الإعلانات
Press "Enter" to skip to content

قصورنا الميتة

نُشر في “الشروق” في ٢٩ مارس ٢٠١٤

فى الشهرين الماضيين سمحت لى الظروف أن أزور ثلاثة قصور ملكية، اثنان منها فى الخارج أما الثالث ففى مصر. وبالطبع وجدت نفسى أعاين وأقارن وأتحسر على الوضع الحزين الذى توجد عليه قصورنا ومتاحفنا ومزاراتنا السياحية والثقافية.

أما القصر الأول فكان بالاتزو ريال، أى القصر الملكى، فى مدينة ميلانو الإيطالية، وهو قصر منيف شيد فى أواخر القرن الثامن عشر ويقع بجوار الكاتدرائية الشهيرة بالمدينة. كنت قد زرت هذا القصر منذ خمس أو ست سنوات حيث أقيم فيه أعمالا فنية للرسام والنحات الكولومبى بوتيرو. أما الشهر الماضى فقد عُقد فيه معرض ضخم وشيق احتفالا بمرور ألف وسبعمائة عام على إصدار «مرسوم ميلانو»، وهو المرسوم الذى أصدره الامبراطور قسطنطين فى مارس عام 313 والذى اعترف فيه بالمسيحية كإحدى الديانات المسموح بها، وهو الأمر الذى رُسخ أكثر بتحول قسطنطين نفسه للديانة الجديدة.

بالاتزو ريال، ميلانو، ٢ مارس ٢٠١٣ — من تصويري

المعرض كان معرضا رائعا بحق، شملت مساحته ست قاعات كبيرة من قاعات القصر عرض فيها منظمو المعرض قصة تحول العالم الرومانى من الوثنية للمسيحية، ويستطيع الزائر أن «يقرأ» قصة اختيار قسطنطين لشارات ملكه وكيف انتهى به الحال لاختيار الصليب كرمز للديانة الجديدة التى تحول لها وآمن بها، وكيف تحولت المسيحية من ديانة مضطهدة إلى ديانة رسمية، وكيف مثل «مرسوم ميلانو» نقطة فارقة فى تاريخ التسامح الدينى.

وقد انبهرت بهذا المعرض انبهارا كبيرا، فطريقة العرض شيقة وغير متعبة للزائر، والمعروضات جرى اختيارها بعناية فائقة وبعد جهد خارق، إذ يوضح الكتالوج الرسمى للمعرض (الذى يبلغ عدد صفحاته ثلاثمائة صفحة بالظبط) كيف جمعت هذه القطع من أكثر من مائة متحف فى أوروبا والولايات المتحدة، والرواية التى يحكيها المعرض رواية واضحة اجتهد منظمو المعرض فى التدليل عليها بالقطع التى اختاروها وبالتعليقات التى وضعوها عليها. ولكن وبالرغم من إعجابى بالمقتنيات وبطريقة العرض، فإننى لم اقتنع بفكرة المعرض من أصلها، فمرسوم ميلانو، فى رأيى لا يعبر عن التسامح الدينى بقدر ما يعبر عن قصة انتصار الكنيسة، كما أرى أن إصباغ مسحة التسامح على مرسوم ميلانو يعبر عن هواجس آنية أوروبية تتعلق بوضع الأقليات الدينية فى أوروبا الآن أكثر مما يعبر عن وضع المسيحية أو الكنيسة فى القرن الرابع الميلادى.

•••

أما القصر الثانى فكان قصر هوليرودهاوس فى مدينة إدنبره باسكتلندا. هذا القصر يعود للقرن السادس عشر وهو المقر الرسمى للملكة عند زيارتها لاسكتلندا. ويشرح لك «الدليل الصوتى» الذى يمكنك أن تؤجره من شباك التذاكر تاريخ القصر كمبنى وكمقتنيات، ويركز على التطور الكبير الذى أدخلته على القصر الملكة فيكتوريا فى القرن التاسع عشر. ويحكى الدليل قصصا لملوك وملكات عاشوا فى القصر أهمهم مارى ملكة الاسكتلنديين والتطور المأساوى لها والذى أفضى بها لضرب عنقها على يد غريمتها وابنة عمها، الملكة إليزابيث الأولى.

قصر هوليرودهاوس، ١٦ مارس ٢٠١٣ — من تصويري

وبجانب القصر يوجد «معرض الملكة»، وهو أحد أجنحة القصر المخصصة لإقامة المعارض الفنية. وعند زيارتى للقصر كان هذا المعرض يستضيف عرضا لصور فوتوغرافية تعود للقرن التاسع عشر. ومرة أخرى وجدتنى أقف مشدوها أمام روعة الإخراج وفرادة المعروضات، ولكن اختلف مع التفسير الذى اتخذه منظمو المعرض. المعرض عنوانه «من القاهرة للقسطنطينية: صور فرانسيس بيدفورد للشرق الأوسط». أما فرانسيس بيدفورد فهو من أوائل المصورين البريطانيين، وكان قد صاحب الأمير ألبرت إدوارد، الذى سيصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع، فى زيارة الأخير للشرق الأوسط عام 1862، تلك الزيارة التى قرر والداه، الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت، أن يرسلاه لها لكى يكسباه خبرة بالأمور الدولية واحتكاكا بالعالم الخارجى.

الصور فريدة لم أرها من قبل، فهناك صور لشوارع فى القاهرة ولمسجد محمد على عندما كان ما يزال مكسوا بالألابستر ولمعابد فيلة والكرنك والأقصر بعيد إزاحة الرمال عنها. كما توجد صور لما كان الأوروبيون يطلقون عليه «الأراضى المقدسة» وتحديدا للقدس والخليل ودمشق. وصور دمشق بشكل خاص صور درامية، إذ يبدو فيها التدمير الشديد الذى خلفته الأحداث الدموية لعامى 1860 و1861. أما تحفظى فمنشأه ليس الصور نفسها، فهى كما قلت صور مبهرة فريدة، ولكن منشأه التعليقات التى وضعها منظمو المعرض على الصور بالإضافة إلى الكتالوج الرسمى للمعرض والبالغة صفحاته 250 صفحة. فقراءة سريعة للكتالوج توضح كيف أن منظمى المعرض وإن كانوا على دراية بتاريخ العائلة المالكة البريطانية وبتاريخ فن الفوتوغرافيا، إلا أنهم لا دراية لهم بتاريخ الشرق الأوسط، وهو ما جعل الكثير من تعليقاتهم تبدو ركيكة، متواضعة، بل وفى أحيان كثيرة يغلب عليها الطابع الاستشراقى السطحى.

•••

img-20130323-01949
قصر عابدين، ٢٣ مارس ٢٠١٣، من تصويري

أما القصر الثالث فكان قصر عابدين الذى زرته لأول مرة بعد تفضل السيد وزير الثقافة بالتدخل للسماح لى لمصاحبة أستاذ أجنبى متخصص فى تاريخ القصور الملكية فى زيارته للقصر من الداخل وليس فقط لمتاحف القصر المفتوحة للجمهور.

القصر مبهر حقا، ويستحق فعلا لفظ «جوهرة قاهرة القرن التاسع عشر» وهو ما يطلقه عليه الأثريون. حالة القصر، كمبنى وكمقتنيات فنية، رائعة، فالجدران والنجف والأثاث واللوحات الفنية والتماثيل كلها فى حالة ممتازة، وتبدو العناية الفائقة وعمليات الترميم المستمرة واضحة على المبنى بكل تفاصيله. وكل من رأيناهم فى القصر من مسئولين وأثريين وحرس على درجة عالية من الحفاوة والمهنية.

أما سبب حزنى بل حسرتى على وضع قصر عابدين هو أننى أعتقد أنه يستحق اهتماما أكثر بكثير مما نعطيه له. أنا لا أتكلم هنا عن مؤسسة الرئاسة التى يبدو عنايتها بالقصر وحفاظها عليه بشكل واضح، ولا عن وزارة الآثار التى ترعى مقتنياته وتصونها وتحرسها حراسة جيدة لا غبار عليها. بل أقصد المنظومة الأكبر التى ننظر من خلالها لقصورنا ومتاحفنا ومزاراتنا السياحية. فالقصر على جمال مبانيه وفرادة مقتنياته يعتبر قصرا ميتا من الناحية المتحفية، فالبطاقات الشارحة أقرب لقوائم جرد منها لبطاقات متحفية. الزائر لا يهمه معرفة إذا كان وزن هذا الإبريق خمسين كيلو جراما من الفضة الخالصة بل يهمه أن يعرف من استخدم هذا الإبريق. كما لا يهمه أن يعرف تاريخ بناء قاعة العرش فقط بل لماذا اختار الملك فؤاد الطراز المملوكى لكى يبنى به هذه القاعة. واختصارا فالزائر يخرج من القصر منبهرا ببريقه دون أن يشعر بنبضه أو يدرك معناه. فالقصور، مثل غيرها من المبانى الجميلة، لها نبض ومعنى. أما المعارض الفنية المؤقتة التى عرضت لمثالين لها والتى تعتبر من أهم وظائف أى قصر أو متحف، فبالطبع لا وجود لها بالمرة فى بلدنا.

•••

إن مأساة قصورنا الجميلة ومتاحفنا المتعددة لا تكمن فى ضعف الإجراءات الأمنية كا يحلو للإعلام أن يكرر مرارا وتكرارا، أو فى ضعف الإمكانيات المادية، فهذه مؤسسات يمكن أن تدر أرباحا خيالية إذا أحسن استغلالها. المشكلة الأساسية تكمن فى أن القائمين على متاحفنا وقصورنا ينظرون إليها على أنها مخازن للتحف يجب الحفاظ عليها، وليست مؤسسات تعليمية تثقيفية تضيف بهجة ومتعة وعلما لزائريها. وهذا بدوره ليس عائدا لفتور الهمة بل لانعدام الكفاءات فى هذا العلم المتخصص، علم إدارة المتاحف وإقامة المعارض. المشكلة إذن مشكلة هيكلية تتعلق بالمنظومة التعليمية وبعدم وجود هذا التخصص فى بلادنا. فهل تتنبه جامعاتنا لهذا الخلل الخطير وتقوم بإصلاحه؟

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: