الإعلانات
Press "Enter" to skip to content

بديهيات الأشياء

نُشر في “فيسبوك” في ١٧ ابريل ٢٠١٤

يمكن فعلا الواحد لازم يشرح بديهيات الأشياء.

إحنا فعلا رددنا هتاف “الشعب يريد إسقاط النظام”، وقولنا بعلو صوتنا “يسقط يسقط حكم العسكر”، وطالبنا بقوة ووضوح بضرورة إعادة هيكلة الداخلية. بس هل ده كان يعني إننا كنا عاوزين إننا نسقط الدولة ونجيبها الأرض؟ هل كنا عاوزين فعلا إن جيشنا ينهار؟ هل كنا بنطالب بتحطيم جهاز الأمن وإن البلد تبقى مفتوحة سداح مداح؟

ميدان التحرير، ٥ يونيو ٢٠١٢ (من تصويري)

السيسي ومستشاريه مقتنعين فعلا بكده، ومعاهم قطاع كبير من الإعلاميين ال نجحوا في تصوير ٢٥ يناير على إنها مؤامرة من ناس مأجورة بايعة البلد ومش هاممها لو مصر بقت زي سوريا.

لكن الحقيقة غير كده.

أنا ما أقدرش اتكلم عن غيري وأدعي إني عارف كل واحد نزل وهتف ليه ضد النظام والداخلية والجيش. ممكن أتكلم بس عن نفسي.

أنا دارس لتاريخ مصر الحديث، وشايف إنه تاريخ مشرف وجميل. شايف إن إحنا كشعب وكبلد عرفنا نحقق حاجات كثيرة، وبنينا دولة حديثة بمؤسسات حديثة. أنا بأدرس تاريخ المؤسسات دي، تحديدا: الجيش والقضاء والشرطة والمستشفيات (وبشكل أقل الصحافة والنقابات والجامعات). المؤسسات دي هي ال أعطت لمصر الريادة في المنطقة. ريادة مصر على جيرانها مش نتيجة السبعة آلاف سنة والأهرامات ومينا موحد القطرين والكلام ال بيرددوه في الإعلام والمدارس.

الريادة في العصر الحديث سببها إننا بدأنا في بناء مؤسسات الدولة الحديثة قبل جيراننا بماية أو ماية وخمسين سنة على الأقل.

لكن المشكلة إن المؤسسات دي فيها خلل جوهري: المؤسسات دي بتخدم نفسها مش بتخدمنا إحنا كمواطنين.

يعني مثلا: الداخلية مش بتحميني كمواطن لكنها بتمتهن كرامتي وبتعذبني في الأقسام والسجون. ونتيجة لإن ضباطها عارفين إنه لا رقيب عليهم فده خلاهم يهتموا بمصالحهم، ويتراخوا في الارتفاع بمستوى مهنتهم، ونتيجة ده كان تدهور مهارتهم في التحقيقات الجنائية، والنتيجة المنطقية لكل ده هو شعوري أنا كمواطن بعدم الأمان في بيتي.

القضاء نفس الحاجة. أنا دارس تاريخ القضاء المصري الحديث وطالع لي كتاب عن الموضوع ده كمان ثلاثة شهور. القضاء ده كان فعلا شامخ. بالميم فعلا وبجد مش تريقة. إنما ده كان من ماية سنة. النهارده القضاء ترهل وتراخي وتدهور. ما فيش فكر جديد، ولا عدالة ناجزة، ولا رقابة على القضاة. المحاكم منهارة، والعدالة بطيئة، والأحكام جائرة، والناس حقوقها ضايعة.

المؤسسات الصحية نفس الحاجة. أنا برضو دارس تاريخ المؤسسة دي. تاريخ ناصع، مشرف، يخلى الواحد فعلا يفتخر بيه. مصر كانت أول بلد في المنطقة تقوم بحملة ناجحة للتطعيم ضد الجدري، وكانت أول بلد في المنطقة تنجح في القيام بإحصاء عام ودقيق للسكان (سنة ١٨٤٨)، وكانت أول بلد في المنطقة تفتح مدارس طبية (القصر العيني) تدرّس الطب بناء على تشريح الجثث (مش كتب الأقدمين). والنتيجة: القضاء على الأوبئة من كوليرا لطاعون، إنخفاض معدلات الوفيات بين الأطفال، ارتفاع متوسط سن الوفاة، وتحسن ملحوظ في الصحة العامة. إنما ده كان برضه من ماية سنة. ده الوقت مستشفياتنا مرتع للمرض، شهادات الطب بتاعتنا مش معترف بيها في العالم، ومنظومة الصحة العامة منهارة، المرض بيفتك بصحة الناس: أغنياءهم وفقراءهم، والدولة بإهمالها هي ال بتتسبب أحيانا في نشر الأمراض والأوبئة، وخير مثال على ذلك مرض الكبد الوبائي ال كان من أهم أسباب انتشاره هذا الانتشار الرهيب استخدام إبر غير معقمة في مستوصفات وعيادات حكومية في الثمانينات في إطار الحملة القومية وقتها للقضاء على البلهارزيا.

أما الجيش فحدث ولا حرج. الجيش المصري كانت له صولات وجولات، غزى السودان والجزيرة العربية وكريت واليونان والشام وجنوب الأناضول، وحقق انتصارات مدوية. لكن ده برضه من أكثر من ماية سنة. جيشنا الحديث سجله سجل هزائم وانكسارات. وأي هزائم وانكسارات!! ١٩٦٧. أنا ما عنديش أدنى شك إن من أهم الأسباب (ومش كلها علشان ما حدش يقول لي طب وأمريكا وموازين القوى والصهيونية) ال ورا هذا السجل الشائن للجيش المصري الحديث هو غياب الرقابة الشعبية عليه. أنا مش قصدي إن تبقى فيه مناقشة عامة للخطط العسكرية، إنما قصدي إن الشعب، بمجلسه التشريعي، وصحافته، ورأيه العام، ومجلس وزراؤه يبقى له دور رقابي على أداء الجيش. يعني أنا كمواطن مصري اتجندت وخدمت في الجيش (سنة ١٩٨٦) عندي شكوك حقيقية في الجاهزية القتالية للجيش، لإني بصراحة ما شفتش أي علامة جوه الجيش لقوة قتالية محترفة. كل ال شفتهم ضباط ورتب وفلوس ما لهاش آخر، لكن كل ده مالوش علاقة بالحرب، ولا بالتدريب، ولا بالمناورات ولا بالتحضير لأي قتال من أي نوع، اللهم إلا إذلال المجندين ومسح كرامتهم. وبعد إنهاء خدمتي كل ال شفته من الجيش طرق وكباري ومطاعم وشركات ونوادي ومحطات بنزين “وطنية” وناس بتهلل وتقول تسلم الأيادي. طب والتدريب؟ والتسليح؟ والعقيدة الجهادية بتاعت المؤسسة دي؟ دي أسئلة مش مسموح لينا إننا نقرب منها، مع إنها أسئلة مهمة ومحورية وتخص أمن وسلامة المواطن خاصة إننا عايشين في منطقة من أخطر وأدمى مناطق العالم.

ده تحليلي أنا. أنا لما نزلت يوم ٢٥ يناير والأيام والأسابيع والشهور التالية كنت بأنزل مش علشان عاوز أجيب الدولة دي الأرض. بالعكس. أنا نزلت مع أصحابي وزمايلي ال أظن كانوا بيشاركوني حسرتي على البلد علشان ما كانش هاين علينا التدهور ال شايفينه حوالينا والخراب ال أصاب مؤسسات البلد.

إحنا لما كنا بنهتف بإسقاط النظام ما كناش عاوزين نسقط البلد، إنما كنا عاوزين نسقط النظام الّ خرّب البلد.

لما كنا بننادي بضرورة إصلاح القضاء كنا بنطالب بتحقيق العدالة وبإنهاء الفساد ال بيرتع في صفوف القضاة، وإن المواطن يبقى من حقه الحصول على حقوقه المغتصبة بسرعة وكفاءة ويسر.

ميدان التحرير، ٢٩ يناير ٢٠١١ (من تصويري)

لما كنا بننادي بضرورة إعادة هيكلة الداخلية كنا بنؤكد على حقنا في الشعور بالأمن في بيوتنا، وفي نفس الوقت بحقنا في إننا منتعذبش في الأقسام ولا إننا نتهان على إيد أي ضابط شرطة معدّي في الشارع.

ولما كنا بنهتف ضد العسكر وبنقول “يسقط يسقط حكم العسكر” ما كناش بننادي بتسريح الجيش ولا بهزيمته. إنما كنا بنطالب بحقنا في إننا نتدرب بجد لما نتجند، وإن تجنيدنا ما يبقاش لحساب الهانم مرات البيه الضابط، وإن الجيش دوره ينحصر في الدفاع عن الحدود وما لوش دعوة بمحطات البنزين ولا بصوابع الكفتة، وإن ميزانية الجيش تبقى خاضعة لرقابة المجلس التشريعي علشان الناس تبقى عارفة فلوسها رايحة فين، وإن ضباط الجيش يعرفوا إن دي أموال البلد مش عرق الجيش، وإن ما فيش أي حد يحق له إنه يعذب المواطنين المصريين في المتحف المصري أو أي متحف تاني، ولا يكشف على عذرية البنات المصريات ال نزلوا يطالبوا بحقهم في حياة كريمة، ومؤسسات تخدمهم، وبلد محترم يحترمهم.

الإعلانات

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Be First to Comment

%d مدونون معجبون بهذه: