Press "Enter" to skip to content

عاصمة الذكريات

عاصمة الذكريات.

بهاتين الكلمتين وصف لورانس داريل الإسكندرية فى رباعيته الشهيرة، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الذكريات لصيقة بالإسكندرية وأصبح الحديث عنها حديثا عن الماضى وذكرياته.

وفد داريل إلى الإسكندرية هربا من جيوش النازى بعدما اجتاحت البلقان، ولكن عندما تقدم روميل حتى العلمين فى صيف 1941 لم يهجر داريل المدينة بل ترك زوجته وابنته ترحلان لفلسطين. وفى الإسكندرية تعرف على إيف كوهين التى ستصبح زوجته الثانية والتى سيهدى لها “جوستين”، الجزءالأول من رباعيته، بالكلمات الآتية: “إلى إيف، أهدى هذه الذكريات عن مسقط رأسها”. وبعد أن رحل عن المدينة وعاش بعيدا عنها أتى إليها مرة أخيرة في أخريات عمره لتصوير فيلم تسجيلى من إنتاج البي بي سي عنوانه “روح المكان”. كان ذلك فى عام 1977 عندما تحولت الإسكندرية كثيرا وحين أمست مدينة أخرى غير تلك التى قضى فيها أجمل سنوات حياته، فعوضا عن الفيلات الأنيقة التى كان نسيم وجوستين يقيمان فيها الحفلات اللاهية وجد داريل تلك الفيلات والقصور إما مهجورة أو مصادرة أو مهملة حتى تعفنت، ووجد بواباتها وقد علاها الصدأ وأمست تؤدي إلى حدائق برية غير معتنى بها حيث النوافير الرخامية والتماثيل المتصدعة تشير إلى مجد ولى ولن يعود، حسب ما يصف مايكل هاج فى كتابه الأخير، “الإسكندرية: مدينة الذكرى”.

ولكن الحديث عن الإسكندرية وعن ذكرياتها لا يبدأ عادة بداريل، ذلك أنه قبل أن ينشر داريل رباعيته التى لعبت فيها المدينة دورا كبيرا حتى بدت كأنها أحد الشخوص الرئيسيين احتلت الإسكندرية مكانة مميزة في الأدب العالمي الحديث نظرا لإقامة كاتب إنجليزي آخر فيها قبل ذلك بسنوات عدة. فقد وجد إي إم فورستر، صاحب “غرفة تطل على منظر” و”حيث تهاب الملائكة أن تخطو” نفسه محاصرا هو الآخر فى الإسكندرية وأيضا أثناء حرب عالمية، كانت الحرب العالمية الأولى فى حالته. وبالرغم من أن فورستر قد أتى إلى الإسكندرية من الهند التى اعتبرها موطن الشرق الأصلي وبالرغم من أنه فى بداية عهده بالإسكندرية لم يعجب بالمصريين ولا بثقافتهم من موسيقى وطعام و فن وعمارة، إلا أنه وقع فى غراما لإسكندرية ووجد نفسه غير قادر على مبارحتها لفترة طويلة. فهناك تعرف فورستر على شخصين تركا أثرا بالغا عليه، أولهما كان محمد العدل كمساري الترام الذى ولع به فورستر والذى فقد معه عذريته وهو فى السابعة والثلاثين من عمره والذى مات صغيرا في الثالثة والعشرين بعد أن أصيب بالدرن تاركا لفورستر صورته بالطربوش والبدلة الأنيقة، تلك الصورة التى ظل يحملها فورستر فى جيبه لسنوات طويلة.

أما الشخص الثاني فكان قسطنطين كفافيس الشاعر اليوناني الذي قال فورستر عن أشعاره أنه يعتبر جهوده لنشرها بالإنجليزية أهم إنجازاته، هذا علما بأن فورستر كان من أشهر كتاب جيله عندما قال هذا الكلام.

كان كفافيس الشاعر السكندري بألف لامالتعريف ليس لأنه ولد وعاش وتوفى ودفن بالإسكندرية بل لأنه اتخذ من المدينة ذاتها موضوعا لأشعاره. فقد كان كفافيس، الموظف فى الدائرة الثالثة من مصلحة تفتيش الري، يقضي وقته فى قراءة تاريخ الإسكندرية البطلمية والرومانية والمسيحية، وقد وجد في هذا التاريخ أحداثا وأشخاصا شكل منها مادة غنية لأشعاره. على أن تلك الأحداث والشخصيات لم تكن بطولية بل العكس تماما، فما استهوته فى هذا التاريخ لم تكن انتصارات عسكرية بل هزائم وانكسارات، ولم تكن شخصيات عظيمة حققت أمجادا على أرض المعركة مثل يوليوس قيصر أو أوكتافيوس أغسطس هى التى ألهمته، بل كان أبطاله أبطالا هزمهم القدر والزمن والحب. ولذلك لم تكن مصادفة أن يفتن كفافيس بشخص انطونيو القائد المنهزم الذى شهدت الإسكندرية جولاته المنكسرة فى الحرب والحب معا. وليس من الصدفة أيضا أن تكون قصيدته “عندما تخلت الآلهة عن أنطونيو” أحلى قصائده وأكثرها شعبية:

على أن ذكريات كافافيس لم ترتبط كلهاب إسكندرية أنطونيو بل كان الكثير منها مرتبطا بالمدينة الحديثة التى عاش فيها. فالإسكندرية التى مشى شوارعها باحثا عن اللذة مع البحارة المالطيين وصبيان الحانات اليونانيين والتى رنى إليها من شرفته فى شارع ليبسيوس حيث بيت الدعارة “الذي نجد فيه اللذة والكنيسة حيث تمحى خطايانا والمستشفى الذى فيه نموت”، تلك المدينة كانت حقا عاصمة فنه. وهناك ناجى “حسه الحبيب” أن يعود ويأخذه”عندما تستيقظ الذكريات بجسدى” أو كما قال فى قصيدة أخرى:

وهناك على ذلك السرير العادى البسيط
كان عندى جسد الحب، وعرفت تلك الشفاه المسكرة،
الحمراء الشهوانية
شفاه حمراء مسكرة جدا
لدرجة أننى الآن وأنا أكتب، بعد سنوات طويلة،
فى بيتى الوحيد، أسكرتنى العاطفة مرة أخرى.

لقد لعبت الذكريات والتاريخ إذن دورا أساسيا في أعمال كفافيس، وتركت أشعاره التى حاول فيها أن يسترجع تلك الذكريات وأن يعيشها من جديد أثرا بالغا فى كل من فورستر وداريل. وكان من الطبيعى أن تبدو الإسكندرية في أشعار “شاعر المدينة العجوز”، كما كان كفافيس يعرف فى وقته، ليس فقط كالمكان الذى يشهد فيه أبطاله المنهزمون وطأة القدر والزمن والحب بل كإلهة تلهمهم وتملي عليهم أفعالهم. ولم يكن من الصدفة أن يأتى عمل فورستر السكندرى “الإسكندرية: دليل وتاريخ” منقسما إلى جزءين يشكل الجزء الأول منه دليلا لزائر المدينة يعينه على قراءة تاريخها ويشكل الجزء الثانى تاريخا يعين الزائر على قراءة معالمها الحديثة. أما فى أعمال داريل فـ”روح المكان” هى التى جعلت من الإسكندرية عاصمة لذكرياته.

ذلك الارتباط بين الإسكندرية والذكرى في الأدب العالمي يجد صداه فى أعمال عديدة لكتاب أقل شهرة بكثير من هذا الثلاثي المتميز. فدور النشر الأجنبية تطلع علينا مؤخرا بأعداد متزايدة من الذكريات التي كتبها أصحابها عن طفولاتهم وعن فترات مراهقتهم في الإسكندرية. وأغلب هؤلاء المؤلفين تركوا المدينة من أربعين أو خمسين سنة ويغلب على أعمالهم حنين طاغ إلى ماض وإلى عهد ولى واندثر. فالكثير من هؤلاء الكتاب أجبروا على الرحيل من مدينتهم مع أسرهم عندما انتهى ما اعتبروه عصرا ذهبيا للإسكندرية فى الخمسينات أو الستينات من القرن الماضي بعد أن ظل آباؤهم وأجدادهم ينعمون فى تلك المدينة الكوزموبوليتانية الفريدة لفترات طويلة امتدت فى بعض الأحيان لعقود طويلة. ولذلك برزت فى هذه الأعمال تيمات الطفولة المفقودة أو المبتسرة فجأة، وكثيرا ما يستشهدون ببيت الشعر الشهير الذى كتبه “كفافيس مخاطبا فيه أنطونيو: “قل لها وداعا للإسكندرية التى تضيع منك إلى الأبد”.

على أن ما يسترعى الإنتباه بشدة في تلك الأعمال الثانوية عن الإسكندرية (وبشكل ما فى أعمال الثلاثى السكندري الشهير أيضا) هو ذلك الغياب الملحوظ لسكان المدينة المتحدثين بالعربية. فأنت تقرأ الواحد من هذه الكتب تلو الآخر للتعرف على شتى نواحى الحياة فى إسكندرية النصف الأول من القرن العشرين من كازينوهات الرمل ونوادى جليمينوبولو ومطاعم شارع شريف باشا ومحطات ترام كامب دى سيزار وصالات بلياردو شارع المسلة وكنائس سابا باشا وكبائن ستانلي ولا تجد أثرا لأى من الـ”عرب” الذين شكلوا غالبية سكان المدينة. فرباعية داريل مثلا على كبر حجمها وتعدد شخوصها وتعقد أحداثها تكاد تخلو من الإشارة لأي شخصية “عربية”. أما دليل فورستر فبالرغم من أنه كتب فى غمرة سعادة نتجت عن علاقته بمحمد العدل (تلك السعادة التى لم يعرف لها مثيلا من قبل والتي مكنته من الكتابة بعد توقف دام تسع سنوات)، وبالرغم من روعة اللغة التى كتب بها إلا أنه يكاد يصمت هو الآخر عن الإشارة لأحياء السكان المحليين. حتى كفافيس الذى حول الإسكندرية إلى عالمه الخاص واصلا ماضيها بحاضرها وبحاضره وصابغا المدينة كلها بإحساسه المرهف فلم يتعلم العربية يوما ولزم محيطه الثقافى اليوناني حتى شاع عنه أنه لم يزر أى بيت مصرى طوال إقامته فى الإسكندرية. حتى اللذة لم يحاول إلا نادرا أن يبحث عنها فى الأحياء الـ”عربية”.

كيف نفسر ذلك الغياب للـ”عرب”من تلك الأعمال الأدبية؟ كيف اختفى أغلب السكان من تلك المدينة الكوزموبوليتانية التى كثيرا ما مُجدت لانفتاحها ولتنوع ثقافاتها؟ كيف تمكنت “روح المكان” من أن تلهم هؤلاء المبدعين وفى نفس الوقت من أن تدفن أغلب سكان المدينة أحياء؟ لا يمكن التذرع بأن هؤلاء المبدعين ومن تلاهم من كتاب قليلى الموهبة أو فاقديها لم يكونوا يدركون أن السكان “المحليين”، أى هؤلاء القاطنين فى أحياء مثل العطارين وكوم الشقافة والأنفوشى ومحرم بك، كانوا يشكلون بالفعل غالبية سكان المدينة. كما لا يمكن التذرع بأن المدينة كانت فى الواقع منقسمة على نفسها، قسم يقطنه الأوربيون ويعيشون فيه، وقسم آخر مخصص للـ”عرب”. ذلك أنه وبافتراض وجود أكثر الفواصل مناعة لابد وأن نفترض أن قدرا لا يستهان به من التمازج بين الأوربيين والمحليين كان يحدث بالفعل.
لا، لم يكن جهل هؤلاء الكتاب بحقيقة أن الأوربيين كانوا أقلية فى الإسكندرية هو سبب تجاهلهم لغالبية السكان، بل كان السبب افتراضهم أن هؤلاء العرب لم ينتموا بشكل أساسى لتلك المدينة الرائعة ولم يقفوا على طبيعتها وخصوصيتها وتفردها، وبالتالى فهم لم يستحقوها أبدا، الأمر الذى يبرر تجاهلهم تماما عند الحديث عن المدينة. فهؤلاء العرب موجودون بالطبع ولكن وجودهم ليس أصيلا ولا هو ضروريا، بل يمكن اعتباره زائدا عن الحاجة إن لم يكن مضراب المدينة التى عشقها وعبدها الأوربيون والأوربيون وحدهم.

ويمكن التدليل على أن ذلك الإزدراء المبطن للـ”عرب” من فقرة دالة فى “دليل” فورستر. فعند وصفه للعصر الذهبى للإسكندرية القديمة يركز فورستر (بتأثير من كفافيس ولا شك) على تنوع الأفكار والمعتقدات والفنون فى المدينة أثناء العصر البطلمى. ويؤكد فورستر أنه حتى بعد سقوط الإسكندرية للرومان وبعد أن فقدت المدينة مكانتها كعاصمة لإمبراطوريةح كمت شرق المتوسط ظل مجتمع الإسكندرية متميزا منفتحا واثقا من نفسه. فإذا كانا لبطالمة قد شيدوا فيها القصور ورعوا فيها الفنون وشجعوا فيها العلوم، فإن فورستر يؤكد أن حيوية الإسكندرية لم تكمن فى تلك المظاهر الخارجية. فـ”هناك عظمة لا يملك الملوك أن يهبوها أو أن يسلبوها، وفى اللحظة التى فقدت فيها استقلالها الخارجى اكتشفت [الإسكندرية] مملكتها الداخلية.” فعلى مدى القرون الأربعة الأولى للميلاد كانت المدينة مرتعا ليس فقط لأناس شتى بل أيضا لأفكار شتى. حينئذ، يقول فورستر، تعايش اليهود مع الوثنيين مع المسيحيين، وهناك امتزجت الفلسفة اليونانية مع المعتقدات المسيحية واليهودية والهندوسية لتنصهر في فلسلفة أفلوطين النورانية، وبذلك أضحت الإسكندرية منارة لعالم البحر المتوسط ووعاءً استقى منه العقل الغربى أفكاره لمدة ألفيتين كاملتين.

على أن انتشار الأرثودوكسية وانتصار الكنيسة قضى على ذلك التنوع وأدى التناحر بين المذاهب المسيحية إلى أن أُنهكت القوى الحيوية فى المدينة حتى يمكن القول أن المدينة قد فقدت روحها بالفعل. هذا،فى رأى فورستر، ما يفسر سهولة سقوط المدينة فى أيدى العرب. فعوضا عن سفسطة الكنيسة والمنازعات على طبيعة المسيح أتى العرب بديانة مبسطة اختُزلت فى كلمات بسيطة: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. وكما تخلت الآلهة عن أنطونيو، رحل الحب عن المدينة، فـ”الإسلام بشجبه للحب” استولى على المدينة دون عناء. وعندما دخل عمرو بن العاص الإسكندرية انبهر بما رأى وكتب إلى عمر بن الخطاب فى المدينة قائلا: “لقد استوليت على مدينة بها أربعة آلاف قصر وأربعة آلاف حمام وأربعة آلاف مسرح وألف ومائتان بائع خضروات وأربعين ألف يهودي”. ويعلق فورستر على ذلك بقوله: “إن هذا الاستخفاف لم يكن مقصودا، فلم يكن بوسع العرب أن يدركوا قيمة الغنيمة التى استولوا عليها، ولم يكن لهم أن يفطنوا إلى أنه لم تكن هناك أية مدينة أخرى تضاهيها، وأن علوم الإغريق هى التى أنشأتها، وأنها كانت مسقط رأس المسيحية الفكرى. قد تكون قد دارت بخلدهم أساطير مبهمة عن الإسكندر وبعض الأساطير الأخرى عن كليوباطرة، ولكنهم كانوا مفتقدين لأى إدراك تاريخى يمكنهم من أن يقفوا على ما حدث فى تلك البقعة من الأرض… وبالتالى وبالرغم من أنه لم يكن في نيتهم أبدا أن يحطموها إلا أنهم حطموها بالفعل، تماما كما يحطم الطفل ساعة يلهو بها. ولم تقوم لها قائمة بعد ذلك إلا بعد مرور ألف عام”.

على أنه إذا حاولنا أن نقف على سبب احتفاء فورستر، ومن ورائه كفافيس ومن بعده داريل، بتلك المدينة الفريدة وحنقهم على من تسبب فى اندثارها فسيكون من التبسيط المخل أن نقول أن ما يحثهم على هذا التحليل هى بعض الأفكار العنصرية عن العرب والإسلام. ذلك أن الكنيسة فى رأيهم هى أيضا مسؤولة عن هذا التردى الفكرى. فما يحتفى به هؤلاء الكتاب هى قيم الانفتاح والتعدد والتنوع وما يقاومانه هى قوى التسطيح والتنميط والانغلاق. وبمعنى آخر فإن ما يبكي عليه فورستر وكفافيس وداريل هو ذلك المجتمع الماجن، المطمئن لقوته الداخلية، اللاهى حتى فى جده، والمزدرى لقيم الاعتدال والزهد والورع.

وإذا كان هذا الثلاثي الشهير قد سمى بأفكاره عن العنصرية فإن الكثير من الخطاب الكوزموبوليتانى الذى يحتفى بالإسكندرية فى عصرها الذهبى الحديث قد وقع فى شرك تلك العنصرية البغيضة. وتتبدى تلك العنصرية فى نواح شتى من هذه الكتابات بدءً من عدم الإشارة إلى الـ”محليين”بالمرة وانتهاءً بوصفهم بأوصاف دونية حقيرة. وتقدم لنا حاسة الشم مثالا لاذعا يوضح الفرق بين الطريقة التى يتبعها هذا الخطاب الكوزموبوليتانى عند الإشارة لشطري المدينة، الأوربي والـ”عربي”. وقد تبدو الرائحة مثالا غريبا بعض الشيء لتوضيح هذا الفرق، ولكنى أعتقد أن حاسة الشم تحتل مكانة مميزة فى هذا الخطاب وإن كانت قد أهملت تماما من قِبل الدارسين. كما أعتقد أنه يمكننا باستخدام حاسة الشم كدليل أن نقف على ما نحن بصدد دراسته، ألا وهو العلاقة بين المكان والذاكرة والناس.

فأولا، وكما هو معروف تتميز حاسة الشم دون الحواس الأخرى بالعلاقة الوثيقة التى تربطها بالذاكرة، فكلنا قد مر بتلك التجربة التى يوردها الروائى الفرنسى مارسيل بروست فى عمله الشهير “ذكرى الأشياء الماضية” والتى يصف فيها ما حدث له عند أخذه رشفة واحدة من فنجان شاي كان يفتت فيه بعض الحلوى ذات الرائحة المميزة، إذ سرعان ما جاءته ذكريات عن طفولته وقريته وعمته التى كانت تقدم له تلك الحلوى. “وسرعان ما أن غمرتنى ذكريات عن البيت القديم الرمادي وغرفتها فيه وكل البلدة بسكانها وحدائقها وكنائسها ….”. ويوضح بروست تلك العلاقة الوثيقة بين حاسة الشم والذاكرة قائلا: “عنما تندثر أشياء الماضي، عندما يموت الناس وتنكسر الأشياء وتتبعثر، تبقى رائحة الأشياء وطعمها لفترة طويلة، كالروح حاملة صرح الذاكرة الجبار على حبيبات تكاد لا ترى من الرائحة”.

إن تلك العلاقة الوثيقة بين حاسة الشم والرائحة هى التى تفسر لنا الإشارات المتعدة للرائحة عندما يتعلق الأمر بذكريات الإسكندرية، تلك “الإسكندرية التى فقدناها”. فمثلاً نجد نموذجا دالا لتلك الإشارات فى فقرة مشهورة من “رباعية الإسكندرية”، تلك الفقرة التي تُقتبس منها الكلمات المأثورة: “الإسكندرية، عاصمة الذكريات”. أما النص الكامل فيقول: “بدأت المشي بطيئا مشدوها بشدة، وأخذت أصف لنفسي في كلمات هذا الحي من الإسكندرية، ذلك أني أدركت أنه سيُنسى عما قريب ولن يسترجعه سوى هؤلاء الذين قد تملكت ذكرياتهم المدينة المحمومة، متشبثة بعقول الكهول كما تتشبث أطياف الرائحة بالأكمام: الإسكندرية، عاصمة الذكريات”.
وتظهر تلك العلاقة بين الرائحة والذكريات أيضا فى إشارة فورستر، بعد مرور وقت قصير على حلوله فى مصر، لتجربته السابقة فى الهند. فبعد أن وصل إلى بورسعيد وبعد أن استقل منها القطار قاطعا الدلتا إلى الإسكندرية، كتب رسالة إلى صديقة له فى إنجلترا قال فيها: “لشخص [مثلي] سبق له أن عاش فى الهند تبدو الطبيعة [هنا] مزعجة، فـ”الشرق الحقيقى”يختفي دائما على مسافة قريبة، مرفرفا أطراف الملابس على أطياف الرائحة”.

وبمعنى آخر فإن هذا الخطاب الكوزموبوليتانى عندما يشير إلى الشق الأوربى من المدينة يعول عادة على حاسة الشم وتحديدا على علاقتها بالذاكرة. وليس معنى هذا أن الحواس الأخرى لا تذكر؛ فحاسةالبصر، مثلا، لها حضور قوى فى هذا الخطاب وتحديدا عند الإشارة إلى الشوارع المستقيمة والميادين الواسعة والتماثيل الشامخة والمباني الرشيقة التى زينت المدينة الأوربية. ولكن بما أن تيمة الذكريات هى الطاغية فى هذا الخطاب، ذكريات المدينة المفقودة، سواء كانت إسكندرية البطالمة أو إسكندرية العصر الذهبى فى النصف الأول من القرن العشرين، فإن حاسة الشم تلعب دورا هاما فيه. ويعلق مايكل هاج مؤلف”الإسكندرية، مدينة الذكريات” على أهمية الرائحة، رائحة الماضي قائلا: “لقد عرف كفافيس وفورستر وداريل تلك الرائحة: [ثم يستشهد بجملة من الرباعية] ’استنشقت العطر الصيفي الدافئ العالق بفستانها وببشرتها—عطر يسمى، لسبب لا أعلمه جاميه دولا ڨى Jamais de la vie‘ والعبارة تعنى ’أبدا‘.” ويضيف مايكل هاج شارحا العلاقة بينالرائحة وذكريات المدينة المقودة: “مسكونة بالفشل ومسكونة بالعظمة، تطابقت ولو للحظة المدينة الكوزموبوليتانية الحديثة مع تلك التى أسسها الإسكندر منذ قديم الزمن على هذا الساحل الأفريقى”.

أما الخاصية الثانية لحاسة الشم التي تمكننا من فهم هذا الخطاب الكوزموبوليتانى فتتعلق بمكانتها ضمن الحواس الأخرى. فتقليديا اعتبرت حاستا البصر والسمع ساميتين للاعتقاد بأنهما تتعلقان بالروح ولقدرتهما على إدراك الأشياء عن بعد. أما على النقيض الآخر فتوجد حاستا اللمس والذوق، الملتصقتان بالجسد وبوظائفه الحيوانية، واللتان لا تستطيعان إدراك الأشياء إلا بالإلتحام معها. أما حاسة الشم فتحتل مكانة وسيطة بين هذه الحواس، فمن ناحية هى حاسة جسدية تقوى عند الحيوانات التى تحتاجها لكى تحصل على غذائها. إضافة إلى ذلك فهي تُتهم بأنها مصدر من مصادر الشهوة والشبق. ومن ناحية أخرى، فإن الاستمتاع بالروائح الزكية يعد قيمة جمالية ومتعة حضارية.

ولذلك فإن ما يلفت النظر فى الخطاب الغربى عن الإسكندرية العربية هو الإشارات المتكررة لروائحها الكريهة، فعوضا عن الإحالة للذكريات عند التطرق للمدينة الغربية التى توصف بأنها كوزموبوليتانية، تلعب حاسة الشم دورا مختلفا تماما عند التطرق إلى المدينة العربية. فالحديث عن العفونة والنفايات والمخلفات الآدمية والحيوانية والبرك الآسنة والروائح الكريهة حديث شائع فى هذا الخطاب عند وصف الأحياء العربية.

وهناك أدلة عديدة على أن هذا الكلام عن الوسخ والنتانة جزء أساسى من الخطاب الكوزموبوليتانى عن الإسكندرية ولا يمكن تجاهله بسهولة. ولنضرب بعض الأمثلة لتوضيح المعنى.

فى الأربعينات من القرن التاسع عشر وصف الرحالة الأمريكي إليوت واربرتون Eliot Warburton الإسكندرية كالآتى:
كل ما يمكن رؤيته داخل الأسوار القديمة المتآكلة هو مدينة غير متجانسة، نصفها أوربى بمبانيه المنتظمة الطويلة البيضاء الصلبة، والنصف الآخر شرقي بمباني طينية اللون وأسطح متدرجة، تتخللها مساجد سمينة ومآذن هزيلة. والضواحى محاطة بقشرة من الأكواخ الحقيرة لفقراء العرب. أما المساحة الواسعة بين المدينة وأسوارها فتشغلها جبال ومساحات ضخمة من النفايات. كلما عدا ذلك هو قفر موحش.

وبعد ذلك بقليل وتحديدا فى عام 1857 زار المدينة أمريكى آخر، هو ويليام برايم William Prime الذى لم يسعه سوى أن يردد تلك الأوصاف المرتبطة بالوحل وروث الحيوانت والآدميين على حد سواء:

هل أعترف؟ كانت هناك فتاة عربية، أتت من قرية موحلة قريبة…. كانت طويلة، رفيعة، رشيقة كالغزال،وكان وجهها فائق الجمال، وعمرها لا يزيد عن أربعة عشر. كانت ترتدي ملابس على طريقة أهل البلاد، قميص واحد أزرق من القطن… وكان مفتوحا من العنق إلى الخصر، كاشفا عن الصدر، ولايكاد يصل إلى ركبتيها. كانت تقف منتصبة، برأس مرفوعة شامخة. وبالنسبة لخيالى كانت هذه الفتاة تجسيدا جيدا للبلد المنحط الذى وجدت نفسى فيه. كان المجد القديم موجودا، ولكن نظرا للفقر الذى كساها قد انحدرت البلد إلى مجرد نفاية بين أمم الأرض.

وحين جلست على الرمال ونظرت إليها، مددت يدى لأسند نفسى فوقعت فوق جمجمة. فالعظام، سواء كانت لقدماء المصريين أو محدثيهم، لم أكن أعرف آنذاك، كانت متناثرة فى المكان.
وحين بدأت أناجى الملاك الأسمر، أصيبت بالذعر واختفت فى خص بنى مبنى من أقل المواد رومانتيكية، أى الجِلة التى انتشرت في كل مكان حولنا. فتلك الجِلة تجمع من الشوارع وتجفف فى شكل أقراص تستخدم بغرض التدفئة، وأحيانا فى بناء المنازل.

وما يلفت الانتباه فى هذا النص ليسفقط مزاوجته بين المدينة العربية والانحطاط وبالموت (الجماجم المبعثرة هنا وهناك) بل التأكيد على اتخاذ هذا الانحطاط صورا تعكس إلتصاق العربى ببيئته الطبيعية وانغماسه فى ممارسة وظائفه الجسدية. فبيت العربى مبنى أولا من الطين أى من التراب الذى يطأ عليه ثم يُبنى من الجلة أى من فضلاته وفضلات بهائمه. ويمكن تتبع ذلك الرباط الحميم الذى رأى الأوربيون أنه يجمع السكان “العرب” مع التراب والوحل حتى القرن العشرين، فبعد حوالى ستين عاما من كتابة برايم لهذه الكلمات سيصف فورستر الإسكندرية العربية قبل أن يقع فى غرامها بقوله أنها مدينة “لا روح لها ولا رومانسية ولا سحر ولا دين. وحل، وسكانها وحل متحرك يثير أقصى درجات الإشمئزاز”.

وكمثال أخير لتفشي الحديث عن الرائحة فى الخطاب الكوزموبوليتانى عن الإسكندرية الحديثة تقتبس من وصف إدموند كيلى أهم ناقد لكفافيس بالإنجليزية والذى يعود له الفضل، أكثر من أي ناقد أو مترجم آخر، لتقديم أشعار شاعر المدينة العجوز للجمهور الأنجلو-ساكسونى. ففى دراسته الرائعة عن كفافيس،”إسكندرية كفافيس” يصف كيلى زيارته هو شخصيا للمدينة فى السبعينات من القرن الماضى. وقد هاله ما وجد ولم يستطع كيف ألهمت مدينة كهذه ذلك الشاعر كى يكتب هذا الشعر الرائع. وقد يعود اندهاشه من أحوال المدينة إلى قذارة الإسكندرية الاستثنائية فى ذلك الوقت، ولكن غرض كيلى ليس التشهير بالمدينة أو التمرغ فى قذارتها، بل غرضه التأكيد على عبقرية كفافى الذى استطاع أن يحول مدينة قذرة كهذه إلى مدينة ترضى الخيال. على أن وصفه لغزارة المثيرات المزعجة للحواس، وخاصة حاسة الشم، مثير للاهتمام، ويستحق فى سياقنا أن يُقتبس بالكامل:

تصدم الإسكندرية الحالية المرء قبل كل شىء بقذارتها. فأنت إذا مشيت على الرصيف المؤدي إلى المكان الذى طالما وقف الفنار الأثرى فيه…[وهو المكان الذى شيدت عليه قلعة قايتباى فيما بعد]، فستواجهك روائح ومناظر تثير عجبك… يرتفع الحائط إلى جانبك بالضبط إلى الحد الذى يحبط أية محاولة للعثور على البحر من خلفه، ولكنه ليس مرتفعا بما يكفى لحجب المساكن التى ترتفع عليها الملابس المغسولة كالأعلام على طول منحنى الميناء. والروائح التى تشمها، وهى لا تنقطع إلا من حين لآخر بنفثة من ملح البحر، هى روائح القمامة التى يبدو أنها لم تتعفن بما يكفى ليحاولوا التخلص منها، وبول أكثر ضآلة فيما يبدو من الحد الذى يجتذب الاهتمام الرسمى. أما النصبين الأساسيين فى هذا الجانب من المدينة – تمثالا سعد زغلول ومحمد علي – فيحيط بهما ميدان مفتوح مقسم، عن عمد فيما يبدو، إلى أقسام قذرة تزدهر فيها الأعشاب الضارة والقمامة والزجاج المكسور. وأصبحت الدرجات الأسمنتية العريضة التى تؤدي إلى بطلي القرن التاسع عشر [كذا] هذين خطرة بفعل الخليط المترب من أوراق الكرنب وقشور الفواكه الملقاة. والمدينة التى تمتد بعد هذا الرصيف لها سطح أقل إدهاشا، لأن الصراع بين الوهم والواقع يختفى فى وسخ ونتانة الشوارع الضيقة غير المغسولة التى تفيض بتيار مظلم من الباعة المتجولين وأطفال الشوارع الفقراء الذين يجروا هنا وهناك مرتدين البيجامات.

أما الخاصية الثالثة لحاسة الشم التي تؤهلها لتفكيك ذلك الخطاب الكوزموبوليتانى عن الإسكندرية فهى ارتباطها بكنه الشيء وروحه، ذلك الارتباط الذى يتضح فى اشتراك كلمتى “رائحة”و”روح” فى نفس المصدر، وهو الأمر الذى يتضح أيضا فى الكلمة الإنجليزية “essence” التى تعنى “جوهر الشيء” و”ماهيته” أو “روحه”، والتى تعنى فى نفس الوقت “عطر”أو “رائحة”. لذلك فعندما يتعلق الأمر يتعلق بالإشارة إلى روائح ليس فقط المدينة العربية بل تحديدا بسكان تلك المدينة فنحن إذن بصدد خطاب عنصرى قح.

ويعتبر كتاب أندريه آسيمان “الخروج من مصر”(Out of Egypt) الذى نشرعام 1997 مثالا بليغا لتلك العنصرية التى يشار بها إلى العرب والتى تظهر ليس فقط فىازدرائه لثقافتهم وعاداتهم بقدر من تظهر فى وصفه لرائحتهم. فالكتاب الذى صُنف على أنه كتاب “مذكرات (memoir) وليس رواية وحاز بالفعل على جائزة فى هذا المجال واحتفى به النقاد في الغرب أيما احتفاء هو فى حقيقته ذكريات شخصية لأحد أفراد عائلة يهودية أقامت فى مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى أن قضت الثورة على حياتهم الرغدة وأجبرتهم على الرحيل فى أوائل الستينيات. وما يلفت للنظر هو أن تلك المذكرات المليئة بالتصوير الساحر لشخصيات ساحرة عاشت فى مدينة شباب المؤلف الرومانتيكية المنفتحة، يفتقر إلى صورة إيجابية واحدة لأى مصرى محلى. فهو يجمع كل الإسكندريين المتحدثين بالعربية معا تحت ما يمثل بلا شك عنوان ازدرائى: “العرب”. فمثلا حين ذكَّر آسيمان الطفل أحد أصدقاء عائلته اللامعة بوعده بإعطائه بعض الشيكولاتة، وبخه عمه صائحا: “ولكن هذا سلوك مروع… من الذى علمك حسن السلوك، العرب؟ لم أسمعأبدا عن شىء كهذا…”. وبعد أن أجرى أحد الأطباء المصريون، الذى لم يُذكر اسمه، عملية جراحية لإحدى جدتيه، كانت ملاحظة آسيمان بلهجة متعالية متعجرفة: “إنه يتكلم الفرنسية كأهلها، وسوف يسرك مكتبه – فخم. إنجاز لا بأس به بالنسبة لعربى، لا يكاد يبلغ الثلاثين.

وبرغم الإشارات الكثيرة للـ”عرب” على مدى الكتاب، لم يقدم آسيمان ولو صورة واحدة إيجابية لشخص عربى ولم يقدم أية رواية معقولة عن علاقة حقيقية بين أعضاء عائلته المحتفى بها وأى من هؤلاء “المحليين”. كان خدم أسرته العرب الوحيدين الذين ظهروا فى الكتاب والذين منّ عليهم آسيمان بأسماء، وإنه لأمر بالغ الدلالة أنهم يظهرون جميعا مشوهي الخلقة. فمثلا كانت أم رمضان الغسالة، بالإضافة إلى كونها عوراء، قد تسبب استخدامها لكيماويات تبييض الغسيل فى أن يفقد ذراعيها لون جلدهما. ولدينا أيضا هشام، السفرجى ذو اليد الواحدة، الذى لم يستطع أبدا أن يؤدى عمله على الوجه الأكمل، لأنه كان مضطرا لأن يستريح من حين لآخر أثناء خدمته على مائدة العائلة الذى كان اجتماعها بالطبع، كبيرا وبهيجا. وعدا ذلك يقدم المؤلف لنا الطباخَين، وكلاهما اسمه عبده. أحدهما يدمن الخمر والثانى، وهو ابن عمه الأكبر منه بكثير، لديه “ساق متقرحة بفظاعة، كانت جدتى تشك فى أنها مصابة بالجذام”. ويخبرنا المؤلف أن كلا من عبده الصغير، ذى الساق السليمة، وابن اخته محمد كانا معتادين على سرقة ملابس جده وأحذيته ، التى كانا، بالطبع عاجزين عن ارتدائها بشكل سليم: “لم يكن الخادمان من المعجبين برباط الحذاء، فكانوا يُخرجونه، ويمشون تاركين أعلا الحذاء مفتوحا عن آخره، ولسان الحذاء بارز بوقاحة”. وأخيرا يقدملنا المؤلف لطيفة، الخادمة، التى اعتادت الإغماء بغير سبب ظاهر مقنع، وكانت تشكو شكوى غير واضحة من آلام جسدية لم تكن قادرة حتى على تحديد موضعها. حتى جاءها طبيب العائلة الأوربى الذى استطاع أن يشخص الحالة: كانت لطيفة مصابة بورم سرطانى يضغط على كبدها، وحين كبر حجمه حتى مس الحبل الشوكى أصبح الألم لا يحتمل. وسرعان ما توفيت لطيفة بعد أسبوعين من المرض.
وحتى يبدد آسيمان أى التباس لدينا فى سبب عدم قدرة الـ”عرب” على الانخراط فى مجتمع الإسكندرية المنفتح وعدم قدرة أفراد عائلته على الامتزاج بهم يقدم لنا حجة يحسبها حاسمة: فالعرب رائحتهم مقززة. ولشرح ذلك يقول “إن المصريين يشربون الحلبة، وهى مادة سمراء محمرة، [يعتقدون أن لها]… خواص طبية، [ولكنها]… كانت تجعل أجسادهم تنضح بما يعتبرها الأوربيون رائحة منفرة مقززة. كان أبى يسميها رائحة العرب (une odeur d’arabe)، وكان يكره وجودها فى قمصانه وملابسه الداخلية وطعامه”. وبعد ذلك يقدم لنا آسيمان تفسيرا إضافيا لعدم إمكانية إدخال العرب فى المجتمع السكندري العالمى، بالرغم من محاولاتهم الجدية للظهور بمظهر
الأوربيين والتشبه بسلوكهم. ويعتبر شرحه هذا شديد الدلالة على حدود عالمية المجتمع السكندرى المزعومة، بحيث يستحق أن يُقتبس بالكامل:

هذه الرائحة [الرائحة العربية] لا يستطيع المرء أن يخطئها، وهى شديدة النفاذ بحيث يمكنك أن تميز المصريين المتشبهين بالغربيين، الذين يستخدمون عطرا قويا بعد الحلاقة، عن الذين يقلدون العادات الغربية ولكن مازالت عقولهم ومنازلهم ونظمهم منقوعة فى عالم الحلبة. وحتى إذا تبنى المصرى طرائق الغربيين بالكامل، وطرحعنه تقاليده المحلية …، وارتدى بذلة جديدة كل يوم، وتعلم آداب المائدة، وقبّل أيدى المدموازيلات كلما حياهن، وعرف الخمور وأصناف الجبن وعدد لائق من طرائف لافونتين La Fontaine عن ظهر قلب؛ فإن حقيقة أن ملابسه تفوح ولو بأيسر درجة بهذه الرائحة الواشية، تجعلك تفكر مرتين فى أمر ميله المزعوم للغرب وتشك فى أن أحدا من أهل بيته- بما فيهم هو ذاته – قد سمى عن الحد الأدنى المظلم لقواعد الصحة العربية.

إلى جانب تلك العنصرية الحقيرة التى تنزع المصداقية عن كتاب آسيمان، “خارج مصر”، فإن هذه المذكرات مهمة بالنسبة لهدفنا لأنها تبين، بطريقة مشوهة بالغة الحقارة سمتين أساسيتين مميزتين للخطاب عن مجتمع الإسكندرية فى العصر الذهبى: النخبوية والاستبعاد. فالكثير مما يوصف فى الأدبيات التى تحتفى بالمدينة التى كانتها الإسكندرية، لا تقتصر فى واقع الأمر على الأقلية الأوربية الصغيرة، ولكن المهمة،وإنما تقتصر على كريمة كريمة المجتمع، أو نخبة النخبة: العمات والجدات اللاتى يستطيعن أن يطلقن السباب بستة لغات؛ ملوك المال الذين يورثون ثرواتهم للمؤسسات العامة، وكبار رجال الأعمال الذين يديرون تجارتهم الدولية فى القطن معا بصرف النظر عن اختلاف أصولهم الإثنية ولغاتهم الأم و/أو أديانهم.

إننى أعتقد أن خطاب العالمية هذا يمكن الاعتراض عليه، ليس فقط بسبب أخلاقياته المريبة فى غالب الأحيان (والتى يمثلها كتاب آسيمان)، ولكن أيضا بسبب قدرته التفسيرية المحدودة. لأنه من الصعب أن يصدق أى إنسان أن السلام والهدوء اللذان ميَّزا المجتمع السكندري فى النصف الأول من القرن العشرين يعودان إلى الانعزال وحياة كل جماعة إثنية من جماعات المزيج البشرى الشديد التنوع فى تلك المدينة فى جزيرة مغلقة.

. فمعظم الروايات عن الإسكندرية العالمية، وهى تحاول أن تصف التكوين الداخلى لكل جماعة إثنية، والتاريخ الذى ربطها بالإسكندرية، والعلاقات الاجتماعية بين أعضائها بعضهم البعض، وقضاء وقت فراغهم وتفاعلهم سويا، تمنحنا صورة لمدينة مقسَّمة بدقة أكبر من أن تصَّدق تاريخيا. من السهل أن نرى أن النزعة القومية قد وجهت الضربة القاضية لمدينة الإسكندرية المتعددة الإثنيات، المتسامحة نسبيا (بالرغم من أن إلقاء اللوم على القومية العربية الناصرية يبدو مبالغا فيه؛ فبعد كل شىء أصيبت الإسكندرية أيضا فى الثلاثينات والأربعينات بالنازية والفاشية والشيوعية والصهيونية والنزعة اليونانية لتوحيد الشعوب الإغريقية، تلك النزعات القومية التى مزقت الروابط بين الجماعات الأوربية، والأرجح أنها كانت كافية لإصابة حياة المدينة المدنية في مقتل). ولكن إلى جانب هذه النقطة الشديدة الوضوح، كيف يمكن أن نكتب تاريخ تلك المدينة الرائعة بطريقة تبين كيف تفاعل كل متجنسيها مع بعضهم البعض، على أن يكون تاريخا لا يؤدى إلى صورة مدينة مصابة بانقسام سكيزوفرينى، ولا يرسم كذلك صورة شعرية لمدينة خالية من التوترات الإثنية؟ إذا كانخطاب العالمية يقدم لنا صورة مدينة مفتتة وساكنة، كيف نستطيع أن نقدم صورة بديلة تتجنب أيضا الخطاب النقيض، الخطاب القومى؟ وبعبارة أخرى، إذا كانت معظم الروايات عن مجد الإسكندرية الماضى مبنية على استبعاد معظم السكان المتحدثين بالعربية، كيف نستطيع أن نعيد إدخال هؤلاء “المحليين” فى تاريخ حياة مدينتهم بغير أن نعني بذلك أنهم هم السكندريون الحقيقيون، المرتبطين بها بحبل سرى، وأن المدينة بطريقة جوهرية غامضة مدينتهم هم، واستبعاد الآخرين؟ وإذا كان الخطاب عن الإسكندرية العالمية خطاب نخبوي بقدر ما هو ساكن، كيف نستطيع أن نكتب تاريخا للمدينة يضع فى الحسبان أن الإسكندرية، إلى جانب المسارح والقصور والمجالس البلدية والمتاجر الفخمة، قد حظيت أيضا بميناء، وما يصاحبه من حانات وبيوت دعارة ومقاه رثة وبنسيونات صغيرة؟ ذلك أن الإسكندرية، ويجب أن نتذكر ذلك، كانت ميناء، تلك السمة الرئيسية لها التى يبدو أن معظم الدارسين الذين سحرتهم حياتها العالمية قد حذفوها من اهتمامهم. فى واقع الأمر كانت الإسكندرية واحدة من أكبر موانىء المتوسط وأكثرها ازدحاما، وكان لها نصيب محترم، مثل كل مدن الموانىء، لا من الماليين والسماسرة ورجال الأعمال فقط، بل أيضا من البحارة الباحثين عن الجنس على الشاطئ، والمحكوم عليهم الهاربين من السلطات، والقوادين المشتغلين فى تجارة الرقيق الأبيض الدولية، بالإضافة للصيادين وعمال الترسانة البحرية وجنود الأسطول. كيف نستطيع أن نكتب تاريخ الإسكندرية ليشمل هؤلاء الناس، الذين يشكلون سمة مميزة لمنظر أى ميناء، بغير أن نتجاهل فى ذات الوقت مساهمة نخبتها المتعددة الألسنة المهمة فى حياة المدينة؟

يهدف إلقاء هذه الأسئلة إلى الإشارة إلى أن الروايات التى لدينا حتى الآن عن تاريخ الإسكندرية فى عصرها الذهبى غير كافية لوصف تلك اللحظة الحاسمة فى التاريخ الحالى للمدينة. لم يكتب بعد تاريخ اجتماعى حق للمدينة – المختلف عن تاريخ المؤسسات أو تاريخ الأدب – تاريخ يتجنب العوائق النخبوية والاستبعادية والسكونية التى تميز الكثير من دراسات الإسكندرية العالمية.

ولكي يكتمل تأريخ كهذا، يجب ألا يعتمد فقط على الذكريات الشخصية التى تكون غالبا بأقلام أوربيين تركوا المدينة، أو على سجلات المؤسسات التى هيمن عليها الأوربيون، مثل المجالس البلدية ومنظمات الكشافة للأولاد والنوادى الاجتماعية، فيجب أن يعتمد أيضا على السجلات العربية؛ سجلات الشرطة وإدارة الإحصاء السكانى والمحاكم المحلية والمحافظة، وكلها مودعة في دار الوثائق القومية بالقاهرة (ابقى قابلني لو عرفت تخش). كما يجب أن يلقي نظرة فاحصة عن قرب، ليس فقط على أماكن مثل المتاجر الكبرى والبارات والمطاعم الفخمة، وإنما أيضا على الحانات الرثة وبيوت الدعارة والمقاهى الشعبية. وبدلا من إبراز انفصال الجماعات المختلفة بالتشديد على عدم شيوع الزواج المختلط، عليه أن يذكر الحالات البالغة الشيوع للجنس غير المشروع بين أعضاء مختلف الإثنيات والطبقات والجيران. وعليه عوضا عن التركيز على الحياة السياسية الرسمية أن يدرس أيضا عادات الطبخ والتذوق، كيف كان أعضاء مختلف الجماعات يأكلون ويشربون ويدخنون سويا، ويتبادلون الوصفات الغذائية ويشتركون فيها فتتحسن حين تستهلكها مختلف الجماعات الإثنية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.