Press "Enter" to skip to content

ثمن بناء عاصمة جديدة

نُشر في “فيسبوك” في ٢ مارس ٢٠١٥

منذ يومين اتصل بي صديق يخبرني بأن الحكومة قررت بناء عاصمة جديدة لمصر على طريق القاهرة-السويس. فرددت عليه قائلا إن ذلك الخبر لم يتأكد بعد وأغلب الظن أنه إشاعة المقصود منها تشويه صورة الحكومة. فليس من المعقول أن تقدم الحكومة على خطوة كهذه تغير بها من طبيعة البلاد، وتاريخها، وجغرافيتها، وسياساتها، واقتصادها دون مداولة أو دراسة أو مناقشة.

ولكن بما أننا بالفعل نتعامل مع نظام يسمح لنفسه أن يعيد تشكيل جغرافية البلاد وتاريخها، حرفيا لا مجازا، ثبت اليوم أن ذلك الخبر صحيح وليس إشاعة كما توهمت أو تمنيت. فوزير الاستثمار، أشرف سالمان، طلع علينا مصرحا بأن الحكومة اتخذت بالفعل قرار بناء عاصمة جديدة نظرا “لشدة الازدحام في القاهرة، ومن أجل نقل كل المباني الحكومية”. وأضاف الوزير إن المشروع سيستغرق ١٢ عاما وستبلغ تكلفته الإجمالية حوالي ٥٠٠ مليار جنيه.

وليس للمرة الأولى أجد نفسي مضطرا أن أفكر في البديهيات حتى أستطيع استيعاب مدى التخبط الذي تتعامل به الحكومة مع مشاكلنا.

أولى هذه البديهيات أن نقل المصالح الحكومية قد يخفف من الازدحام الذي تعاني منه القاهرة بعض الشيء، ولكن كيف ستخفف هذه الخطوة من معاناة المواطنين؟ هذه المؤسسات الحكومية، ألا يتردد عليها المواطنون لقضاء مصالحهم؟ هل ستنتهي هذه المصالح إذا انتقلت الحكومة للصحراء؟ ألن تزيد هذه الخطوة من معاناة المواطنين الذي سيضطرون للسفر مسافات طويلة لقضاء مصالحهم الضرورية؟

أم أن المقصود من هذه الخطوة الخطيرة ليس إنهاء معاناة المواطنين بل تقليل معاناة المسئولين الحكوميين وموظفي الحكومة؟ وإذا كان الأمر كذلك هل يستحق هذا الهدف، التقليل من معاناة الوزراء وحل مشاكلهم الأمنية، كل هذه المبالغ الطائلة؟

وقد يقال إن المقصود ليس فقط نقل المسئولين وحمايتهم من الازدحام والتلوث واحتمالات الهجمات الإرهابية، بل نقل أعداد كبيرة من المواطنين بالتدريج للسكنى في المدينة الجديدة، فهنا تُطرح عدة أسئلة خطيرة، سياسية في المقام الأول، كان من الأجدى أن تطرحها الحكومة للنقاش العلني.

أولى هذه الأسئلة تتعلق بالتكلفة الباهظة للمشروع، وبمقارنة جدوى إقامة هذا المشروع مع جدوى إنفاق ذلك المبلغ الضخم على العاصمة الموجودة بالفعل وحتى على المدن الأخرى في الوادي والدلتا.

فلنا أن نتخيل ما الذي يمكن أن يحدثه إنفاق ٥٠٠ مليار جنيه على تحسين المواصلات العامة في القاهرة (تبلغ تكلفة الخط الرابع للمترو ١٥ مليار جنيه، أي أنه إذا صُرف هذا المبلغ على المواصلات العامة فقط فسيكون للقاهرة ٣٣ خطا جديدا للمترو)، أو حل مشكلة السكن، أو الارتقاء بالصحة العامة بدءا من تطوير شبكة الصرف الصحي وليس انتهاءا بمشكلة جمع القمامة في المدينة.

بل يمكن طرح السؤال بشكل أوسع: هل أجرت الحكومة دراسة تقارن بين جدوى بناء عاصمة جديدة وجدوى صرف هذه الأموال الطائلة (التي لن أتساءل عن مصدرها) للتصدى لمشكلة الصرف التي تهدد الدلتا برمتها والتي رفعت من مستوى المياة الجوفية فيها وزادت من ملوحة الأرض الزراعية وأضعفت إنتاجية الفدان؟

ولنا أن نتخيل ما الذي يمكن أن يحدثه إنفاق هذا المبلغ الضخم، ٥٠٠ مليار جنيه، على تحسين مستوى المعيشة فيما تطلق عليه الحكومة لفظ “العشوائيات” حيث يقطن أكثر من ثلثي سكان القاهرة. ما الذي تنتويه الحكومة بخصوص هذه الملايين من المواطنيين، سكان العشوائيات؟ هل ستتركهم ليرزخوا تحت وطأة إنعدام المرافق والإهمال الرسمي لكي ينعم الوزراء بهواء نقي وشوارع عريضة وكافة الخدمات الأخرى في العاصمة الـ”شيك” الجديدة؟

وفي مجاولة للإجابة على هذا السؤال الأخير، أيهما أفضل: صرف الـ٥٠٠ مليار جنيه لبناء عاصمة جديدة في الصحراء مقابل صرف نفس هذا المبلغ للارتقاء بالعاصمة الموجودة بالفعل، قد يكون من المفيد أن نعقد مقارنة مع دول أخرى نقلت عاصماتها لمدن جديدة تفاديا لمشاكل المدن القديمة (وتقفز للأذهان تجربتي أنقرة وبرازيليا مع العلم أن أنقرة لم تُستحدث، بل كانت مدينة ذات ماضي عريق). ولكن لماذا نذهب بعيدا، ولنا هنا في مصر، في القاهرة، دروس نتعلم منها.

إن نظرة سريعة إلى تجربة إنشاء المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة (مثل القاهرة الجديدة والشروق والرحاب و ٦ أكتوبر) توضح تهافت الحجة القائلة بأن حل مشاكل القاهرة يكمن في الخروج بل الهروب منها وتركها لترزخ تحت وطأة مشاكلها. فالدولة، ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، قامت على مدار السنوات الأربعين الماضية بإنفاق مليارات الجنيهات على هذه المدن الجديدة على أمل أن تجذب حوالي ١١٪ من سكان القاهرة الكبرى. غير أن هذه المدن الجديدة التي توسعت حتى أضحت تغطي نسبة ٣٩٪ من مساحة المدينة، وبالرغم من الدعم الهائل الذي تلقته من الدولة والممثل في المرافق الأساسية من مياة وصرف صحي وطرق وتليفونات، لم تستطع أن تجذب أكثر من٤٪ من سكان القاهرة الكبرى. هذا في الوقت الذي يئن فيه ١٢ مليون مواطن– أي ثلثي سكان المدينة — من العيش في العشوائيات التي تمثل نسبة ١٧٪ فقط من مساحة القاهرة الكبرى. أي أن السياسة الإسكانية والعمرانية التي اتبعتها الحكومات السابقة، والتي اعتبر مشروع العاصمة الجديدة امتداد لها، أدت إلى استئثار٤٪ من سكان القاهرة بـ ٣٩٪ من مساحتها متمتعين بأحسن المرافق وبأرقى الخدمات، بينما يعيش ٦٣٪ من السكان على١٧٪ من مساحة المدينة في عشوائيات تفتقر لأدنى متطلبات الحياة الكريمة.

***

أنا دارس لتاريخ القاهرة في العصر الحديث، وتحديدا للفترة التي اصطُلح على تسميتها بالفترة الخديوية، وبدرجة أقل للفترة اللاحقة، أي الثلث الأول من القرن العشرين. وبعد حوالي عشر سنين قضيتها في دراسة تاريخ المدينة توصلت لنتيجتين أظن أنهما وثيقتا الصلة بهذا المشروع الكارثي الذي نحن بصدده الآن.

أما النتيجة الأولى التي توصلت إليها بعد دراسة تاريخ “القاهرة الخديوية” هي أن هذه المدينة الرائعة التي يتغنى بجمالها الكثيرون ويترحمون عليها لم تكن نتاج افتتان الخديوي اسماعيل بباريس كما علمونا في المدارس بقدر ما كانت نتاج اهتمام حقيقي بالصحة العامة وهوس عميق لدى المسئولين بكيفية تحسين مستوى معيشة “المصريين” أي الذين يقطنون مصر-القاهرة، أو “المحروسة” كما كانت العاصمة نعرف في الوثائق الرسمية. ويكفي أن نقرأ في مجلة “يعسوب الطب”، أول مجلة طبية تصدر باللغة العربية، تقريرا عام ١٨٦٨ عن الجهود التي تمت في المدينة للارتقاء بالصحة العامة، من تجفيف للبرك والمستنقعات، للتلقيح ضد الجدري، لزرع الأشجار وشق الشوارع العريضة من أجل تحسين الهواء في المدينة. ومما يذكره التقرير إن “الصحة العمومية هي الأساس لرفاهية أحوال الوطن” و”إنه كلما حصل الاعتناء والافتكار في أمور حفظ الصحة العامة كلما كان ذلك عونا على تكاثر الأهالي.”

بمعنى آخر، فإن أولى النتائج التي توصلت لها من دراستي للتاريخ الحديث للقاهرة هو أن ازدهار المدينة يكمن في احترام سكانها وليس التحقير من شأنهم والتخلى عنهم واتهامهم بالمسئولية عن فقرهم ومرضهم كما تفعل حكوماتنا المتعاقبة.

أما ثاني النتائج التي توصلت إليها هي أن التردي المذهل الذي شهدته القاهرة على مدار الستين سنة الماضية لم يكن نتيجة الزيادة السكانية، سواء كانت هذه الزيادة طبيعية أو نتيجة هجرة من الريف. فما يقال إن القاهرة بنيت لكي تستوعب ٢ مليون والآن يقطنها حوالى ١٨ مليون، حقيقة يراد بها باطل أو هي نصف الحقيقة. فإذا صحت مقولة إن القاهرة بنيت لاستيعاب ٢ مليون مواطن، فهل ظن المخططون حقا إن هذا العدد لن يزيد؟ فإذا كان هذا ظنهم فمعنى ذلك أنهم حمقى غير جديرين بتخطيط شارع ما بالنا بتخطيط عاصمة. فالزيادة في السكان شيء طبيعي، بل متوقع. وإذا كانوا يدركون أن المدينة ستشهد زيادة في سكانها، فلِم لَم يعملوا لتلك الزيادة حسابا؟ وأين خططهم المستقبلية لتوسع المدينة؟

لا. مشاكل القاهرة لا تكمن في زيادة عدد سكانها. ولا تكمن أيضا في غياب التخطيط. مشاكل القاهرة، ككل مشاكل البلد، سياسية في المقام الأول. مشكلة القاهرة، ككل مدننا، إنها تفتقر لأي آليات أو مؤسسات تسمح لسكانها بإدارتها ووضع الخطط لها ومراقبة المسئولين فيها. مشكلة القاهرة الحقيقية تكمن في أن مجالس أحيائها وبلدياتها ومحافظيها (على اختلاف مسمياتهم على مدار ستين سنة وأكثر) كانت دوما أدوات في يد الحكومة المركزية للسيطرة على السكان وليست أدوات في يد السكان لإدارة مدينتهم بالشكل الذين يرونه يحقق لهم سعادتهم ورفاهيتهم ومصالحهم. فالمجالس المحلية يرتع فيها الفساد، والمحافظ معين من قِبل الحكومة المركزية، ومعايير نجاح أي محافظ ليس تقديم الخدمات للمواطنين بقدر ما هو إحكام قبضة الدولة على المدينة.

مشكلة القاهرة الحقيقية تكمن في أن السياسة فيها تحولت لإدارة. فأي مدينة يقطنها ١٨ مليون نسمة وأكثر يُتوقع أن تكون إدارتها مسألة سياسية من المقام الأول، وأن ينظر قاطنو المدينة لمشاكلهم اليومية من مواصلات، لتلوث البيئة، لتدهور الخدمات الطبية، لأزمة سكن، لقلة فرص العمل – أن ينظروا لهذه المشاكل على أنها مشاكل سياسية، تكمن أجوبتها في حلبة الصراع السياسي بأيدلوجياته ومؤسساته وأشخاصه. أما في قاهرتنا فقد استطاع الحكم العسكري على مدار ستين سنة ونيف أن يفرغ سياسة المدينة من محتواها، وأن ينظر لمشاكلها لا على أنها مشاكل سياسية في المقام الأول بل على أنها مشاكل إدارية أو أمنية، وأن يعهد بإدارة هذا الكيان العملاق لضباط شرطة أو جيش لا خبرة لهم في هذا الشأن.

***

إن حل مشاكل القاهرة لا يكمن في مصادرة المجال السياسي فيها. ولا يتحقق بتحويل أسئلة السياسة فيها لأسئلة إدارة يقوم بها تكنوقراط. وبالطبع لن يتحقق ببناء عاصمة جديدة والتخلي عن القاهرة، المدينة القائمة بالفعل. حل مشاكل القاهرة بيد سكانها، ولن تنهض هذه المدينة إلا إذا تمكن هؤلاء السكان، قاطنو عزبة الهجانة ومنشية ناصر، مثلهم مثل قاطنو الزمالك وجاردن سيتي، من رسم سياسة مدينتهم، وانتخاب ممثليهم في مؤسسات وهيئات ديمقراطية، والتحكم في ميزانية المدينة النابعة في المقام الأخير من كدهم وعملهم، ومراقبة من يقول إنه سينفق ٥٠٠ مليار جنيه على أحلام من سراب في الصحراء.

Be First to Comment

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: