الإعلانات
Press "Enter" to skip to content

مائة يوم من التعذيب

نُشر في “الشروق” في ١١ نوفمبر ٢٠١٢

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لوفاة عصام على عطا، وهى ذكرى تحثنا على فتح ملف التعذيب والتساؤل عما قام به الرئيس مرسى فى تصديه لهذه الظاهرة الخطيرة.

rolwwufe
عصام عطا

عصام عطا كان شابا فى الخامسة والعشرين من عمره قبضت عليه الشرطة العسكرية يوم 25 فبراير 2011 بتهمة استيلائه على شقة بمنطقة المقطم. وبعد يوم واحد فقط من القبض عليه وجد عصام نفسه ماثلا أمام محكمة عسكرية دون وجود محامٍ، وفوجئ بتلقيه حكما بالسجن لمدة عامين. اقتيد عصام إلى سجن العقرب بمزرعة طرة سيئ السمعة لقضاء فترة عقوبته الظالمة. وبعد شهور عديدة من البحث والتحرى تمكنت أسرته من معرفة مكان احتجازه، وفى يوم 25 أكتوبر ذهبت والدته لزيارته فى السجن، وفى أثناء الزيارة مررت له شريحة تليفون حتى يتمكن من الاتصال بها ليطمئنها عليه.

إلا أن سجينا آخر كان عصام على خلاف معه رآه وهو يستلم الشريحة فذهب للضابط المسئول وادعى أن والدة عصام هربت له مخدرات. وعليه قرر الضابط تلقين عصام درسا لن ينساه وعلى مدار يومين كاملين أوسعه ضربا وتعذيبا، ثم ابتدع أسلوبا مبتكرا للتعذيب إذ أدخل خرطوم مياه من فمه وآخر من مؤخرته.

وبالطبع ساءت حالة عصام بشكل خطير وعندها أمر الضابط بإرساله لمستشفى قصر العينى لـ«العلاج». وهناك لحقت به والدته، إلا أنهم قالوا لها إن ابنها مات نتيجة إصابته «بحالة إعياء شديدة وفقدان للوعى وإفرازات رغوية من الفم والأنف».

قضية عصام عطا أثارت وقتها الرأى العام ليس فقط لبشاعتها وفظاعتها بل لأنها جاءت بعد تسعة أشهر من اندلاع ثورة كانت، فى واحد من أهم جوانبها، ثورة ضد الانتهاكات المنظمة للدستور وللقانون وللأعراف الدولية وللقيم والمبادئ الإنسانية التى دأبت الشرطة المصرية على ارتكابها على مدار سنوات حكم مبارك الطويلة. وكان من أهم هذه الانتهاكات وأخطرها ممارسة التعذيب بشكل ممنهج يكاد يكون يوميا فى الأقسام وأماكن الاحتجاز بل أيضا فى سجون وزارة الداخلية.

●●●

وبالرغم من اندلاع الثورة يوم عيد الشرطة، فى رسالة واضحة لرفض ملايين الشعب المصرى لهذه الممارسات الفظيعة، إلا أن قضايا التعذيب لم تحتل موقع الصدارة فى إعلام ما بعد الثورة، ولم تنل حظها من اهتمام الحكومة المنتخبة أو من الرئيس الذى زعم أنه انتخب لتلبية مطالب الشعب. فلم يقم الرئيس مثلا بتبنى مبادرة لفتح قضايا التعذيب العديدة التى مارستها أجهزة وزارة الداخلية أثناء حكم مبارك، بل رأينا العكس، فأحكام البراءة للضباط المتهمين بقتل المتظاهرين أخذت تتوالى، والرئيس بنفسه منح قلادة النيل، وهو أعلى وسام فى الجمهورية، لقادة القوات المسلحة المتهمين بقتل المتظاهرين فى أحداث ماسبيرو. والأخطر من ذلك أن ممارسة التعذيب فى السجون والأقسام لم تتوقف حسب التقارير الحقوقية العديدة والتى كان من أهمها وأخطرها تقرير «مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب» الصادر يوم ٢٠ أكتوبر والذى وثق لثلاثين حالة تعذيب داخل أقسام الشرطة وإحدى عشر حالة وفاة نتيجة التعذيب ارتكبت داخل أقسام الشرطة، وكل ذلك أثناء المائة يوم الأولى من حكم الرئيس مرسى.

●●●

كلنا يعرف أن إعادة هيكلة القطاع الأمنى ليس أمرا هينا، ونعرف أيضا أن التعذيب خاصة ممارسة صعب التخلص منها، فهناك جيلان على الأقل من الضباط الذين بدأوا خدمتهم فى الداخلية ووجدوا قادتهم وزملاءهم إما يغضون الطرف عن هذه الممارسة الرذيلة أو يشجعونهم بالفعل عليها ويلقنونهم أساليب التعذيب ووسائله المختلفة. وهل هناك رسالة أوضح من تلك التى ترسلها الداخلية لضباطها عندما تعطى كل واحد منهم عصيا كهربائية يضعونها فى أدراجهم فى أقسام الشرطة فى إشارة ضمنية لهم إنهم يمكنهم أن يستخدمونها فى تحقيقاتهم الجنائية؟

وكان من جراء ذلك أن انتشر بين ضباط الداخلية من يرى فى التعذيب وسيلة سهلة وغير مكلفة يمكن بها حسم بعض القضايا الجنائية، وطريقة تعفيهم من بذل المجهود المضنى فى التحريات، فما أسهل من استخلاص اعتراف تحت وطأة التعذيب لـ«تقفيل» القضية. والبعض الآخر من الضباط قد يرى فى التعذيب وسيلة ناجعة لإرهاب الناس وإعلاء شأن «باشوات» الداخلية، وقد يتوهم البعض أن هذا بدوره سوف يساهم فى حفظ الأمن وفى تذكير من تسول له نفسه أن هناك «حكومة» رادعة.

●●●

ثقافة التعذيب إذن راسخة مستقرة فى عقيدة الداخلية وممارساتها، وقد يبدو للوهلة الأولى أن اجتثاث هذه الممارسة من التربة الخصبة التى توفرها الداخلية مهمة مستحيلة. إلا أننى أؤمن أنه يمكن إنهاء التعذيب بشكل كامل من أقسام الشرطة المصرية إذا توفرت الإرادة السياسية. لا يجب على الرئيس مرسى أو حكومة هشام قنديل قراءة المواثيق الدولية التى تحرم التعذيب أو التقارير الحقوقية التس توثق ممارسته فى أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز. عليهم فقط التدبر والتفكر والاتعاظ من الماضى وإدراك أن التعذيب قد يؤتى بعض الثمرات على المدى القصير (مثل «تقفيل» القضايا وإرهاب المجتمع)، إلا أنه مكلف وبالغ الخطورة على المدى الطويل.

ومن اللافت للنظر أن جهاز الشرطة فى مصر فى القرن التاسع عشر كان قد انتبه لهذا الأمر. فهناك لائحة مهمة صدرت عام 1862 كان اسمها، بوضوح وبساطة، «لائحة استبدال الضرب بالحبس»، وكان غرض هذه اللائحة منع الضرب (بأشكاله العديدة من فلقة وكراج ونبوت) من أقسام الشرطة، إذ أدركت الشرطة أن الاعترافات التى يحصل عليها الضباط من المتهمين نتيجة التعذيب لا يعول عليها فالمتهم عادة ما يدلى بأى شىء يريده معذبوه حتى يخلص نفسه من التعذيب. وتحفل سجلات الشرطة المحفوظة فى دار الوثائق القومية بمكاتبات عديدة للإدارات الحكومية التى توضح مدى انزعاج السلطات من هذه الممارسة ومدى حرصها على إيجاد بديل للضرب إما كوسيلة لانتزاع اعتراف أو كوسيلة قانونية للعقاب. هذه المكاتبات تظهر مدى نضج الإدارة المصرية فى القرن التاسع عشر ومدى تقدمها على الإدارة المصرية تحت حكم مبارك أو مرسى.

●●●

بعد ثلاثة أيام من وفاة عصام عطا توجهت مع بعض الأصدقاء لمشرحة زينهم حيث كان جسده ينتظر التشريح لتحديد المسئول عن وفاته. ولن أنسى أبدا الموقف الإنسانى التى وقفته أهداف سويف عندما جلست مع أم عصام وأخته لمدة ساعات طويلة تستمع لنحيبهما وتعزيهما، ولن أنسى عزيمة نوارة نجم وإصرارها على الذهاب بنفسها للنيابة لإحضار أمر التشريح، ولن أنسى الجهد البطولى الذى قامت به عايدة سيف الدولة وتمسكها بحقها فى دخول المشرحة والإشراف على عملية التشريح للتأكد من عدم التلاعب فى الأدلة وخروجها بعد ساعات طويلة لتحتضن أم عصام ممسكة برأسها لتقول لها «اطمنى. مش هنسكت إلا لما نجيب حقه». وفوق كل شىء لن أنسى أول مشهد رأيته فى ذلك اليوم العصيب. فأخو عصام كان يتحدث مع خاله فى التليفون وكان يناقشه فيما يجب على الأسرة فعله: الإسراع بالدفن أم الدخول فى متاهة التشريح والتشكى والتقاضى. كان أخو عصام يقول «حيتشرح يعنى حيتشرح. إحنا مش حنتنازل عن حقنا».

فى مقابل تقاعس الرئيس مرسى عن الانتصار لضحايا التعذيب وفى مقابل تواطؤ حكومة هشام قنديل مع جلادى الداخلية، أجد فى موقف أسرة عصام عطا عزاءً وإلهاما. فما ضاع حق وراءه مطالب.

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: