Press "Enter" to skip to content

الداخلية وشفاطات الهو

نُشر في “فيسبوك” في ٢٨ يونيو ٢٠١٤

ماشي. خللينا نفترض جدلا إن الداخلية صادقة لما بتقول إن المحبوسين في الأقسام في طول البلاد وعرضها بيموتوا مش نتيجة تعذيب ممنهج إنما نتيجة التكدس وقلة شفاطات الهوا في أوض الحجز.

وخللينا نكذّب مئات الشهادات الموثقة اللي بيدلى بيها كل يوم ضحايا التعذيب واللي بيؤكدوا فيها أنهم تعرضوا لتعذيب سادي على إيد ضباط الداخلية.

وخللينا نفترض مع الداخلية إن العاملين في منظمات حقوق الإنسان اللي بيوثقوا الانتهاكات الخطيرة دي “عملاء” و”طابور خامس” و بايعين البلد وهمهم الأول والوحيد إنهم يشوهوا سمعة البلد وينقلوا صورة مغرضة عنها للخارج.

ماشي.

رواية الداخلية بقى بتقول لنا إيه عن النظام اللي هي جزء منه؟ هي الداخلية شايفة فعلا إن ما فيش مشكلة لما تقول إن الناس بتموت في الأقسام علشان أوض الحجز ما فيهاش إلا شفاط هوا واحد بس؟ يعني الداخلية شايفة إن المشكلة مشكلة شفاطات هوا؟ طب لو المشكلة بسيطة كده، ليه ما بتركّبش شفاطات زيادة علشان المساجين ما يموتوش م الخنقة؟ واللا الداخلية شايفة إن حياة المساجين ما تساويش تمن شفاط هوا؟

فكرت في الأسئلة دي لما قريت الخبر اللي نشرته “الوطن” عن الموضوع يوم الخميس ١٦ يونيو (واللي، بالمناسبة، كتبه صحفي اسمه …. خالد فهمي.) سرحت بذهني، وقعدت أقارن بين حال بلدنا واستهتار الحكومة بأروح الناس فيها وحال ….. بلدنا برضو، إنما من ماية وخمسين سنة.

د. أنطوان بارتيليمي كلو (١٧٩٣-١٨٦٨) مؤسس الخدمة الصحية الحديثة في مصر

من خلال شغلي في دار الوثائق عثرت على آلاف المكاتبات من القرن الـ١٩ المتعلقة بالصحة العامة، ومن أطرف المكاتبات دي وأهمها هي جوابات كلوت بيك، الدكتور الفرنساوي اللي أسس مصلحة الصحة العامة في مصر واللي أسس برضو مستشفي وكلية القصر العيني.

كلوت بيك كان مهتم جدا بالأحوال الصحية في السجون والأقسام.، وكان بيدور بانتظام على أماكن الاحتجاز في القاهرة والأقاليم. كان بيكتب عن ضرورة فتح طاقات (يعني شبابيك) كبيرة علشان الهوا يدخل الزنازين والمساجين تعرف تتنفس. وكان معترض بشدة على سياسة تكبيل المساجين بسلاسل حديد في رجليهم. ونجح في إنه يحسن من أكل المساجين ويكتر كميته. وهو اللي كان بيضغط علشان الحكومة تبني سجون مخصوصة بدل ما تاخد أي مبنى قديم وتحوله لسجن توفيرا للمصاريف.

كلوت بيك وتلامذته من خريجي القصر العيني كانوا، باختصار، مهتمين ومهمومين بالأحوال الصحية في السجون.

الاهتمام ده ما كنش مصدره حنيّتهم ورهافة قلبهم أو توددهم للمساجين وأرباب الجنايات.

الاهتمام ده كان له ثلاث مصادر. المصدر الأول هو إدراكهم إن المساجين والمحبوسين، سواء قتالين قتلى أو مديونين اتحبسوا لحد ما يدفعوا ديونهم، بني آدمين يستحقوا الرعاية الصحية زيهم زي أي حد تاني.

المصدر التاني كان خوفهم إن السجون بدل ما تبقى مكان للعقاب تتحول لمكان لنشر المرض والوباء، وكان من أكثر الأمراض المزعجة التيفوس والجرب، وهما طبعا مرضين بينتشروا في الأماكن الزحمة ونتيجتهم وخيمة. كلوت بيك وتلامذته المصريين كانوا شايفين إن وظيفتهم الأساسية هيا حفظ صحة المصريين والارتقاء بيها، حتى لو كانوا مساجين، ومن أهم الوسائل لتحقيق الغاية دي هي مراقبة السجون والمعسكرات والمدارس والمستشفيات، باعتبارها كلها أماكن تكدس وازدحام.

المصدر الثالث للاهتمام بالأحوال الصحية للسجون هو تحقيق العدالة. فالمتهم المحكوم عليه بالسجن مش المفروض يموت في الحجز، لسبب بسيط هو إنه كده تكون عقوبته زي عقوبة اللي اتحكم عليه بالإعدام. في دار الوثائق قريت مكاتبات عديدة بتعبر عن إنزعاج السلطات من الحالات اللي المساجين بيموتوا فيها يا إما بسبب سوء الأحوال الصحية، أو بسبب قسوة الجلد اللي كانوا بيتعرضوا ليه كعقوبة (وده قبل إلغاء الجلد والضرب بشكل عام كعقوبة قانونية سنة ١٨٦١). وكان قلق الحكومة من أن الجاني يموت وهو بيتضرب أو بيتجلد هو اللي خللاها تقرر إن عميلة الجلد لازم تتم تحت إشراف حكيم (يعني طبيب) علشان يوقّف الجلد لو شاف إنه ممكن يقضي على حياة المجرم.

دي مش طيبة قلب ولا رحمة بالمحبوسين ولا رأفة بالمجرمين، إنما دي سياسة نظام قمعي صحيح، إنما عنده درجة ما من احترام النفس (مش احترام حقوق الإنسان)، ودرجة ما من الثقة في النفس، وفوق ده وده، دي سياسة نظام أدرك إن بقاءه وفرض هيمنته لازم يكون مستمد من فهم الناس للعدل، حتى لو مفهوم العدل ده يسمح بالجلد والنفي والسجن لثلاثين سنة والإعدام. مفهوم العدل ده ما فيهوش أبدا فكرة المساواة بين عقوبة القاتل وعقوبة المديون اللي محجوز لحد ما يدفع ديونه للديّانة واللي ممكن يلاقي نفسه مات في الحجز.

نظام ٣ يوليو بيدّعي طول الوقت إنه عاوز يحقق الاستقرار، وبيتهم الثورة والثوار إنهم بيخربوا البلد. إنما الحقيقة هي إن النظام ده هو اللي بيخرب البلد وبيقوض دعائم الاستقرار فيها. فلما الداخلية نفسها تقول إنها مش مهتمة بحياة المساجين وإنه حلال فيهم الموت لإن تكلفة شراء شفاطات هوا للسجون وأوض الحجز أعلى من قيمة البني آدمين اللي فيها يبقى هي كده لا مهتمة لا باستقرار ولا يحزنون.

Be First to Comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: