الإعلانات
Press "Enter" to skip to content

خمسة مشاهد

نُشر فى “الشروق” في ٥ ابريل ٢٠١٣
25012011157
ميدان التحرير، مساء ٢٥ يناير ٢٠١١، من تصويري

المشهد الأول: الثلاثاء 25 يناير 2011، الساعة السابعة مساء، المكان: ميدان التحرير. كنت قد توجهت للميدان قبلها بساعتين تقريبا لأطمئن على أختى التى كانت قد سبقتنى للميدان والتى حاولت قوات الأمن القبض على ابنها الذى كان يصاحبها. بعد أن عادا لمنزلهما وبعد أن كذبتُ عليهما، قائلا: لا داعى للقلق، فسأعود أنا أيضا للبيت، توجهتُ لحشد ضخم عند ناصية محمد محمود قدرته بثلاثة أو أربعة آلاف شخص. كانوا يهتفون، ولكنى لم أستطع التعرف إلا على أول كلمتين: «الشعب يريد». حتى قبل أن أتبين بقية الهتاف (اعترف أننى لم أكن قد تابعت أخبار تونس عن قرب) كنت أدرك بالفعل أن الهتاف يعكس الحدث الجلل، فحجم المظاهرة هذه المرة يستدعى التحول للفصحى. وأية فصحى!! فالشعب لا يطلب أو يستجدى، بل يريد. وعندما تبين لى ما الذى يريده سرت قشعريرة قوية فى جسمى كله، ثم تسارعت فى ذهنى كلمات الشابى التى حفظناها فى المدرسة والتى كنت أسترجعها وكأنى أسمعها لأول مرة. عندها أدركت أن الشعر بمقدوره أن يحرك الملايين، وأنه لن يطول انتظارنا حتى يستجيب القدر.

•••

rolwwufe
عصام عطا

المشهد الثانى: الجمعة 28 أكتوبر 2011، الساعة العاشرة صباحا. المكان: مشرحة زينهم. أول شىء رأيته كان شابا فى العشرينات من العمر. كان يتكلم بحدة فى التليفون، ويقول «حيتشرّح يعنى حيتشرّح ومش حندفنه إلا بعد ما يتشرّح». كنت أنا ونادية كامل وكريمة خليل قد حضرنا للوقوف بجانب أسرة عصام عطا الذى قبضت عليه الشرطة العسكرية والذى ظلمته المحكمة العسكرية بعامين سجن والذى عذبه ضباط الداخلية فى سجن طرة حتى الموت. الأب شارد لا يستطيع الكلام. الأم مكلومة منهارة. الأخ يتحدث مع الخال على التليفون متمسكا بحقه فى معرفة حقيقة ما حل بعصام. أما الأخت فأخذت تندب ندبا أدمى قلوبنا وأبكانا حرقة وولعا. كانت قد توقفت عن البكاء ولكن كلماتها كانت أحزن ما سمعته أذنى. كنت قد قرأت عن هذا الندب فى الكتب، ولكنى لم أكن قد سمعته من قبل. إنه نحيب أقرب للشعر منه للزجل، نحيب يشمل الدنيا كلها لولعها ومصابها وحرقتها على أخيها الذى لن تراه أبدا.

•••

156126_10150814178491360_1410465049_n

المشهد الثالث: الاثنين 21 مايو 2012، الساعة الرابعة عصرا. المكان: نفس الناصية فى التحرير. هذه المرة عبرت الثورة عن نفسها ليس بالكلمات بل بالصور. الجرافيتى لوجه مشطور بالطول، نصفه الأيمن لمبارك والأيسر لطنطاوى، وفوق الصورة المشطورة عبارة «اللى كلف ما ماتش». فى ذلك اليوم أرسلت المحافظة عاملا بفرشاة ليدهن الجرافيتى بدهان سمنى باهت. وما هى إلى ساعات حتى ظهر الجرافيتى ثانية، ولكن تلك المرة زيد على الوجه المشطور وجهان: عمرو موسى وأحمد شفيق. ثم سرعان ما لحق بهما محمد بديع.

منذ اندلاع الثورة تحولت القاهرة كلها من مدينة لم تعرف قط فن الجرافيتى إلى مدينة تغطى جدرانها أروع وأبلغ وأطرف صور الجرافيتى. الفن لا يظهر هنا فى كلمات بليغة بل فى استنسيل أو ريشة واثقة فى نفسها. الفن يعبر هنا عن أفكار عميقة سابقة على كل ما هو مطروح فى برامج الأحزاب وحلقات «التوك شو» وتحليلات الصحفيين و«افتكاسات» الأكاديميين. الفن يطرح نفسه هنا فى خفة دم ثورية، ثورية لأنها خفة دم مختلفة عن تلك التى ألفناها فى لحظات المحن التى خضناها فى تاريخنا الحديث، فلأول مرة لا نوجه السخرية لأنفسنا بل للآخر، لمبارك، للمجلس العسكرى، للفلول ومشايخ السياسيين، للإخوان.

•••

bassseeemyou
باسم يوسف أمام مكتب النائب العام، ٣١ مارس ٢٠١٣

المشهد الرابع: الأحد 31 مارس 2013، الساعة الثانية عشرة ظهرا، المكان: مكتب النائب العام. الفن هذه المرة متهم. والتهمة أغرب من الخيال: «ازدراء الرئيس». الدليل الموجه للمتهم باسم يوسف هو كلماته نفسه المسجلة من برنامجه الفكاهى الجاد، «البرنامج». إحدى الحلقات هى حلقة 19، والتى يشكر باسم فيها الرئيس مرسى على توفيره الجهد المطلوب بذله فى إعداد الحلقات، إذ إن الرئيس تكفل بتصرفاته وتصريحاته وخطبه باللازم وأكثر. كان بالإمكان لباسم يوسف وفريقه أن يلعبوا لعبا بتصريحات الرئيس المتوالية عن الأصابع، وهى تصريحات موحية بما يموج فى عقل الرئيس ولاوعيه، ولكن باسم نأى بنفسه عن التلفظ بما هو موحى به، فما كان منه إلا أن وجد نفسه متهما بما لم يقله بل بما اكتفى بالإشارة إليه من كلام الرئيس وإيحاءاته.

•••

img-20130330-01957
توم هيلي في جامعة القاهرة، ٣٠ مارس ٢٠١٣

المشهد الخامس: السبت 30 مارس، الساعة الثانية عشرة ظهرا. المكان: مدرج 13 بآداب إنجليزى بجامعة القاهرة. الشاعر الأمريكى توم هيلى يلقى محاضرة لطلبة القسم عن الشعر والثورة. المحاضرة شيقة، وعميقة، وصعبة، ولكن الطلبة تجاوبوا معها وتواصلوا مع الشاعر وامتدت أسئلتهم لأكثر من ساعة: من أين تأتى القصيدة؟ وأين تذهب بعد أن يلقيها الشاعر؟ من يمتلك حق تفسيرها وتأويلها؟ ما علاقة الشعر بالقلق؟ وبالأمل؟ وبالثورة؟ ما لفت نظرى هو ثقة الطلبة بأنفسهم وبقدرتهم على التعبير عن أنفسهم بدقة وببلاغة، وتجاوزهم لأساتذتهم فى تآخيهم مع العالم وتصالحهم مع مجتمعهم. هم فى ثورة، لكنها ثورة ضد النظام وليست ضد العالم برمته. حنقهم على الرئيس واضح، ولكنهم ترفعوا عن ذكر حتى اسمه أو اسم جماعته. إنه هذا الجيل الذى وجد فى الفن وفى الشعر تحديدا ضالته.

عندما عدت للبيت أخرجت ديوان مانيفستو لمصطفى إبراهيم وأخذت أقرأه حتى تأكدت أن هذه الثورة ليست فقط ثورة شباب، لكنها أيضا ثورة عبرت عن نفسها أحسن تعبير فنا وشعرا. لا عجب إذن أن ترتاب قوى الثورة المضادة فى الفن فتحاول أن تقمعه وتسكته وتمحوه. ولكنهم، وكما يقول مصطفى إبراهيم فى رائعته «إنى رأيت اليوم»، لن يفلحوا:

إنى رأيت اليوم.. الصورة من بره

وقلت الحسين لسه.. حيموت كمان مرة

إنى رأيت اليوم….فيما يرى الثائر

ان الحسين ملموم….فوق جثته عساكر

بيدغدغوه بالشوم….كل أما ييجى يقوم

وأن البشر واقفة.. تبكى بدال ما تحوش

وأن العلم مصفاه.. م السونكى والخرطوش

وأن الطريق مفروش.. بالدم للآخر..

إنى رأيت اليوم.. الدم ع الآيش..

وإن الحسين إحنا.. ومهما اتقتل عايش

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: