Press "Enter" to skip to content

حقيقة حملة فايزة أبو النجا على جمعيات المجتمع المدني

نُشر في المصري اليوم في ٢ مارس ٢٠١٢

أثارت الحملة التي أثارتها فايزة أبو النجا، وزير التخطيط والتعاون الدولي، ضد جمعيات المجتمع المدني حيرة الكثيرين. فالحملة بدأت بشكل مفاجئ ودون مقدمات، وشهدت تحريضًا إعلاميًا خطيرًا ضد العاملين في هذه الجمعيات، كما شهدت ترديًا خطيرًا في العلاقات مع الولايات المتحدة، إذ إنها استهدفت حوالي 20 مواطنًا أمريكيا اتهموا مع آخرين مصريين وأجانب، بالعمل بشكل غير قانوني في مصر وبتلقي أموالٍ من الخارج بشكل ينافي القانون المصري، وأدى تحريك الدعوى القضائية ضدهم ووضعهم على قوائم الممنوعين من السفر إلى لجوء بعضهم إلى السفارة الأمريكية، للاحتماء فيها في محاولة منهم لتفادي المثول أمام القضاء لمواجهة تهم مبهمة أطلقت على هواهئها.

وعلى مدار أكثر من ثلاثة أسابيع، شهدت القاهرة نشاطًا محمومًا من دبلوماسيين وساسة أمريكيين، جاءوا إلى مصر في رحلات مكوكية لمعرفة سر هذه الحملة المسعورة، ولتأمين إطلاق سراح المواطنين الأمريكيين المتهمين في هذه القضية الغامضة.

وطوال هذه الفترة ظل الإعلام الرسمي والكثير من القنوات والصحف المستقلة يردد تصريحات فايزة أبو النجا بأن «هذه القضية تتعلق بالأمن القومي المصري، وتسعى إلى تصحيح وضع مختل، وتبغي فرض سيادة الدولة المصرية واستعادة هيبتها». وفي مواجهة الضغوط الأمريكية الحميمة لإطلاق سراح المواطنين الأمريكيين، ظل الإعلام الرسمي يردد أن مصر لن تركع للضغوط الخارجية، وأن الموضوع بيد القضاء المصري الشامخ، وأن مصر لن تسمح باستخدام ورقة المعونة الأمريكية للانتقاص من سيادتها الوطنية.

وفجأة- وكما بدأت هذه الحملة بشكل غامض ومباغت- انتهت أيضا بشكل غامض ومباغت، فمنذ يومين قرأنا أن هيئة المحكمة، التي تنظر في القضية تلقت مكالمة تليفونية، لم يُذكر مصدرها، وهي المكالمة التي أدت إلى تنحي هيئة المحكمة عن النظر في القضية «لشعورها بالحرج». وبعد ساعات قليلة حطت طائرة عسكرية أمريكية في مطار القاهرة، وما هي إلا ساعات قليلة حتى أقلعت الطائرة حاملة معها الأجانب المتهمين في القضية ومعهم هيبة الدولة المصرية، واستقلال القضاء المصري الشامخ، والشعارات العنترية بعدم الركوع والخنوع.

في هذا المقال أتساءل عن سر هذه الحملة الغريبة وعن أسباب ذلك العداء الدفين، الذي تكنه فايزة أبو النجا لجمعيات المجتمع المدني. كما أتساءل عما إذا كان المستهدف من هذه الحملة هو الجمعيات الأجنبية العاملة في مصر أم جمعيات المجتمع المدني برمتها، وبالأخص تلك العاملة في مجال حقوق الإنسان، كما أحاول استخلاص الدروس والعبر من حملات تستخدام شعارات ديماجوجية تخاطب مشاعر الناس وتستنهضهم للدفاع عن سيادة الوطن وشرفه، بينما في حقيقة الأمر تؤدي هذه الحملات بعنتريتها وارتجالها وفجاجتها إلى ضياع هيبة الدولة، وإضعاف وضعها الدولي وإهدار استقلال القضاء وتشكيك الناس في سمعته وتقويض دعائم استقرار المجتمع وتضييع العمل الجاد والرصين، الذي تقوم به الكثير من جمعيات المجتمع المدني.

ألغاز وأسئلة:

واحد من أهم الألغاز المحيرة لهذه القضية هو ذلك العداء الفج للأجانب وحث الناس للنظر إليهم على أنهم أعداء وجواسيس، وأن التمويل الأجنبي لجمعيات المجتمع المدني يستهدف «زرع الفتنة الطائفية والعنصرية»، وأن الأجانب العاملين في هذه الجمعيات يعملون على «بث حالة عدم الثقة بين المواطنين والتحريض بكل الطرق ضد الدولة ومؤسساتها، خاصة الاستراتيجية منها، والعمل على إثارة القضايا الشائكة والحساسة، مثل رصد المستويات الاجتماعية والإنسانية للأقباط وأبناء النوبة، والعمل على إثارة قضاياهم ومشاكلهم في الشارع المصري وبين المواطنين بشكل تحريضي لخدمة أهدافهم»، حسبما وصفت صحيفة الأهرام شبه الرسمية «عدد 16 فبراير».

من ناحية أخرى، تتسق هذه اللغة مع الاتهامات بالعمالة والخيانة، التي وجهتها وسائل الإعلام الرسمية لشباب الثورة منذ اليوم الأول للثورة، وهي اتهامات زادت من العداء للأجانب وللغرب تحديدًا. فخلال الثمانية عشر يوما التي سبقت تنحي مبارك، استمر التليفزيون الرسمي في نشر شائعات عن وجود «عناصر أجنبية» تقوم بتوزيع وجبات أمريكية سريعة «وجبات كنتاكي الشهيرة سيئة السمعة» على متظاهري التحرير. وبعدها، قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتوجيه اتهامات لا أساس لها من الصحة لحركة شباب 6 أبريل، زعم فيها أنهم ممولون من الخارج، وأنهم تلقوا تدريبات في بلاد أجنبية لتنفيذ أنشطة تخريبية. ومنذ أسابيع قليلة مضت، وبعد مقتل أحد طلاب الجامعة الأمريكية بالقاهرة في مجزرة بورسعيد قبل تخرجه بأيام قليلة، أطلق المجلس العسكري على صفحته الرسمية على «فيس بوك» اتهامات فجة لا أساس لها من الصحة للجامعة الأمريكية بأنها «ج». ومؤخرًا، وعلى الصفحة نفسها، انتقد المجلس العسكري الكاتب توماس فريدمان، بسبب مقالة كان قد كتبها في صحيفة «نيويورك تايمز»، وانتقد فيها أداء المجلس العسكري، فقام المجلس بتقريع الكاتب الأمريكي وتوبيخه كأنه تلميذ في مدرسة، بسبب تجرأه على التدخل في الشأن الداخلي المصري.

لكن من ناحية أخرى، أرى أن هذه اللغة المعادية للأجانب تتناقض مع الروح الذكية الساخرة الواثقة من نفسها، التي عبرت عنها الجماهير في ميدان التحرير. وبصفتي واحد من هؤلاء الذين نزلوا إلى ميدان التحرير في 25 يناير وحضر الثمانية عشر يوما المجيدة، كما حضر أغلب المليونيات بعدها، فقد كان أهم ما لاحظته في الميدان هو ذلك الغياب الواضح للشعارات المناهضة للقوى الأجنبية، وأرى أن ندرة الشعارات والهتافات المنددة بالـ«استعمار وعملاء الاستعمار»، مثلا، لم يكن سببها أن متظاهري التحرير لا يعرفون شيئا عن الدور التقليدي الذي لعبته الولايات المتحدة الأمريكية أو السعودية أو إسرائيل على مدار ثلاثة عقود في دعم «مبارك» وفي الحفاظ على نظامه القمعي الفاسد، وإنما لأن المصريين- «وأعتقد أيضا التونسيين والليبيين واليمنيين والسوريين وملايين العرب»- شعروا للمرة الأولى منذ مائة عام أنهم غير عابئين بما تراه واشنطن أو لندن أو باريس، وإنما هم الذين يكتبون تاريخهم بأنفسهم، وهم الذين يقدرون أقدارهم. وأنا أعتبر أن هذه الثقة بالنفس- الممتزجة بالذكاء وبالسخرية- هي من أهم سمات الربيع العربي. كما أرى أن هذه السمة تحديدًا هي التي يعتبرها المجلس العسكري خطرًا على وجوده، وبالتالي يحاول مواجهتها بتبني خطاب تحريضي معادٍ للأجانب.

وبغض النظر عن الخطاب، تثير الاتهامات الموجهة لجمعيات المجتمع المدني عدة تساؤلات أخرى، فعريضة الادعاء- «كما نشرتها  صحيفة نيويورك تايمز»- والتي حسب علمي لم تنشرها أي صحيفة مصرية- اتهمت الجمعيات بأنها كانت تعمل في مصر بلا ترخيص وأنها بذلك انتهكت القانون المصري، الذي يتطلب الحصول على موافقة قبل تلقي تمويل أجنبي. ومن متابعتي لما نشر عن هذه النقطة أرجح أن تكون الجمعيات قد اخترقت بالفعل القانون في هذا الشأن، إلا أن تحفز فايزة أبو النجا ورغبتها في تشديد قبضة الحكومة على التمويل الأجنبي، لا يبدو أنه نابع من رغبة صادقة في أعمال نص القانون، فبينما تستهدف فايزة أبو النجا الجمعيات الأمريكية والألمانية الداعمة للديمقراطية، تتجاهل في الوقت نفسه ملايين الدولارات الأمريكية، التي قال الإعلام الرسمي نفسه إن «السعودية وقطر أرستلها لجمعيات سلفية ودينية مختلفة»، كما إنها تتجاهل الأخبار الصحفية، التي ادعت أن بعض تلك الأموال استخدم لتمويل حملات انتخابية لمرشحين سلفيين، فيما يعتبر انتهاكًا واضحًا ليس فقط لقانون الجمعيات، لكن لقانون الأحزاب ولقانون الانتخابات أيضا.

وكانت أهم تهمة وجهتها عريضة الدعوى للجمعيات هي عدم حصولها على تراخيص، وأن عملها بالتالي في مصر غير قانوني. ومشكلة هذه التهمة، كما هو معلوم للجميع، هو أن الترخيص مرهون بالحصول على موافقة أمنية غالبا من جهاز أمن الدولة سيئ السمعة، وهو بالمناسبة أمر لا أساس له في القانون. وللخروج من ذلك المأزق نص قانون الجمعيات الأهلية الحالي على ضرورة بت الوزارة خلال ستين يومًا في طلب القيد، الذي تقدمه الجمعية للجهة الإدارية المعنية، فإذا مضى الستون يوما دون أن تقوم الجهة الإدارية بإتمام القيد اعتبر القيد واقعا بحكم القانون، وتثبت الشخصية الاعتبارية للجمعية بإجراء هذا القيد أو بمضي ستين يوما أيهما أقرب، ومما تناقلته وسائل الإعلام الرسمي في هذا الصدد يتبين أن الجمعيات المتهمة قد تقدمت بالفعل بطلب للقيد منذ أكثر من ستين يومًا، إلا إنها لم تتلق ردًا، وبنص القانون تصبح تلك الجمعيات مرخصة قانونيا، رغم عدم حصولهم على أوراق ترخيص رسمية.

كان الدليل الأغرب، الذي قدمته عريضة الدعوى لإدانة الجمعيات والعاملين بها خريطة توضح «النوايا الخبيثة للجمعيات لخلق الفوضى وتقويض أي فرصة حقيقية أمام مصر لاستعادة دورها الإقليمي والدولي»، وكان هذا الدليل الدامغ ليس سوى خريطة لمصر مأخوذة من موقع «ويكيبيديا»، وتظهر فيها مصر وهي مقسمة لأربعة أجزاء، هي أقاليم الدلتا والصعيد والقاهرة الكبرى، بالإضافة لمنطقة القناة مع شبه جزيرة سيناء، وادعت العريضة أن تلك الخريطة توضح النية المبيتة لتقسيم البلاد وتقطيع أواصرها!! فإذا كانت هذه الطريقة هي التي تقرأ بها أجهزتنا الأمنية الخرائط، فأخشى أن الأمن المصري مهدد بالفعل، بسبب ضعف قدرة هذه الأجهزة على حماية الوطن من الأخطار الحقيقية، وليست الأخطار الملفقة.

حقائق وأرقام:

طوال هذه الحملة اعتبر الإعلام الرسمي أن ما يحدث بمثابة حرب قومية تهدف لاستعادة هيبة الدولة. ونُشرت مقالات عديدة تذهب إلى أن «مبارك» كان خادما لأمريكا، وأنه كان يعمل على إزالة أي عوائق أمام تلقي مبلغ المعونة الأمريكية «بشقيها العسكري والمدني»، والتي تبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار سنويا، وأنه في سبيل ذلك فرط في استقلال القرار المصري، وأهدر بالتالي الأهمية الاستراتيجية لمصر، وبدت فايزة أبو النجا وكأنها تقول إن الوقت قد حان بعد ثورة 25 يناير لاستعادة الكرامة المصرية والضرب بيد من حديد على الذين ينتقصون من سيادتها.

المشكلة أن فايزة أبو النجا ليست معروفة بصفة خاصة أنها كانت من أنصار الثورة، إلا إذا كانت تمارس التقية في هذا الأمر. بل على العكس كانت على مدار عشر سنوات موالية لـ«مبارك» وتخدمه بإخلاص من موقعها كوزيرة للتعاون الدولي، كما كانت تدافع بحرارة عنه وعن سياساته في كل المحافل الدولية.

إن الهدف الحقيقي وراء حملة فايزة أبو النجا ليس تلقي الجمعيات الأهلية تمويلا أجنبية، وإنما هدفها الحقيقي هو القضاء على جمعيات حقوق الإنسان، التي تشن حملات للدفاع عن الحريات الأساسية قبل وبعد ثورة 25 يناير، والسبب بسيط، فهذه الجمعيات الحقوقية، أكثر من الصحافة والأحزاب، هي التي استطاعت فضح وحشية الشرطة تحت حكم مبارك القمعي «وهو الحكم الذي كانت فايزة أبو النجا، كوزيرة في وزارة مهمة، أحد أركانه وأهم داعميه».  كما أن هذه الجمعيات هي التي  كانت وما زالت تدافع عن الضحايا، الذين لا حول لهم ولا قوة أمام الظلم والبطش الحكوميين، وهي التي عملت على رفع الوعي العام بالحقوق الدستورية والقانونية والإنسانية، ويبدو أن فايزة أبو النجا نجحت في إقناع المجلس العسكري بأن هذه الجهود الناجحة التي تقوم بها جمعيات حقوق الإنسان في مصر «حق يراد به باطل»، أما الباطل فهو مؤامرة متكاملة الأطراف تهدف إلى إسقاط مصر.

وبالتأكيد لاقى غضب فايزة أبو النجا من الجمعيات الحقوقية استحسان المجلس العسكري، فالجمعيات الحقوقية هي التي شنت حملات شجاعة لإنهاء إحالة المدنيين لمحاكمات عسكرية، وهي التي قاضت المجلس العسكري لإجراء كشوف العذرية سيئة السمعة على المتظاهرات، وهي التي تضغط على العسكر لإعادة هيكلة الداخلية وقطاع الأمن، وهي التي وثقت وألقت الضوء على المواجهات الدامية التي قامت بها الشرطة العسكرية والداخلية في أحداث ماسبيرو وشارع محمد محمود، وشارع مجلس الوزراء، وأخيرا في بورسعيد. إن الجمعيات الحقوقية هي التي قامت بكل ذلك وليس الإعلام أو البرلمان قليل الحيلة. وبناء على تخبط المجلس العسكري وعجزه عن إدارة أمور البلاد منذ توليه السلطة العام الماضي، فإن أعضاء المجلس لابد أن يشعروا بالغبطة والامتنان لما تقدمه لهم وزيرة كفايزة أبو النجا، ضالعة بالأمور ومخضرمة في كيفية تلميع صورة النظام بالخارج وذات خبرة في كيفية إعادة هيبة الدولة واستعادة سطوتها وفرض سيادتها على «شوية العيال بتوع التحرير».

اللعب بالنار:

ورغم كل معرفتها الواسعة وحنكتها، توضح أحداث الأمس كيف بالغت فايزة أبو النجا باللعب بأوراقها. فهي شأنها شأن زملائها في وزارة الخارجية، لطالما أرسلت لنظرائها الأمريكيين رسالة مفادها: «إذا قمتم بالضغط أكثر من اللازم على زر الديمقراطية، فسيسقط النظام ولن نستطيع حينها حماية مصالحكم في المنطقة، وبالتحديد لن نتمكن من مساعدتكم في حماية إسرائيل». ولسنوات طويلة كان الساسة والدبلوماسيون المصريون يحتمون وراء هذا الخطاب  السياسي، وحين يلتقون برئيس أمريكي جديد أو حين يجتمعون مع وزير خارجية أمريكي جديد أو عضو كونجرس، غلبان قد يتوقف لساعات في طريقه للقدس، كانوا يبدون وكأنهم يقولون لهم «بالراحة شوية علينا. خفوا بقى نبرة الكلام عن الديمقراطية بتاعتكم دي».

وبعد سقوط «مبارك» يبدو أن فايزة أبو النجا تريد إرسال رسالتين، واحدة محلية للمجلس العسكري، والأخرى أجنبية لنظرائها الأمريكيين. رسالتها للمجلس العسكري تتلخص في الآتي: «شعبيتكم تتضائل يومًا بعد يوم، وأعرف أن هذه الجمعيات الحقوقية الأهلية جايبالكم صداع. سيبوني عليهم. يمكنني التعامل معهم. فأنا أعرف كيف أقلب الرأي العام عليهم وأجعلهم يبدون كطابور خامس يهدد السيادة المصرية، ويعمل على إسقاط مصر. أما بالنسبة للأمريكان، أنا أعرف كيف أتعامل معهم، فهم لن يجرؤوا على قطع المعونة العسكرية، التي تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار سنويا، والتي تتقاضونها منهم، فهم يحتاجون لبقائكم في السلطة أكثر مما تحتاجون أنتم لأموالهم».

أما رسالتها للأمريكيين، فيبدو أنها كانت كالتالي: «أعرف أنكم فقدتم مبارك، وأنا آسفة على رحيله مثلكم تماما. لكن لا تيأسوا فنظامه ما زال مستمرًا ومستعدًا لعقد صفقات معكم كالمعتاد. إنما خفوا شوية موضوع الديمقراطية بتاعكم ده، فأنتم تعرفون أنه ليس من مصلحتكم الضغط على هذا الزر. سنعمل على إلهاء الرأي العام الداخلي قليلا، حتى ندعم حليفكم، المجلس العسكري، ونخفف الضغط عليه قليلا، وسنستخدمكم كدمية لتأليب الرأي العام عليكم، لكن لا تقلقوا، فهذا الخطاب ليس موجها لكم، وإنما هو للاستهلاك الداخلي فقط. آه، وبالمناسبة، إحنا لسا عاوزين فلوسكم».

المشكلة أن الأوراق، التي قامرت بها فايزة أبو النجا، ليست بالقوة التي كانت تظنها. فالساسة والديبلوماسيون الأمريكان، التي تتعامل معهم مختلفون هذه المرة. هؤلاء ليسوا سفراء أو ديبلوماسيين مهنيين من الذين عهدتهم أثناء عملها الطويل في الخارجية المصرية، وتحديدا حينما كانت تشغل منصب مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف. فهذه المرة الأمر يتعلق بالرأي العام الأمريكي، الذي يبدو أن فايزة أبو النجا شأنها شأن الخارجية المصرية كلها، لا تفهمه، بل لا تعيره انتباها كبيرا مفضلة التركيز مع نظرائها في الخارجية الأمريكية ومقللة من أهمية الكونجرس والصحافة الأمريكية بشكل عام،  ويبدو أن فايزة أبو النجا لم تدرك وطأة التغطية المستمرة، التي قام بها الإعلام الأمريكي لخبر اتهام مواطنين أمريكيين في مصر، أحدهم ابن وزير المواصلات في إدارة «أوباما»، ولجوء بعض هؤلاء المواطنين لسفارة بلادهم في القاهرة. وبغض النظر عن رؤيتنا نحن لهذه الاتهامات وللدور الذي أريد لها أن تلعبه داخليا في مصر، إلا أنها كان لها وقع مدوٍ في الأوساط الصحفية الأمريكية، وذلك، وللتذكرة، في عام انتخابات يسهل فيه، بل يستحب، الظهور بمظهر المدافع عن سمعة أمريكا ومصالحها بالخارج. وقد أثبتت الأيام كيف أخطأت فايزة أبو النجا في تقديراتها، وكيف أشعلت قضية لا قِبل لها بها، وكيف استثارت الرأي العام الأمريكي بشكل أجبر الساسة الأمريكيين على الضغط على المجلس العسكري في مصر لكي يصدر أوامره بفض المولد وصرف النظر عن القضية.

ولكن:

ولكن لا يمكن القول بأن ما طالبت به فايزة أبو النجا مرفوض بالكامل، فمن الضروري إخضاع الجمعيات الأهلية لرقابة محلية، سواء تلك الجمعيات العاملة في حقوق الإنسان أو غيرها. لكن هل يجب أن تتحكم الدولة، والدولة وحدها، في عملية الرقابة هذه؟ أنا أظن أن مجتمعا ديمقراطيا حقيقيا يتمتع فيه المواطنون بحقوقهم كاملة ويمارسون مسؤولياتهم السياسية والاجتماعية بوعي وشفافية هي الوسيلة المثلى لإحكام رقابة المجتمع على هذه الجمعيات، وإن كان للدولة وللقانون دور فيجب أن يقتصر هذا الدور على إجبار الجمعيات على الإفصاح عن مصادر التمويل وأوجه صرفها. ولأن نظام المراقبة الحالي ليس الأفضل، فنحن نحتاج إلى قانون جديد ينظم عمل تلك الجمعيات.. قانون ينطلق من حقيقة مفادها أن تلك الجمعيات ملك للمجتمع، وأنها تقدم خدمات جليلة للبلد، وأنه بالتالي يجب على القانون المنظم له أن ييسر عمل تلك الجمعيات لا أن يعرقلها.

كما أني أضم صوتي لصوت فايزة أبو النجا فيما ذهبت إليه من ضرورة إخضاع المعونة الأمريكية للمراقبة، لكن تلك المراقبة لا يجب أن تقتصر على الشق المدني من المعونة، والذي يمثل «جزءا صغيرا منها»، بل يجب أن تشمل أيضا الشق العسكري. فنحن نحتاج إلى نقاش مجتمعي حول تاريخ هذه المعونة والظروف التي أحاطت بها. وفوق كل شيء، نحتاج إلى كشف حساب يوضح كيف تم إنفاق المعونة على مدار الثلاثين عاما السابقة.

كما يلزم علينا إعادة تقييم علاقاتنا مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع إسرائيل في ضوء ثورتنا، لكن هذا التقييم لا يجب أن يترك للجيش، الذي يجب أن يطلع بالدفاع عن الوطن وليس برسم سياساته الخارجية، كما لا يجب أن يدير النقاش المجتمعي حول علاقتنا الجديدة بالولايات المتحدة وبإسرائيل مسؤول حكومي غير منتخب، يفتقر إلى تفويض من الشعب، والأدهى أن تكون شرعيته مستمدة من منصب عينه فيه ديكتاتور تمت الإطاحة به.

ويجب علينا أن نفتح هذا الحوار المجتمعي ليس بالطريقة الغوغائية التحريضية، التي أديرت بها هذه الحملة، لكن بشكل هادئ متروٍ يبغي مصلحة البلد ورفعته واستقراره.

Be First to Comment

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: