Press "Enter" to skip to content

خمسون عاما على هزيمة يونيو (٩): عنب وبصل: عبد الحكيم عامر وقرار الانسحاب

ملحوظة: نُشر في مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد ١١١، صيف ٢٠١٧، ص ٧-٢١.

بالرغم من مرور خمسين عاما على حرب يونيو ١٩٦٧إلا أن الغموض ما يزال يحيط بالكثير من تفاصيلها ولا زلنا نجهل معلومات أساسية عنها. فالجيش المصري لم يفرج عما بحوزته من وثائق عن الحرب، والروايات المتداولة عن هذه الهزيمة المروعة لا تعتمد على وثائق رسمية. يتناول هذا المقال لحظة مفصلية في مجريات الحرب على الجبهة المصرية، أي لحظة إصدار المشير عبد الحكيم عامر، القائد العام للجيش المصري، قرار الانسحاب، ويحلل المقال الروايات الشائعة عن هذا القرار المصيري لكي يوضح كيف أدى غياب الوثائق الرسمية إلى تضارب ولبس في هذه الروايات حتى بعد مرور نصف قرن على تلك الأحداث المشئومة. ويختتم المقال بطرح بعض التساؤلات حول المعنى السياسي لغياب الوثائق الرسمية وحجبها عن الشعب.

 

في التاسعة من صباح الخامس من يونيو ١٩٦٧ شنّت الطائرات الإسرائيلية مئات الهجمات على المطارات المصرية في سيناء وفي العمق المصري، وقد حققت كل واحدة من هذه الطلعات أهدافها بنجاح مذهل. في البدء، كانت المقاتلات الخفيفة تنخفض إلى ارتفاع ٢٠٠ قدم فقط، فتلقي قنابل جديدة الصنع سمّتها إسرائيل “خارقة الأسمنت” لتدمير مدرجات الطائرات، ثم تقوم موجة ثانية من الطائرات المقاتلة باستهداف الطائرات المصرية الرابضة في المطارات، قبل أن تُنهي موجة ثالثة المهمة بإلقاء قنابل موقوتة على ممرات الهبوط، معدّة للانفجار بعد ساعات، الأمر الذي جعل إصلاح هذه الممرات مستحيلاً، وأعاق إقلاع الطائرات القليلة التي نجت من القصف.

“خارقة الأسمنت”

خلال أقل من ثلاث ساعات تم القضاء على 85% من سلاح الطيران المصري، وتدمير القسم الأكبر من الطائرات على مرابضها قبل أن تقلع.

عندما وصلت إلى المشير عبد الحكيم عامر، القائد العام للجيش المصري، أنباء الغارات الإسرائيلية المتزامنة على جميع المطارات المصرية، وأدرك أن جيشه في سيناء بات محروماً من أي غطاء جوي، أصدر الأمر بالانسحاب الشامل في الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي، في ٦ يونيو. وكان يُفترض أن يستغرق سحب القوات إلى الضفة الغربية لقناة السويس ثلاثة أيام وليلتين، لكن، نظراً إلى سوء تنفيذ القادة الميدانيين في سيناء للخطة، جرى الانسحاب بطريقة بعيدة كل البعد عن أن تكون مدروسة أو منظمة. فقد فرّ القادة الميدانيون من ساحة المعركة، وخلعوا بزاتهم العسكرية، وارتدوا بزات جنودهم، وتركوا رجالهم يواجهون مصيرهم. وبغياب الغطاء الجوي، وبعد انهيار مراكز القيادة والانضباط، انفرط عقد الجيش تماماً، واستحالت الوحدات القتالية فلولاً مهرولة غربًا في اتجاه القناة في مشهد من التخبط الشامل والفوضى العارمة.

الجورنالجي

هذه الرواية هي رواية مألوفة عن حرب حزيران / يونيو، أو النكسة، أو ما تفضّل إسرائيل أن تطلق عليه اسم “حرب الأيام الستة”، والتي يمكن تسميتها حرب الساعات الثلاث (وهي المدة التي استغرقتها الغارات الإسرائيلية في ذاك اليوم المشؤوم). ومروّج هذه الرواية الرئيسي هو محمد حسنين هيكل الذي كان مسؤولاً عن جهاز الدعاية لدى عبد الناصر، والذي ألّف كتاباً يفوق عدد صفحاته ١٠٠٠ صفحة عن حرب ١٩٦٧، ويُعتبر مصدراً لا غنى عنه لتأريخ تلك الساعات المأسوية التي غيّرت مصير مصر والشرق الأوسط إلى الأبد. ضربة جوية، أعقبها أمر بالانسحاب كان “منطقياً من حيث المبدأ، وإنما جاءت المصيبة في طريقة اتخاذه وأسلوب تنفيذه، ذلك أن… الحرب الخاطفة كانت قد حققت أثرها على [عامر] وأفقدته أعصابه وتوازنه.” ( محمد حسنين هيكل، “١٩٦٧: الانفجار”، ص ٧١٢.

محمد حسنين هيكل

لكن رواية هيكل للأحداث يعتريها كثير من المشكلات. أولاً، هناك سؤال عن التوقيت: هل صدر الأمر بالانسحاب في الساعات الأولى من ٦ يونيو، في الخامسة صباحاً كما يدّعي هيكل، أم في الخامسة بعد الظهر وفق ما يؤكد بعض كبار الضباط، وكما سأشرح لاحقاً؟ ثانياً، هل كان إصدار الأمر بالانسحاب ضرورياً ومنطقياً ومعقولاً كما يقول هيكل؟ ثالثاً، هل كانت هزيمة الجيش في سيناء محتومة بالفعل في غياب غطاء جوي؟ ألم يكن من الممكن أن يصمد الجيش في مواقعه ويخوض المعركة مثلما توقع موشى ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي وغيره من القادة الإسرائيليين الذين سارعوا لتعديل خططهم الهجومية بعد أن رأوا عدوهم ينسحب بأسرع من قدرتهم على اللحاق به؟ Moshe Dayan, The Story of My Life, 366رابعاً، هل كان الانسحاب من تلك المسافة كلها حتى قناة السويس أفضل تكتيك ممكن؟ أما كان أكثر حكمة أن يتم الانسحاب فقط إلى الممرات الجبلية المهمة استراتيجياً بدلاً من التخلي عن شبه جزيرة سيناء بالكامل؟

هل كانت الهزيمة حتمية حقاً؟ كعادته، يقدم هيكل في كتابه المؤلف من ١٠٠٠ صفحة، وفي العديد من منشوراته الأُخرى، إجابة مثيرة للفضول عن هذا السؤال. فهو عندما يفعل ذلك، لا يتابع تفصيلات المعركة على الأرض أو في الجو، ولا يتتبّع القادة الميدانيين ولا حتى الرتب العسكرية العالية ليعرف كيف اتُّخذت القرارات ولماذا اتُّخذت أو متى اتُّخذت، بل يقدم بدلاً من ذلك، سرداً لوقائع تتعلق بالقوى العظمى ـ الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي ـ وعن عبد الناصر وجونسون وغروميكو وأشكول. ولا تروي المشاهد التي نقلها في عالمه الصحافي حكايات عن المعارك الدامية ومهابط الطائرات المشتعلة، وإنما عن الأحاديث السرّية في البيت الأبيض وفي مقر قيادة الحكومة الإسرائيلية وفي غرفة معيشة عبد الناصر في منزله في منشية البكري. فرزم صفحاته التي لا تُعد ولا تُحصى متخمة بروايات عن لقاءات بين قادة الدول والدبلوماسيين والسياسيين استعداداً للحرب، أو درءاً لها.

وبعد إيراد روايات مطولة بالنص الحرفي لفحوى مثل تلك اللقاءات بين كبار القادة، يقول هيكل في استنتاجه الرئيسي عن حرب ١٩٦٧، إنها كانت فخاً نصبته إسرائيل والأميركيون والسوفيات لاصطياد “الديك الرومي”، أي الإيقاع بعبد الناصر، كل لغاياته الخاصة، وإن عبد الناصر ابتلع الطعم، على الرغم من كل ما يتمتع به من حنكة وحكمة. إنها برأيه مؤامرة كبيرة وخبيثة، على غرار كبر وخبث العدوان الثلاثي في سنة ١٩٥٦، واتفاقية سايكس بيكو في سنة ١٩١٦. ومَن يقرأ كتب هيكل يعتريه شعور عميق بالعجز، لأنه، مثلما أصر على أن يقول دائماً، كان جورنالجياً، أي صحافياً يحمي مصادره، وليس مؤرخاً مهمته الكشف عن مصادره. هكذا، وعلى الرغم من أن كتبه تضم مئات الصفحات والملاحق التي تحوي صوراً ووثائق انفرد بالاطلاع عليها، فإنه نادراً ما يعطينا، نحن قرّاءه، فكرة عن مصدر هذه الوثائق أو رقم وحدتها الأرشيفية، وبالتالي نبقى عاجزين عن العثور على ما يؤيد روايته أو ينفيها.

غرفة النوم في القيادة العامة

ترك لنا الفريق أول محمد فوزي رئيس الأركان في مذكراته، “حرب الثلاث سنوات”، التي نُشرت بعد مرور ٢٠ عاماً من الحرب، رواية مختلفة بعض الشيء وتحمل لمسة درامية، إذ يروي فيها أن عبد الحكيم عامر استدعاه في ٦يونيو وقال له:

عاوزك تحطّ لي خطة سريعة لانسحاب القوات من سيناء إلى غرب قناة السويس، ثم أضاف: “أمامك 20 دقيقة فقط.”

         فوجئت بهذا الطلب، إذ إنه أول أمر يصدر إليّ شخصياً من المشير الذي كانت حالته النفسية والعصبية منهارة [….].

         أسرعت إلى غرفة العمليات حيث استدعيت الفريق أنور القاضي رئيس الهيئة، واللواء تهامي مساعد رئيس الهيئة، وجلسنا فترة قصيرة نفكر في أسلوب وطريقة انسحاب القوات، بعد أن أعطيت طلب المشير إلى كليهما. وانتهى بنا الموقف إلى وضع خطوط عامة جداً، وإطار واسع لتحقيق الفكرة، ودوّنها اللواء تهامي في ورقة، وكان هذا الإطار يحدد خطوط انسحاب القوات وتوقيت التمركز في هذه الخطوط.

         توجهنا نحن الثلاثة إلى المشير، وكان منتظراً واقفاً خلف مكتبه، واضعاً إحدى ساقيه على كرسي المكتب، ومرتكزاً بذقنه على ساقه الموضوعة فوق الكرسي.

         بادرت المشير بقولي: “على قدر الإمكان، وقدر الوقت، وضعنا خطوطاً عامة لتحقيق فكرة سيادتك، ونرجو الإذن بأن يقرأها اللواء تهامي. وبدأ اللواء تهامي في القراءة بقوله: ترتد القوات إلى الخط كذا…. يوم كذا، ثم إلى الخط… يوم كذا، وأن يتم ارتداد القوات بالتبادل على هذه الخطوط لحين وصولها إلى الخط الأخير غرب قناة السويس بعد أربعة أيام من يوم البدء في الانسحاب ـ أي أن يتم الانسحاب في أربعة أيام وثلاث ليال.”

         عندما سمع المشير الجملة الأخيرة الخاصة بتحديد مدة الانسحاب، رفع صوته قليلاً موجهاً الحديث لي: “أربعة أيام وثلاث ليالٍ يا فوزي؟ أنا أعطيت أمر الانسحاب خلاص.” ثم دخل إلى غرفة نومه التي تقع خلف المكتب مباشرة بطريقة هيستيرية، بعد أن كان وجهه قد ازداد احمراراً أثناء توجيه الحديث، بينما انصرفنا نحن الثلاثة مندهشين من حالة المشير. 

(محمد فوزي، “حرب الثلاث سنوات، ، ص ١٥١-١٥٢)

ويروي عبد اللطيف البغدادي، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة القديم، في سياق درامي مماثل كيف عرف عبد الناصر عندما ذهب إلى مقر القيادة في مساء 5 حزيران / يونيو للاطلاع على ما يجري، بأمر الضربة الجوية الإسرائيلية، وبوضع القوات البرية في سيناء. ويقول إنه عند دخوله غرفة مكتب عبد الحكيم حيّاه بـ “والله زمان يا سلاحي”، لكن عندما قرأ تقريراً عن سير العمليات كان موجوداً على مكتب المشير:

[….] بدأت تظهر على وجهه علامات عدم الارتياح [….] وقال له [أي لعبد الحكيم]: “إن خان يونس سقطت، ورفح المدينة محاصرة ـ والاتصال بها مقطوع ـ وغزة تهاجَم.”

         ثم قال لعبد الحكيم “لا بد لنا أن نعرف الموقف على حقيقته.”

         […….]

         ولكن عبد الحكيم ظل رغم طلب جمال عبد الناصر يشغل نفسه بالرد على التليفونات.

         […….]

         وفي النهاية بعد أن فرغ صبر جمال قام ودخل إلى حجرة النوم الملحقة بمكتب عبد الحكيم.

         وبعد فترة دخلتُ إلى الحجرة للذهاب إلى دورة المياة وهي من داخلها ـ فوجدت جمال نائماً على السرير ضاجعاً [مضّطجعاً]، وعلى ما يظهر يفكر في المأزق الذي أصبحنا فيه وكيفية الخروج منه.

         […….]

         وبعد وقت قصير خرج جمال من غرفة النوم، وطلب من عبد الحكيم أن يرسل شيئاً للصحف عن المعركة لتعرف الناس الموقف على حد قوله. وذكر: “أن نقول مثلاً أننا توغلنا في أرض العدو وخلافه ـ لأن العدو يذيع بيانات عن المعركة ونحن لا نذيع شيئاً.”

( عبد اللطيف البغدادي، “مذكرات عبد اللطيف البغدادي” ،ج ٢ ص ٢٨٥ – ٢٨٧)

عبد اللطيف البغداداي مع عبد الحكيم عامر، منتصف الخمسينات

ويشرح عبد اللطيف البغدادي السبب الذي دعا عامر إلى اتخاذ قرار الانسحاب، ففي اليوم التالي، في ٦ يونيو، ذهب عبد الناصر مرة أُخرى إلى المشير للاطمئنان على سير العمليات، لكن هاله أن يعرف أن المشير كان قد أصدر أوامره بالانسحاب العام، إذ إن “الطائرات تصطاد مدرعاتنا وهي في الصحراء مكشوفة لها، ولا بد أن تنسحب إلى المناطق الزراعية حتى يمكن إخفاؤها عنها.”(البغدادي، مذكرات، ص ٢٨٨)

ويضيف فوزي فصلاً أخيراً لا يقل درامية لهذه الفجيعة. ففي 7 حزيران / يونيو، وربما بعد أن أدرك فداحة الموقف وأن قرار الانسحاب كان كارثياً، راجع عامر نفسه وفكر في إصدار أمر جديد بإيقاف الانسحاب إلى غرب القناة، والاكتفاء بالانسحاب إلى خط المضايق شرقها، فاتصل بعبد الناصر ليأخذ رأيه، فردّ عليه عبد الناصر بسؤال استنكاري: “يعني كنت أخذت رأيي في الانسحاب الأول؟ وجاي دلوقت تسألني عن رأيي في المضايق؟” ( فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص ١٥٦.)

المشهد في ساحة المعركة

إذا تركنا هذا المشهد للقيادة العامة ولمكتب المشير ولحجرة النوم الملحقة بها، وصرفنا الانتباه عن خصومة ألد صديقَي عمر، وركزنا على ساحة المعركة، فإن المشاهد التي سنراها هناك ليست أقل مأسوية. وترسم المذكرات التي نشرها بعض الجنود صورة فاجعة لكيفية تلقّيهم الأمر بالانسحاب. فعلى امتداد أشهر وأعوام كان يقال لهؤلاء الرجال إن هذه هي المعركة الأخيرة، وإنها فرصتهم لتحرير فلسطين، وإنه يمكن القضاء على إسرائيل التي هي على مرمى حجر ليس إلاّ، في لمح البصر، وإن جيشهم هو أقوى جيوش الشرق، وإن المعركة كلها لن تستغرق أكثر من بضع ساعات.

وفعلاً، استغرقت المعركة بضع ساعات، لكن نتيجتها لم تكن النتيجة التي انتظرها هؤلاء الرجال وتمنّوها.

كان الرجال المدججون بالسلاح في أرض سيناء يتطلعون إلى الشرق بشوق وحماسة. ويصف لنا عصام دراز في كتابه “ضباط يونيو يتكلمون”، الذي يُعدّ مصدراً نادراً لروايات الضباط والجنود، كيف استقبل الرجال المدججون بالسلاح في أرض سيناء، والذين يتطلعون إلى الشرق بشوق وحماسة خبر الانسحاب، فيقول: “كانت الإذاعة لا زالت تذيع أناشيد النصر وبيانات تبشرنا بتدمير طيران إسرائيل، وهتافات وشعارات في الإذاعة [تقول إن] قواتنا على مشارف تل أبيب”، ( عصام دراز، “ضباط يونيو يتكلمون: كيف شاهد جنود مصر هزيمة ٦٧” ، ص ١٤٠.) وفجأة أخبرهم قادتهم أن قرار الانسحاب صدر، وأن عليهم أن يتجهوا غرباً لا شرقاً.

وفي نص أدبي كتبه بناء على ما جمعه من شهادات للضباط والجنود، يصف دراز الأثر الذي أحدثه في الرجال ذلك التضارب، بين حماستهم للهجوم على إسرائيل وأمر الانسحاب. ففي “قصة حب من يونيو ٦٧” يقول على لسان بطل الرواية:

كان مشهداً مؤثراً في النفس عندما بدأت جرارات المدفعية تدور حول نفسها وتعود بمدافعها إلى الخلف كأنها خيول جامحة تلوي أعناقها بعد أن خسرت سباقاً لم تدخله بعد.

         كان الحزن بادياً عليها وعلى مدافعها المقطورة وعلى رجالها الصامتين، وعادت الدبابات إلى طريقها المجهول، وراح الغبار الذي تثيره جنازيرها يرتفع إلى عنان السماء في سحب صفراء كثيفة.  (عصام دراز، “قصة حب من يونيو ٦٧” ، ص ٩١).

بعض الضباط راودته فكرة عدم إطاعة أمر الانسحاب، إذ لم يهن على هؤلاء الضباط الانصياع له من دون أن يشاركوا في القتال. محمد عبد الحفيظ، مثلاً، وهو من ضباط المظلات الذين كانوا يحتلون شرم الشيخ، والذين نفذوا قرار إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية في ٢٤ مايو، أي قبل الحرب بثلاثة أسابيع، اقترح على رفاقه أن يهجموا على إيلات بدلاً من أن ينسحبوا إلى السويس، قائلاً:

إذا كانت الحرب قد بدأت فعلاً، والمسافة بيني وبين ميناء إيلات الإسرائيلي أقل بكثير من المسافة بيني وبين السويس، لماذا لا نقوم بالاتجاه نحو إيلات والهجوم عليها بدلاً من الانسحاب للسويس؟ فلنهاجم إيلات، وإذا نجحنا نخترق إسرائيل من الجنوب، من صحراء النقب، وهذا وحده سوف يخفف الضغط على باقي القوات التي تقاتل، وخاصة وأن معنا قوة كافية تدعمنا [من] البحرية. وإذا حدث وفشل هذا الهجوم من الممكن أن نتجه إلى ميناء العقبة الأردني. (دراز، “ضباط يونيو يتكلمون”،  ص ١٤٠-١٤١).

ولم يكن الأمر مختلفاً بالنسبة إلى الجنود، فهم أيضا عزّ عليهم أن يُسلبوا فرصة محاربة إسرائيل. يصف يحيى سعد باشا، أحد ضباط الاستطلاع الذي تمركزت وحدته في الكونتيلا على بعد خمسة كيلومترات من الحدود، كيف توغلت وحدته بعمق ١٧ كيلومتراً داخل إسرائيل قبل أن تواجه كتيبة دبابات شيرمان 51 إسرائيلية، ويضيف أن معنويات رجاله كانت مرتفعة وأنه كان في استطاعتهم إلحاق الهزيمة بالكتيبة الإسرائيلية لولا السلاح المعطوب الذي كان في حيازتهم. فقبل المعركة بوقت قليل احضروا له آر. بي. جي. جديدا (وهو سلاح خفيف مضاد للدبابات يحمله الجندي على كتفه)، وعندما استفسر عن الذخيرة قيل له أنها نفس ذخيرة السلاح القديم، وهو قول اكتشف كذبه أثناء المعركة:

كانت المنطقة كلها قد تحولت إلى جحيم من الطلقات. كان على بعد أمتار مني جندي… يحمل الـ آر. بي. جي. حاول ضرب إحدى الدبابات المتقدمة ولكن الطلقة لم تخرج… كانت الدبابة تتقدم نحوه وهي تطلق النيران. حاول مرة أُخرى ففشل. وفجأة نهض من مكانه وانطلق نحو الدبابة معرضاً نفسه للنيران وهو يحمل الـ آر. بي. جي. في يده ويصرخ “خيانة”، وألقى بنفسه فوق الدبابة الإسرائيلية وهو يضربها بالـ آر. بي. جي. كالمجنون. (دراز، ظباط يونيو، ص ٥٢).

لم يستطع بعض الضباط مواجهة جنودهم فأخفوا عنهم حقيقة الأمر بالتحرك غربًا. ويصف ضابط الإشارة محمد أحمد خميس، كيف تلقى قائد وحدته أمر الانسحاب وأخفاه عن الجنود الذين كانوا ممتلئين حماسة من وقع الأغاني والشعارات التي كانوا يسمعونها تشحيذاً لهم على مدار الأيام والأسابيع السابقة على الحرب. في ليلة السادس إلى السابع من حزيران / يونيو، صعد الرجال إلى الشاحنات بحماسة، و:

بدأنا التحرك والجنود لا يعلمون إلى أين نحن ذاهبون. وظللنا نتحرك معظم ساعات الليل، وفجأة نظر سائق العربة إلى الأمام فشاهد القناة، فوجدته يصرخ “إحنا انسحبنا، إحنا انسحبنا.” وراح يبكي في ذهول وهلع. لقد ظن الجندي أنه اقترب من العدو، وأنه يهجم عليه، ولكنه فوجئ بالقناة، وأنه كان ينسحب. (دراز، ظباط يونيو، ص ٧٣).

 

وهناك أخيراً قصة ضابط الاستطلاع عادل محجوب الذي كانت وحدته تحتل موقعاً في وادي الجميل على مسافة ٤٥ كيلومتراً شرقي العريش. لم يتخيل عادل أن “هناك معلومات مشددة من القيادة العليا تقضي بعدم القيام باستطلاع داخل أراضي إسرائيل. كان ذلك بعيداً عن خيالي، إذ كيف نحارب بلا استطلاع يومي دقيق براً وجواً وبحراً؟” لذا أخذ عادل على عاتقه القيام بمهمة استطلاع من دون أوامر، فعبر الحدود مع جنود فصيلته ووجد نفسه أمام مستعمرة غِفعات راحيل:

وكانت المفاجأة هي أننا أمام جنة وسط الصحراء، أشجار وأرض خضراء، ومياه ونور، وخنادق ودشم بالأسمنت المسلح وطريق أسفلت يربط المستعمرة بالمستعمرات الأُخرى. شاهد الجنود هذه المستعمرة المجهزة للسلم والحرب وقارنوا بين واقعهم المرير وواقع الجندي الإسرائيلي أمامهم. لا وجه للمقارنة. على الرغم من أن الأرض واحدة وطبيعة الجو واحدة، كان الفرق كبيراً، فهناك تنظيم، وهنا فوضى. هناك مياه وأكل طازج، وهنا لا مياه ولا أكل إلاّ كل عدة أيام. هناك حماية كاملة من دشم محصنة، وهنا لا حماية مطلقاً وأسلحة خفيفة لا تصلح إلاّ في مهام الاستطلاع الخفيفة.

عدت بوحدتي إلى نقطة الملاحظة بعد أن درسنا العدو دراسة جيدة.

[….] وفوجئت بالقائد ثائراً لأني قمت بدورية استطلاع حول المستعمرة الإسرائيلية دون الرجوع إليه. حاولت أن أشرح له أن هذا العمل واجب الاستطلاع الحقيقي، إلاّ إنه قام بتحويلي إلى القيادة العليا لتوقيع عقاب صارم ضدي.

ويكمل الضابط عادل روايته ويصف انهيار الجيش في أثناء الانسحاب، وكيف استطاع النفاذ بدبابة عبر ممر متلا إلى القناة:

اخترقت ممر الجحيم بدبابتي، واتجهت إلى السويس وحولي الدبابات والعربات تحترق من كل اتجاه. وعندما عبرت القناة وصلت إلى الضفة الغربية فوجدت قائد الكتيبة الذي عاقبني لأني قمت بمهمتي كضابط استطلاع على أكمل وجه، وعندما وجدني أمامه هتف قائلاً: كنتَ على حق. وكنا نحن على خطأ. (دراز، ظباط يونيو، ص ٩٧-١٠٣).

عنب. عنب. عنب

وإذا عدنا إلى الضباط وكبار قادة الجيش، فسنجد أن روايتهم عن الحرب بصورة عامة، وليس عن قرار الانسحاب فقط، لا تقل مأسوية، والصور التي رسموها جميعهم لا تصف جيشاً، وإنما مجموعة من الناس ربما تكون تملك سلاحاً متطوراً، لكنها تفتقد النظام والانضباط وقبل كل شيء القيادة الحكيمة .

يقول عبد اللطيف البغدادي في مذكراته أنه عندما ذهب إلى مكتب المشير في القيادة العامة في 7 حزيران / يونيو، تقابل مع عبد المنعم أمين الذي كان هو الآخر عضواً في مجلس قيادة الثورة، فأخبره أنه سمع من إذاعة “صوت أميركا” أن إسرائيل تدّعي استيلاءها على بلدة الرمانة التي تقع على الطريق الساحلي بين العريش والقنطرة، أي أن القوات الإسرائيلية توشك أن تهدد قناة السويس، وأن عبد الحكيم عامر، القائد العام للجيش، لم يكن على علم بهذا الهجوم. وهذا معناه أن القيادة العامة للجيش في أثناء العمليات كانت تستقي معلوماتها من الإذاعات الأجنبية. (عبد اللطيف البغدادي، مذكرات، ج ٢، ص ٢٩٢).

قدّم محمد فوزي وصدقي محمود، قائد سلاح الطيران والدفاع الجوي، وغيرهما في شهاداتهم أمام لجنة تقصّي الحقائق في سنة  ١٩٧٦، تفصيلات مأسوية عن الأحداث التي سبقت الحرب، وعمّا حدث خلال المعركة، وقد يكون مفيداً الإلمام ببعضها.

قال صدقي محمود أنه لم يعلم ببلاغ التعبئة العامة الصادر في ١٤ مايو إلاّ من الصحف، وعندما حاول الاتصال بعبد الحكيم عامر للاستعلام عن الأمر قيل له إنه “نايم”، ثم اتصل بالفريق أول محمد فوزي رئيس الأركان الذي قال له: “لا أبداً سيادتك، دي عملية مظاهرة.” (سليمان مظهر، “اعترافات قادة حرب يونيو: نصوص شهاداتهم أمام لجنة تسجيل تاريخ الثورة”، ص ١٠٩). ويضيف أنه كانت هناك خطة موضوعة، اسمها المرمّز “فهد”، كان غرضها الإغارة على المطارات الإسرائيلية بقصد ضرب الطيران الإسرائيلي ضربة مفاجئة وتحقيق السيطرة الجوية. وبعد أن أخذ سلاح الجو المصري وضعية تنفيذ هذه الخطة بدأ المشير يصدر أوامره لصدقي بضرب أهداف أُخرى غير المطارات، فتارة يأمره بضرب إيلات، وطوراً بضرب المفاعل الذري في ديمونا، وتارة معامل التكرير في حيفا. وفي النهاية صاح صدقي بعامر قائلاً: “يظهر إن سيادتك فاكر إن أنا قائد سلاح الطيران الأمريكي.” (ص. ١١١) ولم يُخفِ صدقي في شهادته مدى حنقه على جهاز الاستخبارات الحربية الذي فشل في الكشف عن “القنبلة الخارقة للإسمنت” التي صنعتها إسرائيل لاقتلاع مدرجات الطائرات؛ (ص. ١١٨) كما أخفق في معرفة أن سلاح الجو الإسرائيلي طوّر طائراته بتزويدها بخزانات وقود إضافية ليتيح لها إطالة مدة التحليق ونطاقه لتتمكن من بلوغ العمق المصري. (ص. ١١٩).

وادعى صدقي كذلك أنه طلب تكراراً تمويلاً إضافياً لبناء دُشم (ملاجئ) لحماية طائراته، لكن جميع طلباته رُفضت لعدم توفر المال. وأضاف أنه قدّم في سنة ١٩٦٦ تقريراً أكد فيه أنه حتى إن تمت تلبية طلباته التمويلية كلها، فإن سلاح الطيران لن يكون مستعداً للقتال قبل سنة ١٩٧٠. (ص. ١٠٨) وجرّاء نقص التمويل ظلت الطائرات قابعة في المطارات من دون دُشم تحميها من المقاتلات المعتدية، وبالتالي عندما حُشدت القوات في سيناء في ١٤ مايو، ألح صدقي على بناء دشم لحماية الطائرات، فرد عليه المشير بالقول “كلّم عبد المحسن أبو النور عنده زكائب كثيرة جداً، أكياس رمل كثيرة جداً. ابعث استلمهم، واستكملوا التكسية للمطارات [كسوة المطارات] التي في سيناء.” فما كان من صدقي إلاّ أن طلب تلك الأكياس، لكنه اكتشف أنها ما هي إلاّ بالات خيش. “طلبنا كل الترزية الموجودين عندنا وفي المصانع حتى نخيط الخيش ونفصّله ونعمله زكايب. هذا كان الموقف بالنسبة لنا.” وكي تتأكد لجنة التحقيق من أنها فهمت جيداً سألته: “شكاير رمل يعني؟” فردّ صدقي: “شكاير رمل أيوه يا فندم.”. (ص ١٢٨)

أمّا عبد الفتاح أبو الفضل، نائب رئيس الاستخبارات، فكتب في مذكراته أنه ذهب في ٢٤ مايو إلى مدينة القنطرة شرق لإلقاء خطب وكلمات مشجعة في قوات الاحتياط التي كانت في طريقها إلى الجبهة، لكنه فوجئ بحالة من الفوضى جعلته يعتذر عن إلقاء الكلمة التي كان قد حضّرها. يقول:

كان الكل في ملابس مدنية، ومعظمهم بجلاليبهم الريفية ويحملون بنادقهم وليس هناك أي زي عسكري، [….] وشُحنوا في السكك الحديدية كالدواب دون أي تجهيز أو ترتيب إداري من مأكل أو مشرب أو راحة… حشد هائل من الشباب والرجال الضائعين نتيجة إهمال واستهتار سلطات القوات المسلحة بآدميتهم وإنسانيتهم… وسألت نفسي: هل هذه هي حالة قواتنا التي سنواجه بها جنود عدوتنا إسرائيل؟ وفي المقابل، هل عدوتنا إسرائيل عندما أعلنت التعبئة العامة عاملت شبابها بهذا الأسلوب غير الآدمي؟ (عبد الفتاح أبو الفضل، “كنت نائباً لرئيس المخابرات” ، ص ٢٧٩).

 

وقال قائد اللواء المدرع الرابع عشر عبد المنعم واصل الذي قاوم القوات الإسرائيلية بشراسة، إنه عندما نُشرت وحدته في سيناء، وتلقت الأمر بالتقدم إلى جبل لبني، جرى تغيير موقعه ثلاث مرات قبل أن تندلع المعركة فعلياً. وبسبب هذا التغيير المستمر في الخطط الذي بدا غير منطقي على الإطلاق بالنسبة إليه، اجتازت وحدته ٩١٠ كيلومترات حتى قبل أن تبدأ المعركة، وكان على رجاله أن يحفروا مئات من الأقدام المكعبة في الرمال لإخفاء دباباتهم. وفي إحدى هذه المرات “لم ينم أي فرد من قوات اللواء حتى تم حفر مواقع الدبابات والأسلحة”، وما إن أتم تلك المهمة حتى صدرت إليه أوامر جديدة بترك الموقع والتوجه لمؤازرة الفرقة السابعة مشاة التي كانت تعمل في منطقة الشيخ زويّد شمالي سيناء. ويضيف: “طلبت من القيادة القيام باستطلاع لمنطقة اللواء في الشيخ زويد قبل التحرك، ولكن القيادة قالت لي علشان خاطرنا اتحرك دون استطلاع لأن الوقت ضيق”، فرد قائلاً: “الحرب ما فيهاش علشان خاطرنا.” (دراز، “ضباط يونيو يتكلمون”، ص ٥٩-٦٠).

اللواء عبد المنعم واصل

وبسبب كثرة تنقلاته، كانت دباباته عندما بدأت الحرب في الخامس من حزيران / يونيو في حاجة ماسة إلى الصيانة والإصلاح، وكان رجاله منهكين حتى قبل أن يبدأ القتال.

أمّا صدقي فأكد أمام لجنة تسجيل تاريخ الثورة أن سلاح الجو لم يقم بطلعات استطلاعية كافية، وأن الطائرات القليلة التي قامت بطلعات عادت بصور مشوشة لأن الكاميرات المثبتة على الطائرات لم يكن ممكناً تدويرها أو تثبيتها بزاوية منحنية، الأمر الذي يعني أنه كان على الطائرات أن تحلق عمودياً فوق أهدافها للحصول على صورة واضحة.(مظهر، اعترافات، ص ١٥٠(.

ويقدم الطيار هشام مصطفى حسن وصفاً مأسوياً لمدى استعداد القوات الجوية للهجوم على إسرائيل. ففي يوم ١٤ مايو استُدعي من الاحتياط من منزل أحد أقاربه في الزمالك، وفي أقل من ثلاث ساعات كانت طائرة نقل أليوشن تهبط به في مطار العريش. وسرعان ما طلبه قائد السرب ليجتمع به فوراً. ويقول:

وقبل أن يبدأ الاجتماع بدقائق تصل طائرة حربية أُخرى عليها ضابط برتبة كبيرة يحمل مظروفاً مغلقاً ومختوماً بالشمع الأحمر، وينتحي جانباً بقائد السرب ويتبادلان حديثاً قصيراً والجدية على الوجوه، ويسلمه المظروف وينصرف في الطائرة حيث ترتفع بدون أن نعلم من أين أتى، أو إلى أين سيذهب. حجرة الطوارئ وحول منضدة كبيرة يبدأ قائد السرب في ترتيب صور جوية فوتوغرافية غير واضحة المعالم تماماً ويظهر عليها القدم. الصور لمدينة إيلات الإسرائيلية، وقائد السرب يشير بإصبعه على هدف ويحدد التشكيل المطلوب منه تدمير هذا الهدف، وينتقل إلى هدف آخر ويحدد له تشكيلاً آخر، وهكذا حوالي ستة أو سبعة أهداف… وسأله أحد الزملاء الطيارين عن تاريخ التقاط تلك الصور الجوية، فبان نوع من الألم على وجه قائد السرب وهو يقول: سنة ١٩٤٨. يا إله السموات!! أنذهب لضرب أهداف كانت موجودة منذ ذلك الحين؟! (دراز، ضباط يونيو، ص ٢٣-٢٤).

 

على أن القصة التي تلخص مأساة هذا الجيش التعس أكثر من غيرها هي تلك المتعلقة بالإشارة التي أرسلها الفريق أول عبد المنعم رياض قائد الجبهة الأردنية من قاعدة عجلون الجوية في الأردن. ففي الساعة ٨:٤٥ صباح ٥ يونيو، رأى رياض على شاشات الرادار عشرات القاذفات والمقاتلات الإسرائيلية تتجه غرباً، فأرسل على الفور إشارة “عنب عنب عنب” المشفرة والمتفق عليها سلفاً. تلقت القاهرة الإشارة، لكن بسبب قيام ضابط الاتصالات بتغيير مفتاح الشيفرة قبل ذلك بدقائق، لم يتمكن ضباط الاتصال من فك الشيفرة وفهم الإشارة، الأمر الذي كان في إمكانه تغيير تطورات الحرب برمّتها. وكان هناك فرصة ثانية في أن يقوم ضباط الاتصال في مكتب وزير الحربية شمس بدران بفك شيفرة الإشارة. ولنترك فوزي يحكي لنا القصة المأسوية:

أمّا المحطة الفرعية [….] في مكتب شمس بدران [وزير الحربية] في كوبري القبة فقد استلمت الإشارة، وتحليلها واضح ولا يمكن أن يحدث فيه سوء فهم. إنه إنذار أكيد ببدء هجوم طيران العدو على أراضي مصر…، إلاّ إن الضابط المناوب في كوبري القبة لم يخطر الوزير لعدم وجوده في مكتبه، [….] وبعد مرور حوالي ٤٠ أو ٤٥ دقيقة من استلام الضابط المناوب للإنذار، وبالصدفة خلال مكالمة تليفونية عابرة مع زميله بالمحطة الرئيسة… أراد أن يذكّره بنفس الإشارة، وما فيها من اسم كودي يدلل على طائرات العدو المغيرة. فقابله الضابط المناوب على نفس المحطة الرئيسة بالتهكم قائلاً: “عنب إيه وبصل إيه؟! دول فوق دماغنا.”  (فوزي، حرب الثلاث سنوات، ص ١٣٣).

 

من هذه الروايات، سواء تلك التي كتبها ضباط وجنود، أو تلك التي نُقلت من ميدان المعركة أو من مقر القيادة العامة في القاهرة، تتكون لدينا صورة، ليس عن جيش، وإنما عن حشد من الرجال الذين جُمعوا عنوة، وشُحذت حماستهم من خلال الأغاني الوطنية التي تتغنى بها إذاعة القاهرة، لكنهم جُهزوا بأسلحة معطوبة، وتسلّموا خططاً لا قيمة لها، وتلقوا توجيهات غير منطقية من قيادات عسكرية مهترئة تفتقر إلى أدنى مستويات المهنية والاحتراف.

وكان من نتيجة هذه المشكلات الجوهرية أن جميع الأخطاء التي كان يمكن أن تحدث حدثت. حتى الطقس لعب دوره وزاد الطين بلة، حرفياً لا مجازاً. ففي أعقاب حشد القوات لسيناء، ونتيجة للقرارات المتضاربة وللتحركات الطويلة ولقلة الطرق الممهدة ساد الاضطراب وعمت الفوضى. وفجأة أمطرت السماء واستحالت الطرق أوحالاً، “ولم تكن المركبات مجهزة يمسّاحات للأمطار لمواجهة مثل هذا الموقف في شهر حزيران / يونيو، الأمر الذي أدى إلى وقوع حوادث كثيرة.” (صلاح الدين الحديدي، شاهد على حرب ٧٨، ص. ١٥٣).

أسئلة بلا أجوبة

تثير هذه الروايات أسئلة أكثر ممّا تقدم إجابات. لقد عملتُ على مراجعتها بدقة مع التركيز على موضوع محدد هو: قرار الانسحاب. وكلما قرأت المزيد، تجمع لدي أسئلة أكثر، وعدد أقل من الإجابات الموثوق بها. وبين هذه الأسئلة ما يلي:

  • هل أصدر المشير عبد الحكيم عامر أمر الانسحاب بمفرده من دون الرجوع إلى عبد الناصر، مثلما تُجمع شهادات أغلب القادة الواردة أسماؤهم اعلاه، أم إن المشير استشار عبد الناصر قبل إصدار القرار، كما يؤكد عبد المحسن كامل مرتجي، القائد العام لقوات الجبهة وقائد القوات البرية؟ (عبد المحسن مرتجى، “الفريق مرتجى يروي الحقائق: قائد جبهة سيناء في حرب ٦٧، ص ١٨٣).
  • هل صدر الأمر في الساعة ٥:٠٠ صباحاً من يوم ٦ يونيو، كما يزعم هيكل، أم في الساعة ٥:٠٠ بعد الظهر كما يؤكد فوزي؟
  • هل صدر أمر واحد (في ٦ يونيو) أم أمران (في ٦ يونيو، وأمر آخر في ٨ من الشهر نفسه)؟
  • هل تضمّن القرار انسحاباً إلى قناة السويس أم إلى المضايق؟
  • هل كان مخططاً أن يجري الانسحاب خلال ليلتين أم ثلاث؟
  • ماذا جاء في هذا الأمر؟ وما هو نصه الحرفي؟

حتى اليوم، وبعد ٥٠ عاماً، لم نحصل على إجابات عن هذه الأسئلة البسيطة المتعلقة بحقيقة ما جرى، مع أن هذه الأسئلة لا تتعلق بتفسير أو تأويلات أو رؤى، وإنما بالوقائع. لكن في غياب القدرة على الوصول إلى تلك المعلومات لا يمكننا أن نبدأ بالإجابة عن الأسئلة الأهم: هل كان الأمر بالانسحاب ضرورياً؟ وهل كان حكيماً؟ وهل كانت المشكلة فقط في التنفيذ، وفق ما يقول هيكل؟ وخلف هذه الأسئلة يوجد السؤال الأكبر: هل كانت الهزيمة حتمية؟ وإذا كانت كذلك، هل تعيّن أن تكون ماحقة؟

إن السبب الذي يجعلنا عاجزين عن الإجابة عن هذه الأسئلة هو أن دار الوثائق المصرية التي يفترض أن توفر المكان الرسمي لحفظ وثائق الدولة، مغلقة أمامنا. ومع أنها تضم ملايين الوثائق، إلاّ إن الرقابة الأمنية على الأرشيف تجعلها غير ذات جدوى. فعلى الرغم من ضخامة دار الوثائق القومية، وكونها إحدى أكبر دور حفظ الوثائق في المنطقة، وعلى الرغم من أنها تحوي وحدة أرشيفية اسمها “وثائق المشير عبد الحكيم عامر”، فإن دار الوثائق فشلت في تزويد الباحثين بأي معلومات، والسبب في ذلك بسيط: التدابير الأمنية المتشددة التي تشترط حصول الشخص على إذن من الأمن فيما يتعلق به وبموضوع بحثه. وبالتالي فإن متوسط عدد الذين يترددون على غرفة المطالعة في أي يوم من الأيام هو أقل من عشرة، هذا بالرغم من ملايين الوثائق المحفوظة في مخازن الدا.

على أن ما يزيد الطين بلّة هو أن حتى لو حصل الشخص على تصريح من الأمن بالاطلاع على الوثائق، فإنه لن يجد إلاّ النزر اليسير منها، والمتعلق بحرب ١٩٦٧، ذلك بأن الجيش ما زال محتفظاً بمخاطباته ومراسلاته، ولم يفرج عن تلك الأطنان من الأوراق لدار الوثائق، ولا يُسمح للباحثين بالاطلاع على ما في حيازته من وثائق تاريخية.

وهكذا فإن ما نعرفه عن حرب ١٩٦٧ ليس مستقى من الوثائق الرسمية للدولة أو للجيش، وإنما بشكل رئيسي وعلى الأغلب من مذكرات قادة الجيش والضباط والجنود الذين شاركوا في هذه الحرب، وبشكل ثانوي ممّا نشرته الصحف عن الحرب مع ما اعترى هذه التقارير بالضرورة من تحوير. والأنكى أن نجد أحد هؤلاء القادة، عندما جلس لكتابة مذكراته عن الحرب بعد عشرة أعوام، يضطر إلى الاستعانة بمصادر إسرائيلية ليسترجع ما حدث لوحداته!! فالفريق مرتجي الذي كان قائداً عاماً للجبهة في سيناء يقول بشأن توقيت قرار الانسحاب:

[….] الاحتمال الكبير أن تكون أوامره [الانسحاب] قد صدرت قبل الساعة السابعة مساء [يوم  ٦ يونيو]. والذي يقوّي هذا الاحتمال عندي أني قرأت [في] أحد المراجع العسكرية أن العميد جافيتش قائد القيادة الجنوبية للعدو الإسرائيلي وصل في الساعة السابعة والنصف مساء يوم 6 يونيو بطائرة هليكوبتر إلى مقر مجموعة العمليات الشمالية ـ قيادة تال ـ وأخبر قائد المجموعة بأنه علم من أسرى الحرب المصريين أن القيادة العامة المصرية أصدرت أوامرها إلى الجيش المصري بالانسحاب إلى خط الدفاع الثاني.(ص ١٨٥).

لا يمكن تخيل دليل أقوى من هذا على فداحة الهزيمة: قائد الجبهة المصرية، عندما جلس لكتابة مذكراته بعد مرور أكثر من عشرة أعوام على أهم معركة شارك فيها، لا يستطيع الوقوف على واحدة من أهم الحقائق الجوهرية عن المعركة سوى بالرجوع إلى كتاب أجنبي يستشهد بروايات أحد قادة العدو الذي كان يحاربه.

لجنة عسكرية لكتابة التاريخ

مع ذلك، هناك استثناء وحيد لغياب الوثائق الأصلية المتعلقة بالحرب، يتمثل في وثائق لجنة تقصّي الحقائق الوارد ذكرها آنفاً. فهذه اللجنة كانت بدورها جزءاً من لجنة أوسع تسمى “لجنة إعادة كتابة تاريخ مصر” التي شكلها الرئيس أنور السادات في  يناير ١٩٧٦، وقد وضعت يدها على جميع وثائق ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢. وعُهد برئاسة هذه اللجنة إلى حسني مبارك، نائب رئيس الجمهورية حينذاك، لكن حسني مبارك ترك رئاسة اللجنة بعد ثلاث جلسات فقط، وعهد بها إلى الدكتور صبحي عبد الحكيم، أستاذ الجغرافيا، ورئيس مجلس الشورى لاحقاً.

(للمزيد من المعلومات عن هذه اللجنة، انظر: مظهر، مصدر سبق ذكره ص ١٧ – ١٨؛ محمد يونس هاشم، “هزيمة يونيو ٦٧ وتحديد المسؤولية” (القاهرة: دار زهور المعرفة والبركة، ٢٠١٥)، ص ٥؛ مصباح قطب، “فكري الجندي: النكسة مسؤولية ‘عبدالناصر’.. وعامر ‘اتخض’ من الهجوم الإسرائيلى فأمر القوات بالانسحاب”، “المصري اليوم”، ٤  يونيو ٢٠١١، في الرابط الإلكتروني التالي: http://www.almasryalyoum.com/news/details/136230)

شكلت اللجنةُ لجنةً فرعية تُعنى بالنواحي العسكرية، وخصوصاً بحرب يونيو، واستمعت الأخيرة إلى كبار قادة الحرب وسجّلت شهاداتهم، كما اطلعت على يوميات الحرب من واقع سجلات هيئة عمليات القوات المسلحة. وكتب أعضاء اللجنة الفرعية، وكلهم عسكريون، دراسات من واقع الأوراق والسجلات الرسمية المحفوظة في وزارة الحربية / الدفاع عن مجريات الحرب وتفصيلاتها، ومن ضمن تلك الدراسات دراسة بعنوان “خطة الضربة الجوية الإسرائيلية وأسباب نجاحها وآثارها” بقلم اللواء فكري الجندي، أحد أعضاء اللجنة.

وعندما انتهت اللجنة الأم من أعمالها، وقبل إعلان ما انتهت إليه من نتائج، اغتيل السادات وتولى حسني مبارك الرئاسة، ومن وقتها لم نسمع شيئاً عن هذه اللجنة ولم نقرأ نتائجها التي ما زالت مدفونة. وفجأة ومن دون مقدمات نشرت دار الحرية، وهي دار نشر خاصة، في سنة ١٩٩٠، بعض تقارير اللجة الفرعية (اللجنة العسكرية) في كتاب بعنوان: “اعترافات قادة حرب يونيو”.

يتضمن الكتاب الصغير الحجم الذي لا يتجاوز ٢٤١ صفحة معلومات أكثر أهمية من مجلدات هيكل بصفحاتها اللانهائية، إذ ولأول مرة تتاح لنا فرصة الاطلاع على شهادات خمسة من قادة الحرب هم: الفريق أول محمد فوزي، رئيس الأركان؛ الفريق أول محمد صدقي محمود قائد القوات الجوية؛ الفريق أول عبد المحسن مرتجي، قائد القوات البرية وقائد الجبهة؛ الفريق أنور القاضي، رئيس هيئة العمليات؛ اللواء عبد الستار أمين، مدير مكتب شمس بدران وزير الحربية.

وعلى الرغم من أهمية هذه الشهادات وفرادتها، فإنه يمكن تسجيل بعض النقاط النقدية بشأن عمل اللجنة الفرعية كما يسجلها هذا الكتاب الفريد، ومثلما يظهر من التحقيقات المسجلة فيه.

أولاً، أن هذه اللجنة لم تقم على ما يبدو بعملها بصورة مهنية أو جدية. فهذه لم تكن لجنة مستقلة أو محايدة تتوجه بنتائجها إلى الرأي العام كي يقف على هول ما حدث ويحاسب المسؤولين على فداحة الهزيمة، وإنما كانت لجنة رئاسية شكلها رئيس الجمهورية وقتها بزعم تقديم رؤية موضوعية إلى تاريخ مصر المعاصر، لكن يبدو من المعلومات القليلة المتاحة عنها أنها كانت جزءاً من صراع القوى الخفي بين أقطاب السلطة في مصر، أي الجيش والشرطة والرئاسة.

ثانياً، يتضح من الجزء المنشور أن هذه اللجنة لم تقم بعملها بشكل مهني، إذ كثيراً ما كان يُكتفى بأول إجابة يتم الحصول عليها من القائد على السؤال المطروح من دون التدقيق والمراجعة، ومن دون مواجهة القائد المُستجوب بحقائق ووقائع مغايرة لتلك التى أدلى بها.

ثالثاً، والأكثر أهمية، أنه في مناسبات عدة خلال الإدلاء بتلك الشهادات، كان المستجوَبون يشيرون إلى سجل مكتوب محفوظ في وزارة الدفاع. وهذه الإشارات العابرة تمثل مؤشراً إلى أن لدى وزارة الدفاع سجلاً قائماً بجميع تفصيلات حرب حزيران / يونيو، بما في ذلك نصوص البلاغات الصادرة إلى مختلف الوحدات والتقارير الاستخباراتية وسجلات وحدات الجيش المتعددة.

         وفي الواقع، فنحن نعرف من كتاب آخر نُشر في سنة ٢٠٠٣، أن وزارة الدفاع لديها أرشيف كامل عن حرب ١٩٦٧، كما عن غيرها من حروب مصر الحديثة. ومؤلف الكتاب ممدوح أنيس فتحي، هو رئيس سابق لوحدة الدراسات العسكرية والاستراتيجية في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في صحيفة “الأهرام”، كما شغل منصب المستشار السياسي والإعلامي لوزير الدفاع المصري السابق. ويبدو أنه نظراً إلى علاقاته بالمؤسسة العسكرية المصرية استطاع الحصول على موافقة من وزير الدفاع مكّنته من الاطلاع على وثائق ومراسلات رسمية مصرية لم تتح لغيره من الباحثين قبله أو بعده.

ويتضح من قراءة دقيقة لهوامش الكتاب الغزيرة أن في وزارة الدفاع المصرية وحدة اسمها “دار المحفوظات المركزية للقوات المسلحة”، وفي تلك الدار كنوز من الوثائق الفريدة بالغة الأهمية، منها وثائق اللجنة الفرعية لكتابة تاريخ الثورة المشار إليها أعلاه، ووثائق حرب اليمن خلال الفترة ١٩٦٢ – ١٩٦٧، وبعض الأوراق الخاصة بالرئيس جمال عبد الناصر، وبعض المذكرات الشخصية غير المنشورة لبعض المسؤولين الذين شاركوا في الأحداث. على أن أهم ما تحتويه هذه الدار هي المكاتبات الرسمية للجيش في أثناء العمليات القتالية، ومنها: تقارير المعلومات الأسبوعية للفترة من٨ يناير ١٩٦٧ إلى ٣١ ديسمبر ١٩٦٧؛ يوميات المخابرات الحربية عن الفترة من ١٤ مايو ١٩٦٧ إلى ١٠ يونيو ١٩٦٧؛ تقارير المخابرات العامة من ٤ مايو ١٩٦٧ إلى ٢٢ يونيو ١٩٦٧؛ سجلات سير الحوادث اليومية؛ وثائق واردة من إدارة القضاء العسكري (٧٠٨ ورقات) خاصة بمحاكمة كل من الوزير السابق شمس بدران والفريق أول متقاعد صدقي محمود واللواء متقاعد صدقي الغول؛ وثائق قضية قلب نظام الحكم بزعامة عبد الحكيم عامر للفترة من ١٨ سبتمبر ١٩٦٧ إلى ٢مارس ١٩٦٨ (٣٦٣ ورقة)؛ مذكرة صادرة من مدير الاستخبارات الحربية إلى القائد العام للقوات المسلحة عن أسباب النكسة مؤرخة في ١٨ يونيو ١٩٦٧؛ وغيرها كثير وكثير.

معركتنا الحقيقية

في مذكراته التي يعلق فيها على الاشتباكات البرية أثناء الحرب، كتب صلاح الدين الحديدي الذي ترأس لاحقا المحكمة التي حاكمت قادة سلاح الطيران:

أما عن الاشتباكات البرية التي بدأت مباشرة في سيناء بعد خروج الطيران من المعركة، … فلم يكن لي شرف الاشتراك فيها بالقدر الذي يمكنني من وضع الصورة التفصيلية أمام القارئ… ومع ذلك فإن مرحلة الاشتباكات هذه تعتبر من أسهل الأعمال التي يمكن تسجيلها تاريخياً بمعرفة الجهات الرسمية المسئولة إذ أن وثائقها لا شك محفوظة في القيادة العامة للقوات المسلحة، وهي لا بد ستتولى في يوم من الأيام إصدار التاريخ الرسمي لهذه الفترة معتمدة على سجلات الحرب التي يدون فيها كل الأحداث التي وقعت، والقرارات التي اتخذت كإجراء حتمي وروتيني. وقد يكون في تحليل هذه الأحداث والقرارات اختلاف في رأي الباحثين عن دوافعها أو في تقرير نتائجها، أما كونها قد وقعت فعلاً فلا ينبغي أن يكون هناك خلاف حوله.” (الحديدي، شاهد، ص ١٨٩)

إذاً، إن الوثائق موجودة. الجيش المصري يمتلك وثائق كاملة، ودقيقة، ومفهرسة، ومرتبة، عن تفصيلات هزيمة ١٩٦٧ كلها، هذه الوثائق محفوظة بعناية في وحدة اسمها “دار المحفوظات المركزية للقوات المسلحة”. لكن، وعلى الرغم من القيمة التاريخية الفريدة لهذه الوثائق، فإنها محجوبة عنّا كمؤرخين، وكمواطنين، ولا يُسمح بالاطلاع عليها إلاّ للعسكريين.

تلك إذاً هي معركتنا الحقيقية التي يجب خوضها اليوم: الإصرار على حقّنا في الاطلاع على وثائق حرب ٦٧ التي لا يزال الجيش يُخفيها، ولا يسمح لأحد بالاطلاع عليها.

لماذا نطالب بالاطلاع على هذه الوثائق؟ ليس لأنها واضحة أو لأنها ستقدم لنا الحقيقة كاملة لا لبس فيها، وإنما ببساطة لأنها ستوفر بعض التفصيلات المهمة الغائبة عنا حتى اليوم، والتي ربما تمكّننا من بناء سردية محكمة عمّا جرى في حرب حزيران / يونيو. لأنه، وببساطة، وعلى الرغم من مرور نصف قرن على هذه الأيام السوداء فإننا لا نملك إلاّ افتراضات وتساؤلات وادعاءات غير مشفوعة بأهم وأبسط المعلومات، ولا زلنا نتساءل عن حقائق ووقائع بالإضافة طبعا لاختلافنا في الرؤى والتفسيرات والتحليلات.

من حقّنا أن نقرأ وثائق وأوراق جيشنا، ومن واجبنا أن نطالب بأن نعرف ما حدث في سنة ١٩٦٧، ووحده الاطلاع على الوثائق الرسمية سيتيح لنا إنتاج سردية يمكن بعدها كمؤرخين أن نختلف بشأنها.

لكن الأهم هو أن الاطلاع على هذه الوثائق سيثبت ويؤكد حقنا ليس فقط في قراءة مصادر تاريخ وطننا، بل أيضاً في مساءلة أولئك الذين كانوا مسؤولين عن أكبر هزيمة كارثية في تاريخنا الحديث.

إن إتاحة الوثائق التاريخية ليس مجرد وسيلة لمعرفة التاريخ، بل هي غاية في حد ذاتها أيضاً، وهذه الغاية هي مبدأ الشفافية والمساءلة. لا شك في ذهني في أن الزمرة العسكرية التي تحكمنا منذ أكثر من ٦٥ عاماً تعرف هذا تماماً وتدرك خطورة السماح للشعب بمساءلة قادته؛ إن السماح لنا بالاطلاع على الوثائق التاريخية يعني بالنسبة إليهم التخلي عن احتكارهم لكتابة التاريخ، والأكثر خطورة من ذلك، أنه يمثل سابقة جدية هي ممارسة الناس لحقّهم في محاسبة قادتهم.

بالتالي، فإن النضال من أجل الاطلاع على وثائق حرب ١٩٦٧ ليس مجرد نضال يتعلق بكتابة التاريخ، بل إنه قبل أي شيء آخر، نضال بشأن المواطنة والمساءلة أيضاً، لأنه بمجرد الإصرار على هذه الحقوق يمكننا أن نتخلص من هذه العصابة الفاسدة من الجنرالات عديمي الكفاءة الذين كانوا السبب الرئيسي في هزائمنا المستمرة على امتداد أكثر من نصف قرن.

One Comment

  1. محمد وجدي
    محمد وجدي 09/07/2017

    من هنا يا دكتور يرجى الاطلاع مذكور اسمك بوصفك احد اللذين يجلدون الذات ! يشألك اسعد عبد الرحمن و هل انتصر الجيش الأحمر في الحرب العالمية الثانية لانه نظام ديمقراطي؟!؟

    http://www.al-akhbar.com/node/279855

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: