Press "Enter" to skip to content

خمسون عاما على هزيمة يونيو (٧): سرديتان عن الهزيمة – جزء 1 من 2

سردية رقم ١: نكسة، فتنحي، فاستنزاف، فانتصار:

هذه سردية مألوفة، وهي السردية الرسمية التي ترسخت في أذهاننا عن حدث جلل قررنا جميعًا ألا نتعامل معه. هذه السردية تقول إننا ابتلينا بنكسة مؤقتة في يونيو كانت نتيجة تكالب القوى العظمي والأنظمة الرجعية علينا. هذه النكسة أعلن جمال عبد الناصر مسؤوليتة الكاملة عنها، وقدم استقالته للأمة في خطاب تاريخي لمس وترا حساسا في كل واحد منا. فعبد الناصر الذي كان أبا وراعيا أمسى في لحظة صدق ابنا أو أخا صغيرًا قد يكون أخطأ في حساباته ولكنه أبدا لم يخطئ في نواياه.

وما أن سمعت الجماهير صوت قائدها يقول “لقد اتخذت قرارًا أريدكم جميعًا أن تساعدوني عليه: لقد قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أى منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر،” حتى خرجت للشوارع في القاهرة تطالب “ناصر” بالعدول عن قراره.

ويصف الكاتبان الفرنسيان جاك دومال وماري لوروا اللذان شهدا الحدث مشهد الجموع الزاحفة على بيت عبد الناصر تطالبه بالبقاء: “كان الجميع يهتز ويزحف، حتى إذا طلع الفجر، انبثق مشهد عجيب: عاصمة كبيرة، تفوق مساحتها مساحة باريس، غشيتها أمواج شعبية هائلة، لا تعد بمئات الألوف مثلما حدث عام ١٩٣٦، بل بالملايين. تلك الملايين التي كانت قد صقفت مرارا لجمال، والتي كان الزعيم قد انتظر عبثا، في ١٩٥٢، “سيرها ، صفوفا متراصة، في زجفها المقدس”، ها هي ذي أخيرا، صفوفا متراصة، ها هي بالملايين، ولكن ليس في ساعة النصر، بل في ساعة الضيق، ساعة الأصدقاء الحقيقيين، ساعة المحنة. ولا يمكن لمن لم يشاهد الزحف الكبير بنفسه، أن يتصور شوارع مصر الجديدة الواسعة مثل شارع الشانزليزيه وقد امتلأت بحشود لا حصر لها، حتى أصبح من المستحيل مرور بائعي المرطبات والسندوتشات والحلوى.” (Jack DAUMAL, Marie LEROY, Gamal Abd-el-Nasser, Paris, Editions Seghers, 1967)

القاهرة، ٩ يونيو ١٩٦٧

 وعندما وصلته أخبار الملايين التي تطالبه بالعدول عن التنحي، وعندما تلقى عشرات الرسائل من رؤساء الدول والحكومات، أرسل عبد الناصر رسالة لأنور السادات، رئيس مجلس الأمة، ليقرأها على أعضاء المجلس بعد أن تعذر عليه التحرك من منزله والوصول للمنزل بنفسه.

وفي هذه الرسالة قال عبد الناصر “قد استقر رأيي على أن أبقى في مكاني وفي الموضع الذي يريد الشعب مني أن أبقى فيه حتى تنتهي الفترة التي نتمكن فيها جميعا من أن نزيل آثار العدوان،”

نواب الأمة يتهللون فرحا بقرار عبد الناصر العدول عن التنحي، ١٠ يونيو ١٩٦٧

وما أن أنقشعت هذه الغمة حتى حان وقت العمل الجاد لإعادة بناء القوات المسلحة، ففي اليوم التالي مباشرة، يوم ١١ يونيو، وقّع عبد الناصر قرارا بقبول استقالة القادة العسكريين المسؤولين عن النكسة: الفريق أول صدقي محمود، قائد القوات الجوية؛ والفريق أول سليمان عزت، قائد القوات البحرية؛ والفرقاء الأول أحمد حلمي إمام، وهلال عبد الله هلال، وعبد المحسن مرتجي، وجمال عفيفي، والفريق أنور القاضي. كما أحال للتقاعد كل من: اللواءات عبد الرحمن فهمي، و عثمان نصار، وحمزة البسيوني، واللواء طيار اسماعيل لبيب .

وبالرغم من إلحاح المشير عبد الحكيم عام للعودة لمنصبه، إلا أن الرئيس عبد الناصر تمسك برأيه بضرورة ابتعاد المشير عن القيادة، وهو ما كان الرجلان قد اتفقا عليه سويا ليلة ٨ يونيو في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة.

القائدان المهزومان: الفريق أول صدقي محمود والمشير عبد الحكيم عامر

وبعد أن تخلص من هذه القيادات الرثة عمل على استبدالهم بكل من الفريق أول محمد فوزي كقائد عام للقوات المسلحة، والفريق عبد المنعم رياض كرئيس هيئة أركان القوات المسلحة، والفريق طيار مدكور أبو العز كقائد للقوات الجوية، والفريق صلاح محسن كمساعد للقائد العام للقوات المسلحة، واللواء بحري فؤاد ذكري كقائد للقوات البحرية.

القادة المصممون على الانتصار: عبد المنعم رياض، جمال عبد الناصر، محمد فوزي

وبهذه القيادة الجديدة وارتكانا على التفويض الذي  ناله من الجماهير يومي ٩ و ١٠ يونيو بالإضافة إلى شحنات الأسلحة الجديدة التي كانت ترد من الاتحاد السوفيتي بدأ الإعداد الجدي لمواجهة إسرائيل عملا بالمبدأ الذي رفعه عبد الناصر: “ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”. وما هي إلا شهور قليلة حتى اندلعت حرب الاستنزاف، أو حرب الثلاث سنوات كما سماها الفريق أول محمد فوزي.

ثم مضت ثلاث سنوات أخرى اختفى فيها عبد الناصر واعتلى الحكم رئيس جديد، وتبدلت قيادات، وتغيرت الرئاسات، ولكن العزيمة والإصرار على القتال لم يتغيرا. وأثبت الجندي المصري أنه لو توفرت له قيادة رشيدة وأعطي سلاحا جيدا فبإمكانه تحقيق النصر. وكانت حرب أكتوبر خير دليل على ذلك. فبهذا النصر المجيد استطعنا، كشعب، وكقيادة، العبور فوق النكسة فاستعدنا عافيتنا وردت إلينا كرامتنا وحررنا الأرض المسلوبة.

على أن هذه السردية تتخللها  إشكالية مركزية وهي كيفية تفسير الهزيمة. فعبد الناصر، حسب هذه السردية قائد فذ، يعمل بجد وإخلاص من أجل رفعة شعبه، ويحاول جاهدا النهوض به. وهو إضافة لذلك قائد ذكي ملم بما يجري ليس فقط في المنطقة بل في العالم بأسره ويدرك أنه كزعيم لحركات التحرر الوطني في العالم محط احترام وتقدير بقدر ما هو هدف لقوى الاستعمار والرجعية. وطوال الأسابيع والشهور السابقة على الحرب كان مدركا لأن شيئا يحاك ضده وضد مصر، وكان يدرك أيضا أن لا الوضع الاقتصادي ولا الوضع العسكري يؤهلاه لخوض معركة ضد إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة. فما الذى دفعه للانزلاق في هذه الحرب التي كان يعلم جيدا أنه لن ينجو منها؟

يقدم حسنين هيكل أحسن إجابة لهذا السؤال الملغز. ففي الانفجار يقول إن عبد الناصر قد عمل جاهدا على ألا تصل الأزمة إلى نقطة صدام. “وكان تقديره أنه إذا استطاع أن يكسب وقتا، وإذا أفلتت إسرائيل فرصة الرد المباشر على خطوة إغلاق خليج العقبة، فإن الصدام يمكن تفاديه. وعندما بدا له من سير الحوادث أن احتمالات الصدام تتزايد يوما بيوم، فإنه لم يكن يعد نفسه لنصر عظيم. كان كل ما يريده معركة دفاعية تمتد أياما وتبدو فيها وحدة العالم العربي وتضامن شعوب آسيا وأفريقيا، وينعكس أثر ذلك على الرأي العام العالمي، ممثلا في الأمم المتحدة، مع ظهور أعراض أزمة في العلاقات بين القوتين العظميين، وساعتها يمكن الوصول إلى وقف لإطلاق النار، يبدأ البحث عن مخرج من الأزمة.” ويعلق هيكل على هذا التفسير بالقول “ولا بد من القول إن جمال عبد الناصر في هذا التصور لمسار الحوادث كان لا يزال محكوما بتجربته في السويس، في حين أن الأمور في هذه المرة كانت تندفع في اتجاه مختلف.” (هيكل، الانفجار، ص ٨٢٨-٨٢٩).

على أن هذه السردية، التي يعتبر هيكل من أهم صنّاعها، تتناول أيضا الدور المحوري الذي لعبه المشير عبد الحكيم عامر في النكسة. فحسب هيكل، يعتبر عامر المسؤول الرئيسي لما حل بالجيش، ففي يوم ٥ يونيو انهار المشر انهيارا تاما ولم يستطع تمالك أعصابه ولا الأخذ بزمام الأمور بعد ضربة الطيران في صباح هذا اليوم. ويعرض هيكل لتصرفات المشير في الأيام والأسابيع التي سبقت المعركة ويستنتج من هذا العرض أن المشير كان يعاني، من حالة نفسية تسمى بحالة “المزاج الدوري” manic depressive ، ويعتمد هيكل هنا على آراء كبار الأخصائيين النفسيين مثل الدكتور أحمد عكاشة. (الانفجار، ص. ٨٢٠).   ثم يزيد بُعدًا خاصًا لأزمة المشير وهي أزمة زواجه عرفيا من الفنانة برلنتي عبد الحميد، وإخفائه أمر هذا الزواج عن عبد الناصر.  ويفسر هيكل تصرفات المشير غير المتعقلة في الأيام السابقة على المعركة، وهي التصرفات التي أدت بالفعل إلى ازدياد فرص الصدام، على أنه كان محاولة منه لإثبات نفسه ورجولته أمام زوجته الجديدة. (هيكل، الانفجار، ص ٣٩٤ وما بعدها)

وإدراكا منه أنه قد يتساءل سائل: “وكيف اختار عبد الناصر رجلا بمثل هذا الضعف وبمثل هذه الهفوات ليسلمه مقاليد الجيش؟” يسارع هيكل بإلقاء اللوم على صلاح نصر، صديق عامر ومدير جهاز المخابرات العامة.  فينقل عن عبد الناصر حديثا دار بينه وبين صلاح نصر عندما التقيا بعد النكسة بأيام. يقول جمال عبد الناصر “إن عبد الحكيم عامر كان قطة مغمضة حتى تولى صلاح نصر فتح عينيه على ما لم يكن يجوز له أن يتورط فيه. وراح صلاح نصر يقسم بأغلظ الأيمان أنه لم يكن له ذنب فيما تورط فيه عبد الحكيم عامر. وأنه يعترف بحقيقة أنه هو الذي قدم السيدة برلنتي عبد الحميد إلى المشير، ولكنه لم يكن يتصور أن تصل الأمور إلى الحد الذي بلغته.” (هيكل، الانفجار، ص ٨٧٥).

سبب النكسة إذن، حسب هذه السردية، بالإضافة طبعا للمؤامرة الكونية التي حيكت ضد عبد الناصر وما يمثله من رمز لحركة التحرر الوطني، تلك المؤامرة التي تناولناها في مقال سابق، هو أن الرئيس جمال عبد الناصر كان أسير انتصاره في ١٩٦٥، أما المشير عبد الحكيم عامر فكان أسير غرائزه.

سردية ٢: صراع بين مؤسسات الحكم، فهزيمة، فانقلاب، فانتصار.

على أنه يمكن تقديم سردية أخرى ليونيو ٦٧ تبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها وتعترف بأن ما حصل ليس نكسة بل هزيمة، بل هزيمة منكرة. وكما قلت في المقال الأول من هذه السلسلة، لم تكن هزيمة ٦٧ هزيمة عسكرية فقط كانت بل هزيمة سياسية وثقافية وحضارية. هزيمة رؤية للعالم ولمكاننا فيه.

أنصار سردية النكسة لا يفضلون التفكير عميقا في الأسباب الهيكلية التي أدت بنا لهذه الهزيمة، فهي في رؤيتهم، كما رأينا، لا تعدو كونها نكسة تعافينا منها. كما يشككون فيمن يركز على الأسباب الهيكلية للهزيمة، متهمينهم بالانهزامية وبالافتقار للإحساس بالمسؤولية.  ويذكرونهم بأننا لم نكن أول أمة هزمت، وأن التاريخ مليء بنماذج لأمم هزمت ولكنها نهضت من هزيمتها لأنها لم تقفد إرادتها. ويشيرون كثيرا لحالة فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية عندما انهارت أمام جحافل النازي، واحتُلت عاصمتها، وخضع أكثر من نصف مساحتها للاحتلال، أما النصف الثاني فكان تحت حكم حكومة عميلة.

على أنني أفضل مقارنة هزيمتنا في ٦٧ بهزيمة فرنسا في حرب أخرى، حربها مع بروسيا عام ١٨٧٠، أو هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، أو هزيمة الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية. هذه الهزائم لم تكن هزائم عسكرية فقط، بل كانت هزائم لنظام اجتماعي وثقافي وحضاري. هذه أيضا كانت هزائم أعقبها إما ثورة عارمة، أو انقلاب قصر، أو زوال عالم بأكمله بقيمه ومثله وأسلوب حياته.

فإذا كان الأمر كذلك، وإذا صحت هذه المقارنة، فلماذا إذن لم نشهد انهيارا لعالمنا وقيمنا ومثلنا، أو ثورة عارمة، أو انقلاب قصر في أعقاب هزيمة يونيو ٦٧؟

والإجابة هي أننا شهدنا بالفعل انهيارا للقيم والمثل وثورة وانقلابا.

أما الثورة فكانت إرهاصاتها تلك المظاهرات التي قام بها شباب الجامعات في القاهرة ثم انضم لهم عمال حلوان بعد أن أُعلنت أحكام  محكمة الطيران التي أدانت الفريق صدقي محمود بالأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاما واللواء اسماعيل لبيب بالسجن لعشر سنوات وبالبراءة للقادة الآخرين، وهي الأحكام التي رأى فيها المتظاهرون التفافا على الحقيقة وطرمخة على الهزيمة (وإن كان لفظ “طرمخة” لم يكن مستخدما وقتها). وقرأ النظام المظاهرات قراءة دقيقة وأدرك أنه يجب أن يقدم بعض التنازلات حتى يعيد السيطرة على الجماهير، إذ أن تلك كانت المرة الأولى التي فقد فيها عبد الناصر الشارع. على أن هذه التنازلات، وكما نعرف، لم تكن سوى تنازلات شكلية لم تلبي المطالب الحقيقية بانفتاح ديمقراطي جذري وبفتح المجال السياسي الذي رأي المتظاهرون أن إغلاقه كان سببا أساسيا من أسباب الهزيمة. فجاء بيان ٣٠ مارس هزيلا ضعيفا لم يمس جوهر الإصلاحات المنشودة.

محكمة الطيران، فبراير ١٩٦٨

أما الانقلاب فقد خُطط له بعناية ولكنه وئد وخرج منه النظام منتصرا.

ولشرح وقائع هذا الانقلاب يجب البدء بشرح مفردات السردية الثانية، السردية التي تقوم على شرح الهزيمة هيكليا.

تبني هذه السردية على أدبيات العلوم السياسية وعلى علم الاجتماع السياسي، وتحديدا على فرع من هذين المجالين يُعنى بدراسة العلاقات المدنية-العسكرية. وقد تناول الكثير من الأكاديميين الغربيين حرب ٦٧، سواء من الجانب المصري أو الإسرائيلي، من هذه الزواية، زاوية علاقة الساسة بالعسكر، ومنهم من عقد المقارنة بين علاقة عامر بناصر وعلاقة ليفي إشكول بموشى ديان. على أنني أعتبر دراسة حازم قنديل، أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة كامبريدج، عن النظام السياسي المصري من أهم هذه الدراسات.

حازم قنديل له عدة كتب عن ما يسميه “ثالوث السلطة” والذي يقصد به تلك العلاقة الشائكة التي تربط المؤسسة العسكرية بمؤسسة الرئاسة بأجهزة الأمن.

حازم قنديل وكتابه، عسكر، وجواسيس وساسة: طريق مصر إلى الثورة

يسرد حازم قنديل في كتابه تاريخ هذا الثالوث غير المقدس من بداية انقلاب يوليو لثورة يناير. ويتناول، بين أشياء كثيرة، علاقة الساسة بالعسكر بدءا بعلاقة عبد الناصر بمحمد نجيب، ثم علاقة عبد الناصر بعبد الحكيم ومحمد فوزي، ثم علاقة السادات بمحمد صادق والشاذلي والجمسي، ثم علاقة مبارك بأبو غزالة وطنطاوي، ثم علاقة محمد مرسي بالسيسي.

وبخصوص حرب ٦٧، يركز حازم قنديل على أزمة الحكم المتمثلة في العلاقة المأزومة بين مؤسسة الرئاسة (عبد الناصر) والمؤسسة العسكرية (عامر). لا يغفل قنديل الإشارة للطبيعة الشخصية لعلاقة عبد الناصر بعامر، فصداقتهما لم تكن صداقة عادية، بل كانت صداقة حميمية، وود، ومصاهرة، وجيرة (منزليهما في المعمورة كانا متلاصقين). وكان عامر بحكم زملاته لعبد الناصر في الكلية الحربية، واشتراكه معه في حرب فلسطين، وتخطيطهما معا لانقلاب يوليو– كان عامر لهذه الأسباب مجتمعة من أقرب أعضاء مجلس قيادة الثورة لعبد الناصر، وبالتالي كانت صداقته القريبة لعبد الناصر سبب حقد وغيره لبقية أعضاء المجلس.

وكانت هذه الصداقة وثقة عبد الناصر المتناهية في عبد الحكيم عامر هي السبب وراء إصرار عبد الناصر على  أن يعهد لصيق عمره بقيادة الجيش، ونجح عبد الناصر بالفعل في أن يجبر محمد نجيب على ترقية عامر من رتبة صاغ لرتبة لواء مرة واحدة. وكان من نتاج هذا الإصرار أن تقدم قائد سلاح الطيران، اللواء حسن محمود، باستقالته من القوات الجوية، ورفض أن يستمر في منصبه احتراما لرتبة اللواء. وحل محله الطيار صدقي محمود الذي ظل قابعا في مركزه كقائد لسلاح الطيران والخادم المخلص لعبد الحكيم حتي هزيمة ٦٧.

وبمرور الوقت استطاع عبد الحكيم أن ينشئ قاعدة لسلطانه داخل القوات المسلحة، وأن يبني علاقات وينمي ارتباطات تقوي من مركزه على حساب بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة. وسرعان ما ظهرت بوادر صراع خفي بينه وبين عبد الناصر نفسه. ويجمع كل المراقبين على أن هذا الصراع أخذ ينمو منذ ١٩٥٦ وحتى ١٩٦٧. على أن أهم محطاته كان رفض عبد الحكيم الانصياع لرغبات عبد الناصر وزملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة بضرورة تنحية المسؤولين عن الأداء المخزي للجيش في حرب ١٩٥٦، وخاصة صدقي محمود. على أن عامر رفض أي تدخل من الرئاسة في مجريات الجيش.

وكانت ثاني محطات الخلاف تلك التي ظهرت بعد انفصال الوحدة مع سوريا، واكتشاف أن الانقلاب في سوريا خُطط له من داخل مكتب عبد الحكيم عامر شخصيا، فرؤي ضرورة إبعاد عامر عن الجيش. ولإدراكه أن صديقه لن يرض بالتنازل عن قيادة الجيش الذي أصبح سبوبة يدر منه ثروات طائلة (“سبوبة” مثل “طرمخة” من المصطلحات الجديدة التي لم تكن مستخدمة وقتها)، حاول عبد الناصر أن يغرى عامر بأن يشركه فيما أسماه بمجلس الرئاسة على أن يترك الجيش. وبعد أن وافق عامر في بادئ الأمر، عاد بعد إلحاح من زملائه الظباط وتمسك بقيادة الجيش، وأصر على حقه، دون سواه، في تعيين كبار القادة، ومنع عبد الناصر، فعليا، من التدخل في أمور الجيش. كل ما استطاع عبد الناصر أن يجنيه من تلك المواجهة التي يشير إليها الكثيرون بـ”الانقلاب الأبيض” أن يحتفظ لنفسه بلقب “القائد الأعلى”، وأن يشار لعبد الحكيم بـ”نائب القائد الأعلى”. على أن الجميع كان يدركون أن المشير كان الآمر الناهي في أمور الجيش، وأن عبد الناصر لم يكن له سلطان حقيقي على الجيش.

وفي عام ١٩٦٤ حاول عبد الناصر أن يبسط يده على الجيش، فعين الفريق أول محمد فوزي رئيس أركان. ولكن سرعان ما أن استطاع عامر من تعيين واحد من شلته، علي عبد الخبير، كـ”مدير أركان” حتى يشل فوزي ويحد من سلطاته.

ويتتبع حازم قنديل هذا الصراع المأساوي بين عبد الناصر وعامر قبل وأثناء حرب يونيو، فيشرح كيف كان عامر هو الذي يؤجج الصدام مع إسرائيل، أولا عن طريق حشد القوات يوم ١٤ مايو، ثم عن طريق الإصرار على طرد قوات الأمم المتحدة يوم ١٨ مايو، ثم عن طريق الإصرار على غلق مضيق العقبة يوم ٢٢ مايو. وفي كل مرحلة من تلك المراحل كان عبد الناصر يعمل على التهدئة، ولكن يده كانت مغلولة لسيطرة عبد الحكيم على الجيش.

وإذا سأل سائل، هل معنى ذلك هو تبرئة عبد الناصر، وأن المشير هو المسؤول وحده، فالرد هو: بالطبع كلا. فعبد الناصر هو المسؤول أساسا عن وضع لبنات النظام السياسي الذى أفضى به لهذا الحال المختل، فهو الذي قضى على الأحزاب، وهو الذي قضى على الإخوان، وهو الذي قضى على الشيوعيين، وهو الذي قضى على الصحافة، وهو الذي قضى على النقابات العمالية والمهنية، وهو الذي قضي على القضاء، وهو الذي قضى على الحياة الجامعية.

وأهم من هذا وذلك، عبد الناصر هو الذي صمم أن يعين عبد الحكيم عامر قائدا عاما على الجيش في نظام انعدمت فيه الحياة السياسية، وانعدمت فيه بالتالي أي إمكانية لرقابة مجتمعية أو مؤسسية على الجيش. كان قضاء عبد الناصر على السياسة من أهم الأسباب الهيكلية التي أدت لهزيمة يونيو.

ولم يكن سبب تمسك عبد الناصر بعامر كقائد للجيش هو إيمانه بقدرات عامر العسكرية بل ثقته في قدرته على تأمين الجيش، أى الحيلولة دون وقوع انقلاب عليه من داخل الجيش. فعبد الناصر وصل للحكم عن طريق انقلاب، وهو أول من كان يعي خطورة قيام الجيش بانقلاب ثان، وبالتالي كان يدرك ضرورة تسليم الجيش لشخص مؤتمن، فكما قال “من المستحيل أن يوكل أمر الجيش لشخص غريب وليس منا فيتحكم في رقابنا.” (عبد اللطيف البغدادي، مذكرات، جزء ١، ص ٧٨)

أما كيف انقلب السحر على الساحر وحاول عبد الحكيم الانقلاب على صديق عمره عبد الناصر، فذلك موضوع الجزء الثاني من هذا المقال.

4 تعليقات

  1. walid mohamed
    walid mohamed 06/06/2017

    مقال رائع يا دكتور تسلم دماغك

  2. Mostafa Apd Elsalam
    Mostafa Apd Elsalam 09/06/2017

    مجموعة مقالات غنية ودسمة للغاية.. اتابعها بشغف وانتظر المقال القادم… نفع الله بك دكتور خالد

  3. Ahmed
    Ahmed 09/06/2017

    تحليل عميق وهايل

  4. يوسف المنيلاوي
    يوسف المنيلاوي 13/06/2017

    مقال مهم ،
    شكرًا لك

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: