت شخصيته وشعبيته، بل يرسمها رئيس الجمهورية. وإذا تتبعنا تاريخ القرارات المصيرية الحاسمة المتعلقة بالسياسة الخارجية المصرية من أول قرار قطع العلاقات مع الولايات المتحدة عام ١٩٦٧، لقرار طرد الخبراء السوفييت عام ١٩٧٢، لقرار إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة عام ١٩٧٣، لزيارة القدس عام ١٩٧٧ ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨ ثم اتفاقية السلام مع إسرائيل عام ١٩٧٩، والكثير من القرارات الحاسمة الأخرى اللاحقة لاتضح لنا كيف أن وزارة الخارجية لم ترسم أيا من هذه التحولات الخطيرة أو تخطط لها، وفي أحيان كثيرة لم تستشر أصل فيها.

الأمر الثاني الملفت للنظر في تاريخ سياساتنا الخارجية وخاصة مع إسرائيل/الفلسطينيين، والسودان، وأثيوبيا، وليبيا ليس فقط أن الرئيس هو من يرسم تلك السياسات، بل أنه يرسمها بناء على نصائح وتوجهات المخابرات العامة وليس بناء على نصائح وتوجهات وزارة الخارجية. وإن %d8%b9%d9%85%d8%b1-%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86كان ذلك الاتجاه له أصول تعود للثمانينات، إلا أنه اكتسب صورة خالصة أثناء تربع عمر سليمان على قمته، ففي سنوات رئاسته لجهاز المخابرات العامة استطاع عمر سليمان أن ينتزع من وزارة الخارجية، أقدم الوزارات المصرية وأكثرها حرفية، ملف فلسطين برمته، أقدم وأضخم ملف من ملفات الوزارة. وأصبحت السياسة الخارجية المصرية المتعلقة بفلسطين تدور في فلك الأمن، فلا حديث عن القانون الدولي أو الحقوق أو التاريخ أو المواثيق الدولية، وهو الخطاب التقليدي لوزارة الخارجية. بل بات الخطاب يدور حول “مواعيد فتح معبر رفح”، والتنسيق الأمني مع “الجانب الإسرائيلي”، والضغط على الفصائل الفلسطينية لقبول ما تعرضه عليهم إسرائيل، وتبادل المعلومات الاستخبراتية مع السلطة الفلسطينية والأردن وإسرائيل، إلخ. ولا توجد رؤى مستقبلية على المدى الطويل أو المتوسط، وغابت تماما مفردات مثل “الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني”، “السياسات العنصرية التي تنتهجها إسرائيل”، “الاستيطان كعمل غير مشروع حسب القانون الدولي”، أو أن “إسرائيل دولة محتلة، وأن الأراضي التي سيطرت عليها عام ١٩٦٧ أراض محتلة حسب القانون الدولي وكاعتراف المجتمع الدولي بأسره”. وعوضا عن ذلك أصبح من الشائع في الخطاب الرسمي المصري أن نسمع كلاما عن “الشعوب المحبة للسلام”، “الإرهاب كأهم عقبة لهذا السلام الذي تنشده كل شعوب المنطقة”، إلخ

بمعنى آخر فإن الأسرلة سمة أساسية من سمات السياسة الخارجية المصرية، لم تبدأ بسامح شكري، بل لها قواعد هيكلية وجذور تاريخية عميقة.

وفي مقال له نشره اليوم في موقع “المنصة” ذكّرنا محمد نعيم بأنه بينما يمتد تاريخ الصراع مع إسرائيل لسبعين سنة، فإن تاريخ معاهدة السلام معها يمتد لأربعين من السنوات السبعين تلك، “أي أن في حساب سنين الصراع العربى الإسرائيلي مصر هي صديقة لإسرائيل أكثر مما هي في خصومة معها.”

على أني أضيف لما قاله محمد نعيم أن لحظة التحول الحقيقي لم تكن اتفاقية السلام، أو زيارة القدس أو كامب ديفيد، بل اتفاق فك الاشتباك الذي أبرمه السادات مع كسنجر، وزير الخارجية الأمريكي، والذي أجبر المشير الجمسي، كرئيس هيئة العمليات ثم رئيس أركان حرب القوات المسلحة، أن يوقعه مع الإسرائيليين فيما عرف بمفاوضات الكيلو ١٠١ (اكتوبر ١٩٧٣ – يناير ١٩٧٤). ففي الوقت الذي كانت لنا فيه قوات تقدر بمائة ألف جندي و٣٠٠ دبابة شرق القناة ، اتفق السادات مع كيسنجر على تخفيض حجم القوات لسبعة آلاف جندي و٣٠ دبابة. ولم يكلف السادات نفسه عناء تبليغ الجمسي بهذا الاتفاق بل ترك كسنجر ليبلغه بذلك القرار المصيري الذي ما زلنا نعيش تبعاته لليوم.

ولنقرأ مذكرات الجمسي التي يشرح فيها تلك اللحظات القاسية:

gamsy-1
المشير محمد عبد الغني الجمسي

“وأتذكر أني أبديت رفضي لتخفيض حجم القوات كما هو مقترح، وقلت للدكتور كسنجر بحدة “إنك تعطي لإسرائيل كل ما يضمن تأمين قواتها، وتحرمنا نحن من كل ما يضمن تأمين قواتنا.. إتي لا أوافقك على ذلك، ولا يمكنني كرئيس أركان حرب القوات المسلحة إيجاد مبرر له أمام القوات المسلحة.” … وتركت غرفة الاجتماعات بانفعال بعد أن اغرورقت عيناي بالدموع، واتجهت إلي الحمام…. كنت أقدر الجهد والتضحيات التي تحملتها القوات المصرية في الحرب، وليس هناك ما يدعو لتقديم هذا التنازل الكبير الذي قد يترتب عليه تهديد أمن القوات المسلحة… ولم يكن هناك ما يدعو –سياسيا أو عسكريا – إلى قبولنا لهذا التخفيض للقوات والتسليح.” (مذكرات الجمسي، ص ٤٨١-٤٨٢)

ذلك مشهد يصعب على أبرع كاتب درامي أن يأتي بمثله. قائد عسكري منتصر يبكي بالدموع وينهار في الحمام لأن رئيسه السياسي أجبره على التنازل عن انتصاره في مقابل “الاستراتيجية السياسية الجاري وضعها مع أمريكا”، حسب كلام السادات نقلا عن الجمسي (مذكرات الجمسي، ص ٤٨٣).

ما يعبر عنه هذا المشهد هو صراع عنيف ليس فقط بين شخصيات قيادية بل بين أجهزة محورية في الدولة المصرية الحديثة. فالصراع بين السادات والجمسي، مثل الصراع بين السادات وكل من الفريق أول محمد فوزي ثم الفريق أول محمد صادق ثم الفزيق أول سعد الدين الشاذلي، ومثل الصراع الأشهر بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، هو صراع بين الرئاسة والقوات المسلحة. هذا الصراع هو ما شكل السياسة الخارجية المصرية في واحدة من أهم حلقاتها، أي علاقتنا بإسرائيل. هذه العلاقة الآن يشكلها صراع آخر، هذه المرة بين جهاز المخابرات العامة ووزارة الخارجية، وكما انتصرت الرئاسة على الجيش سابقا فهى الآن، متعاونة مع المخابرات العامة، تنتصر على وزارة الخارجية.

هذا هو الدرس الذي استخلصه من زيارة وزير الخارجية لإسرائيل، فهذه الزيارة ليست دليلا على تحول من سلام بارد إلى سلام دافئ، بقدر ما هي دليل على انتصار ساحق أحرزه جهاز المخابرات العامة على وزارة الخارجية في رسم السياسة الخارجية المصرية.
ويبقى في النهاية الغياب التام لأي رقابة شعبية على صراع الأجهزة هذا، ذلك الصراع الذي يعد سمة أساسية من سمات دولة يوليو والذي ندفع ثمنه غاليا كل يوم.

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: