Press "Enter" to skip to content

حوار مع جريدة الأخبار اللبنانية

نشر هذا الحوار في جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ ٥ تموز (يوليو) ٢٠١٦

نجح عبد الفتاح السيسي، خلال سنتين فقط، في مصادرة المجال العام وفي إغلاق الأفق السياسي، إلى جانب مراكمته بسرعةٍ قصوى عدداً من الأزمات، تبدأ ببيع «التراب الوطني» للسعودية ولا تنتهي عند التضييق على الحريات، من دون إغفال مدّ اليد لإسرائيل. تطرح هذه المقابلة عدداً من الأسئلة على المؤرخ المصري خالد فهمي، تتمحور حول الفترة الأخيرة من عهد السيسي، في محاولةٍ لفهم اللحظة الراهنة التي تعيشها مصر، وتوقع مآلاتها

جوي سليم

■ لقد ذكرتم في السابق أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يمتلك شعبيةً طاغية لدى قطاعات واسعة من الشعب. هل ترون أن هذه الشعبية بدأت بالتراجع بعد قضية جزيرتي تيران وصنافير؟

لا، لا أرى أن شعبية السيسي بدأت بالتراجع فقط بعد قضية الجزيرتين، بل أعتقد أن شعبيته بدأت بالتراجع منذ اللحظة التى أتى فيها إلى السلطة. لقد انتخب السيسي بعد حصوله على ما يقرب من ٩٧٪ من إجمالي أصوات الناخبين في انتخابات عام ٢٠١٤. إحصائياً، من الصعب بمكان تخطّي هذه النسبة، وكان من المحتّم أن تنخفض شعبيته بعد حصوله على هذه النسبة المرتفعة جداً.
السيسي قدّم نفسه للقطاعات العريضة المحافظة التي انتخبته كرجل الاستقرار الأمثل الذي يستطيع القضاء على «الإخوان»، والتصدي للإرهاب، واستعادة هيبة الدولة. ولكن بمرور الوقت أصبح واضحاً كيف تعثرت جهود السيسي في تنفيذ ما وعد به، وحتى في الملفات التي يمكن أن يقال إنها حققت نجاحاً نسبياً، تبين للكثير من داعميه فداحة الثمن المدفوع.
فإقصاء «الإخوان» من الساحة السياسية تم بارتكاب واحدة من أكبر المذابح التي شهدتها مصر في تاريخها الحديث (وإن كان ذلك قد تم والسيسي لا يزال وزيراً للدفاع وقبل انتخابه رئيساً)، إضافة إلى القيام بعمليات قتل خارج القانون في حق إسلاميين (مثل استهداف متهمين وقتلهم داخل الشقق والبيوت)، وإطاحة كل الحقوق الدستورية والقانونية التي يجب أن يتمتع بها «الإخوان» كمواطنين مصريين، بدءاً بالحق في الحياة، وفي محاكمة عادلة، وفي حرية التنقل، إلخ. وبعد إصدار المحاكم لأحكام بالإعدام في حق إسلاميين، من إخوان وغيرهم، بالمئات في جلسات لم تدم أكثر من دقائق معدودة، بدأ الناس يتساءلون عن مردود تلك المحاكمات على سمعة القضاء وثقة الناس به.
أما التصدي للإرهاب، فقد أوضحت الطريقة التي تتبعها أجهزة الأمن مدى القصور في هذا الملف المحوري. فبالرغم من منع الإعلام من تقديم أي تغطية جادة ونقدية لسياسة الحكومة في سيناء (بل زادت بأنها قبضت على واحد من أهم الصحافيين المتخصصين في هذا الشأن، اسماعيل الإسكندراني)، إلا أن الناس تساورهم شكوك حقيقية في مدى فعالية تلك السياسة، خصوصاً في ضوء تلاحق العمليات العسكرية التي يشنّها على وحدات الجيش المصري تنظيم «ولاية سيناء» الذي أعلن مبايعته لتنظيم «الدولة الإسلامية». أما حادث استهداف الجيش المصري عن طريق الخطأ للسائحين المكسيكيين في الصحراء الغربية يوم ١٤ أيلول/سبتمبر الماضي، فقد تبين أن الشرطة المصرية لم تبلغ الجيش عن سير الفوج السياحي المكسيكي، وبهذا ظهر لقطاع كبير من الرأي العام مدى التخبّط الذي يحكم علاقة الأجهزة الأمنية بعضها ببعض. ولكن الحادث الذي أثار أكثر من غيره أسئلة عميقة عن السياسة الأمنية وعن قدرة الأجهزة الأمنية على التصدي للإرهاب، كان حادث إسقاط الطائرة الروسية في سيناء يوم ٣١ تشرين الأول/أكتوبر الماضي والذي تبنّاه «ولاية سيناء»، وهو الحادث الذي لم تعلن الدولة المصرية إلى الآن نتيجة التحقيقات فيه.
إضافة إلى هذه الحوادث، كان حادث خطف الطالب الإيطالي، جوليو ريجيني، وتعذيبه وقتله في يناير – كانون الثاني من هذا العام بمثابة ناقوس خطر للكثير من المصريين الذين انزعجوا من القدر الهائل من التفاصيل المحيطة بهذا الحادث، والذي أظهر قدراً عميقاً من عدم المهنية الدبلوماسية في التعامل مع تداعيات الحادث ومع الضرر الذي ألحقه بعلاقة مصر بإيطاليا، أهم شريك اقتصادي في أوروبا. على أن أهم ما أزعج المصريين هو ما أظهره الحادث من تناحر، إن لم يكن من اقتتال داخلي، بين الأجهزة الأمنية المختلفة، تحديداً جهاز الأمن الوطني والمخابرات العسكرية.
وبالتالي فقضية الجزيرتين يجب أن يُنظر إليها على أنها واحدة من العديد من القضايا المتعلقة بالأمن التي يرى فيها المصريون قدراً كبيراً من الإخفاق الذي زعزع ثقتهم بالسيسي. فبعد التعهد باستعادة الاستقرار عن طريق انتهاج سياسة مزدوجة تعتمد أولاً على إعطاء الأجهزة الأمنية مطلق الحرية في التصرف من دون رادع أو رقيب، وثانياً وعن طريق إغلاق المجال العام ومصادرته، يتبين للناس يوماً بعد يوم خطورة هذه السياسة على الأمن والاستقرار إضافة إلى تكلفتها الباهظة من ناحية الحقوق والحريات.
على أن ما يميز قضية الجزيرتين تحديداً عن غيرها من الإخفاقات هو ثلاث نقاط جوهرية: أولاها ما أظهرته هذه القضية من استعداد النظام للتخلى عن التراب الوطني نظير مساعدات اقتصادية سعودية، وهو النظام الذي بنى شعبيته أساساً على مبدأ حماية هذا التراب وقدسيته، وثانيتها هو القدر الكبير من الاستهتار بالرأي العام الذي اتضح من أحاديث السيسي المختلفة عن هذا الموضوع، والتي جاء في أحدها تنبيهه للمصريين بالقول «أرجو إن الموضوع دا ما نتكلمش فيه تاني» (وكررها مرتين)، وكأنه يستغرب على ملايين المصريين اهتمامهم بهذه القضية. على أن أهم ما يميز قضية جزيرتي تيران وصنافير هو ما أظهرته من أسلوب السيسي المفضل للتعامل مع أزمات كهذه. فكان من الممكن للسيسي أن يراضي السعودية وفي الوقت نفسه أن يطمئن الرأي العام المحلي بأن يحيل القضية إلى التحكيم الدولي، وأن يقدم للمحكمة الدولية ما يقع تحت يديه من أوراق ووثائق هو يعتقد أنها تثبت أحقية السعودية في الجزيرتين، وبذا يراضي السعوديين ويحترم الرأي العام المصري ويحفظ ماء الوجه. ولكن بما أنه لا يحبّذ العمل السياسي ويفضّل عوضاً عن ذلك إدارة الملفات الشائكة كما يدار معسكر حربي، فإن النتيجة هي بالضرورة هذا التخبّط وذلك الإخفاق الذي يشعر به المصريون في الكثير من المواضيع المتعلقة بالأمن.

■ بعدما قلتم إن القضاء ينحاز بصورةٍ تامة إلى السيسي، هل تجدون أن الحكم الذي أكد مصرية الجزيرتين أخيراً، يغيّر هذه المقولة، ويحمل على التفاؤل بتعدديةٍ ما داخل السلطة، أو بمعنى آخر تراجع سطوة الرئيس عن السلطات الثلاث؟

حكم محكمة القضاء الإداري الذي أكد مصرية الجزيرتين بالطبع حكم مهم، ليس فقط لما يمثله من نموذج يحثّنا على التفكير في القدر الذي يسيطر به الرئيس على السلطات الثلاث، بل أيضاً لمحتواه وللغته. فالحكم يُعتبر بحق حكماً تاريخياً وسيحتل مكانة مميزة في السجل التاريخي للقضاء المصري. على أن من السابق لأوانه أن نستشف منه ارتخاءً لقبضة السيسي على القضاء بشكل عام. فبعد «٣٠ يونيو»، ما زال أغلب القضاة في المحاكم الجنائية يرون أن دورهم ينحصر في «الدفاع عن الدولة» و«استعادة هيبتها»، لا في الدفاع عن حقوق المواطنين والذود عنهم من بطش الدولة. بالطبع هناك استثناءات، وقاضي قضية الجزيرتين من هذه الاستثناءات.
على أن الموضوع الذي يطرحه حكم الجزيرتين يتعلق بالفرق بين السيطرة والهيمنة. ما من شك أن السيسي مسيطر على السلطات الثلاث، ولكن لكي تتحقق له الهيمنة، يجب عليه أن يكون له إطار ايديولوجي أو حتى خطاب شامل تنضوي تحت لوائه هذه السلطات. أما وقد آثر السيسي ألا ينتهج ايديولوجيا أو خطاباً إلا خطاب الأمن، وأن يعزف عن تكوين حزب يمكن به التحكم في العميلة السياسية، وأن يفضّل عوضاً عن ذلك الاعتماد على الأجهزة الأمنية في إدارة شؤون البلاد، فكان من الطبيعي أن تكون سيطرته على السلطات غير كاملة وأن يشكك في هيمنته على تلك السلطات حكمٌ مثل حكم قضية الجزيرتين.

■ إذا كان نظام السيسي قام في الأساس على خطاب الخوف وعلى مهمة «استرجاع هيبة الدولة» و«إرساء الاستقرار»، حتى باتت عبارة «حتى لا نكون زي سوريا والعراق» إحدى أشهر شعارات السلطة في مصر، ألا تعتقدون، وأنتم من تحدثتم عن انهيار النظام العربي الحديث في الإقليم، أن السيسي نجح بشكل أو بآخر في الإمساك بالدولة ومنعها من اللحاق بهذا الانهيار؟

النظام وأدواته الإعلامية لا يتوقفان عن ترديد هذه المقولة: «حتى لا نكون زي سوريا والعراق». ولا أريد التقليل من أهمية هذه المقولة أو الاستهانة بتأثيرها على قطاع كبير من المصريين. لكن ما يلفت النظر في الوتيرة التي يجري بها ترديد هذه المقولة في الإعلام الحكومي هو نقطتان:
الأولى، هي عدم التعرض بأي درجة من التحليل للمسار التاريخي الذي أفضى إلى الوضع المأساوي لهذين البلدين العزيزين. فسوريا والعراق يبدوان في الخطاب الإعلامي المصري فقط كمرتع للإرهاب العالمي أو للمؤامرة الصهيو ــ أميركية ــ إيرانية ــ تركية ــ حمساوية. وسواء كان الوضع يتعلق بالـ«إرهاب» أو بالمؤامرة، فالخطاب عادةً ينتهي حيث يبدأ: هناك إرهاب يقصد تدمير مجتمعنا، وهناك قوى أجنبية تبغي تفتيت وطننا، ولذلك يجب الحذر والحيطة، وإعطاء الأمن الأولوية القصوى، والتخلي عن أي مطالب بالتمسك بالقانون والدستور، لأن ذلك ترف لا نستحقه الآن.
ويغيب عن خطاب الخوف هذا أي تحليل للظروف التاريخية التي أوصلت سوريا والعراق، ومعهما ليبيا واليمن، إلى المصير المأساوي الذي تعاني منه هذه المجتمعات. فلا حديث عن تجريف السياسة وإحلال الأمن مكانها في هذه الدول، ولا حديث عن إعطاء الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية لكي تتنافس في ما بينها ولكي تظهر ولاءها للرئيس على حساب حياة المواطنين وحقوقهم، ولا حديث عن غياب الرقابة الشعبية الذي سمح للفساد بأن ينتشر ويفسد الاقتصاد والمجتمعات والنفوس، ولا حديث عن تواطؤ هؤلاء الرؤساء مع القوى الخارجية لتنفيذ أجندات أجنبية، ولا حديث عن السياسات الهوجاء التي انتهجها هؤلاء الرؤساء لا لشئ إلا للبقاء في الحكم أطول مدة ممكنة.

يبدو التقارب مع السعودية انعكاساً لانهيار الدور الإقليمي المصري في أعقاب هزيمة ١٩٦٧

إن تصوير الإعلام لمشاكل سوريا والعراق كنتيجة للإرهاب و/أو المؤامرة يرمي إلى إقناع الرأي العام بأن هذا الإرهاب وتلك المؤامرة يتربصان بنا نحن أيضاً، وأن الطريقة المثلى لمنع مصر من الانزلاق إلى مصير سوريا والعراق هو التشبث بالحلول الأمنية وتنحية القانون والدستور جانباً.
ولكن إذا نظرنا إلى التاريخ الحديث لسوريا والعراق لخلصنا إلى نتيجة عكسية تماماً: إن التخلي عن القانون وإحلال الأمن محله، وتفويض «الرجل القوي» الدفاع عن الوطن من دون رقيب أو حسيب هي ما أدت في النهاية إلى انهيار هذه الدول. وبالتالي فإن قراءاتي لتاريخ سوريا والعراق هي تحديداً ما يدعوني إلى التمسك بالدستور والقانون وحقوق الإنسان، وخاصة في أوقات الأزمات وفي مواجهة الأخطار، داخلية كانت أو خارجية. فكما قيل «الذين يتنازلون عن الحرية الأساسية لابتياع أمن مؤقت لا يستحقون حرية ولا أمناً».
أما النقطة الثانية التي تثيرها مقولة «حتى لا نكون زي سوريا والعراق» فهي الغياب شبه التام للتعاطف مع هذه الشعوب المنكوبة. فالخوف من مصير سوريا والعراق طغى على أي مشاعر للتعاطف، ما بالنا التماهي، مع مصير اللاجئين العراقيين أو السوريين. والتغطية الإعلامية في الصحف المصرية لأوضاع المأساة السورية تحديداً تغطية هزيلة لا تتناسب بالمرة مع هذه المأساة التي تعتبر أكبر وأثقل وأعقد مأساة عربية اليوم.
■ كيف تصفون الحرص الشديد الذي يبديه السيسي على علاقاته بدول الخليج، لا سيما السعودية، والذي تجلّى في قضية الجزيرتين؟ هل التبعية الاقتصادية تكفي لتخطّي ما كان أقرب إلى المحرّمات في السابق مِصرياً، وهو المساس بالمشاعر القومية الشوفينية؟
إذا نظرنا إلى الموضوع بشكل تاريخي، فيبدو التقارب السعودي المصري تحت حكم السيسي انعكاساً لانهيار الدور المصري كدور رائد في المنطقة في أعقاب هزيمة ١٩٦٧ والانتصار الساحق الذي حققته ليس فقط إسرائيل على النظام الناصري ولكن أيضاً القوى الرجعية في المنطقة، والتي كانت السعودية دوماً رأس حربتها.
أما سبب حرص السيسي شخصياً على علاقاته بدول الخليج وعلى رأسها السعودية، فيعود في رأيي إلى عوامل عدة. أولاً، انه قد سبق له العمل كملحق عسكري في الرياض وأقام أثناء خدمته هناك علاقات وثيقة بالكثير من الشخصيات السعودية النافذة. وثانياً، ما جاء في ورقة «الديموقراطية في الشرق الأوسط» التي كتبها للكلية الحربية التابعة للجيش الأميركي حيث درس منذ عشر سنوات. في هذه الورقة يتضح مدى تحفظه على النظم الديموقراطية وتشككه في الفكر الديمقراطي ومدى ملاءمته والمجتمع المصري. وأغلب الظن أنه، مثل الكثير من المصريين الذين سبقت لهم الإقامة في السعودية، يرى في النظام السياسي السعودي الذي لا مكان فيه لدستور أو برلمان أو قانون جنائي نظاماً سياسيا كفؤاً وناجزاً، تحديداً لعدم تقيّده بقيود شكلية لا ضرورة لها.

ومن الواضح أن السيسي كان يدرك منذ البداية مدى الانزعاج الذي سبّبته الثورة المصرية، كغيرها من الثورات العربية، للأنظمة الحاكمة في الخليج، ومدى استعدادها لدعم القوى المحافظة التي ثارت الجماهير العربية ضدها. على أن توافقه مع النظام السعودي في الرغبة في دحر الثورة المصرية لا يعني أن مصالحهما متطابقة بالتمام والكمال. وظهر ذلك جلياً في التعامل مع الأزمة السورية، ومع الثورة اليمنية، ومع ملف «الإخوان». ففي حين يرى السعوديون أن التهديد الأكبر للمنطقة يأتي من إيران، يرى السيسي أن تنظيم «الإخوان المسلمين» هو ما يهدد استقرار المنطقة.
على أن من المرجح أن يكون التقارب المصري السعودي هو مجرد توطئة للتوسع لضم إسرائيل وتركيا في حلف يناهض حلف «إيران ــ الأسد ــ حزب الله» الذي تخشاه السعودية وتحذر منه. وفي رأيي، إن اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية التي أراد السيسي بها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير كان المقصود منها أساساً مراضاة إسرائيل كخطوة أولى في سبيل تشكيل هذا الحلف، وهو الأمر الذي عبّر عنه إبلاغ إسرائيل بتفاصيل الاتفاقية قبل إبلاغ الشعب المصري.

■ لقد حملت الفترة الأخيرة مشاكل وأزمات عدة، بدءاً من القضية الوطنية المذكورة مروراً بأزمة الجنيه، وصولاً إلى قضايا الاعتقالات والحريات والتضييق على الصحافة والصحافيين بأشكال غير مسبوقة. هل تعتقدون أن تراكم الأزمات بهذا الشكل سيولّد مقاومة جديدة، وأننا سنشهد تحركات شعبية شبيهة بمستوى ما شهدناه في السنوات السابقة؟

يصعب عليّ تخيل ظهور تحركات شعبية مثل التي شهدناها في ٢٠١١ــ٢٠١٣، فالشعوب لا تقوم بثورات كـ«ثورة يناير» إلا نادراً. ولكن يصعب علي أيضاً أن أتخيّل أن يخلد الشعب إلى السكون والدعة مثلما يأمل السيسي والكثير من أنصاره المحافظين. فما من قضية ثارت الجماهير بسببها عام ٢٠١١ لاقت حلاً مرضياً، بل المشاكل زادت تفاقماً والأزمات زادت تعقيداً. وما نراه من هدوء هو هدوء ظاهري يخفي أكثر مما يفصح.
العقلية الفاشية المهيمنة على المشهد الحالي في مصر ترى أن ثمة علاقة بين الحراك الثوري وما تشهده البلاد من عدم استقرار، وترى تبعاً لذلك أنه قد آن الأوان لفرض السيطرة واستعادة «هيبة الدولة». المشكلة في هذه الرؤية أنها ترى أن القلاقل والاضطرابات سبب المشكلة، في حين أن الحقيقة أن المشاكل التي يعاني منها الناس والتي لا يجدون لها حلاً هي سبب قيامهم بالثورة وليس العكس.
مصر بلد كبير، ومشاكلها قديمة وكثيرة ومعقدة. ولكن في الوقت نفسه لدى شبابها طاقات وخبرات ومهارات يقل مثيلها في المنطقة إن لم يكن في العالم. هذه الطاقات والخبرات والمهارات تحتاج إلى حيّز مفتوح لتعبّر عن نفسها ولتنطلق وتساهم في حل مشاكل البلد. ولكن بما أن السيسي يفضل الإدارة، والإدارة العسكرية تحديداً على السياسة، فكان من نتيجة ذلك إغلاق المجال العام ومصادرة السياسة، وإيجاد حالة خصام مستحكمة مع هذا الشباب المفعم حيوية ونشاطاً.
يوم ٢٥ ابريل الماضي، يوم التظاهر ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ومؤخراً أثناء تظاهر طلاب الثانوية العامة ضد فساد وزارة التربية والتعليم وفساد منظومة التعليم برمتها، اتضح أن هناك جيلاً جديداً من الشباب الوطني المتمسك بمصريته والمتشبث بحقوقه والمتطلع إلى مستقبل يضمن له كرامته. هذا الشباب لم يشهد «ثورة يناير» ولكنه بالطبع متأثر بها. حراكه في الشارع قد لا يكون على مستوى جمعة الغضب أو أحداث مجلس الوزراء أو تظاهرات ماسبيرو أو مواجهات الاتحادية، ولكنه تذكير إن نفعت الذكرى بأنه لا عودة إلى حالة الموات السابقة على يناير، وبأن الحراك السياسي آت بالرغم من سياسة الاعتقالات ومصادرة الحريات والتضييق على الصحافة التي يتبعها النظام الآن.

■ في سياق منفصل، وكدارس لتاريخ جهاز الشرطة في مصر، كيف يمكن أن تشرحوا وصول هذا الجهاز إلى هذا الدرك من القوة والبطش، حتى بات أي أمين شرطة في مصر أقرب إلى أداة رعبٍ للمواطن منه إلى الشعار الشهير «الشرطة في خدمة الشعب»؟

يجب أن نتذكر أن هدفاً أساسياً من أهداف «ثورة يناير» كان إصلاح جهاز الشرطة والقضاء على ظاهرة التعذيب المستشرية في أقسام الشرطة. ولكن نظراً إلى غياب الإرادة السياسية لتحقيق ذلك في عهود مرسي ومنصور والسيسي، ونتيجة لمقاومة وزارة الداخلية لأي جهود حقيقية لإعادة هيكلة هذا القطاع الحيوي، قررت الشرطة الانتقام من الثورة والثوار في أعقاب ردة «٣٠ يونيو»، وقد أعانها على ذلك جهاز القضاء بدعوى إعادة هيبة الدولة.
ولكن إضافة إلى دواعي الانتقام والتشفّي من الثورة والثوار ■ وهل يمكن تفسير ظروف سجن مالك عدلي إلا كانتقام لا صلة له بقانون أو عدالة، فضلاً عن ظروف احتجاز مئات المساجين الآخرين؟ ــ هناك عامل آخر قد يفسر طبيعة عمل الشرطة في الآونة الأخيرة، وهو ذلك التنافس التاريخي مع مؤسسة الجيش في حفظ «النظام». هذا تنافس قديم قام بدراسته باقتدار كل من علي الرجّال وحازم قنديل، وما نشهده الآن ما هو إلا حلقة من حلقات ذلك التنافس الأزلي، وإن كانت تتميز هذه الحلقة عمّا سبقها بفداحة الثمن الذي يدفعه الشعب المطحون بين شقي الرحى هذين.

■ ختاماً، أي ناظر إلى حال المجتمع المصري في العقود الأخيرة، يلاحظ تفاقم الأزمات الاجتماعية والأخلاقية، والذي يتجلى بصوره الأوضح لدى الحلقات الأضعف في المجتمع كالطبقات الدنيا والمرأة… ما هو برأيكم سبب هذا التردّي الاجتماعي الذي ينعكس رجعيةً وتزمتاً وكراهية في الشارع المصري؟

من الطبيعي أن تظهر علامة تأزم المجتمع في أضعف حلقاته، وبالتالي أن تدفع الأقليات ثمناً باهظاً. لذلك لم يكن غريباً أن نشهد حوادث التحرش بالنساء، وأن يبرر الجيش إجراء ما سمّاه كشوف عذرية عليهن، وأن يصمّم الإسلاميون على إدراج حقوق المرأة تحت لواء الشريعة. ولم يكن غريباً أيضاً أن نشهد حوادث حرق لبيوت الأقباط وكنائسهم، أو استهداف الجيش مدعوماً بآلة إعلامية جبارة لشبابهم المتظاهر في ماسبيرو. ولا أن نشهد حملة شعواء ضد المثليين واستهدافهم ليس فقط في الشوارع بل أيضاً في البيوت. ولا أن نشهد تحريضاً بيّناً على الشيعة كان من ضمن نتائجه استهداف أسر بكاملها وحرقها علناً.
وأعتقد أن من أهم عوامل قصور الثورة هو عدم استطاعتها مخاطبة هذه الفئات المهمشة وجذبها إلى صفها. فالخطاب الثوري لم يتطور بشكل كافٍ لكي يقدم حلولاً عملية للمشاكل العديدة التي تعاني منها الفئات المهمشة. ونتيجة لتشظي الخطاب الفاشي في اللحظة الحالية، فمن المتوقع أن تزداد حالة التردي التي تعاني منها هذه الفئات المهمشة، وأن يزداد المزاج الرجعي المليء بالخوف والقلق والكراهية، وأن تستمر الفئات المهمشة في دفع الثمن غالياً نتيجة انسداد أفق العمل السياسي ومصادرة المجال العام.

Be First to Comment

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: